الاقتصاد كمؤشر لا يحظى بالبطولة

كتب عامر بدران: شاهدت، متأخراً، المقابلة التلفزيونية التي أجراها الصحفي عصمت منصور مع رجل الأعمال الفلسطيني بشار المصري، وهي مقابلة مطولة تقترب من الساعتين، ويستطيع المشاهد من خلالها أن يعرف ما لم يكن يعرفه عن حياة الرجل وأوجه نشاطه، وأن يتفاجأ أيضاً بمعلومات مثيرة، وخصوصاً فيما يتعلق بنشاطه السياسي السابق والحالي.
لكن ما لفتني أنا شخصياً هو جملتان وردتا على لسانه في المقابلة؛ الأولى كانت في معرض تعريفه عن نفسه، حيث قال: "عمري ما قدمت نفسي كسياسي.. لكنني حول السياسة دائماً"، أما الثانية فهي عن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، حيث قال عنه: "أبو عمار كان أسطورة.. إيجاباً وسلباً".
إذن هو حول السياسة، مثله مثل أي فلسطيني، كُتب عليه أن يكون ابن قضية سياسية في المقام الأول، قضية تحرر وطني وإنساني مزمنة، لم تعتقه كغيره من تبعاتها وارتداداتها، كما لم تعفه من أن يكون منخرطاً فيها.. إيجاباً وسلباً.
لكن إن فكرنا بالسياسة قليلاً، وأعطيناها أهميتها ومركزيتها في الحالة الفلسطينية، فسوف نجد أنها استأثرت بنصيب يفوق حصّتها من النقاش والاهتمام، حتى أنها كادت تحجب عنا حقولاً أخرى لا تقل أهمية في مجريات الصراع. أو لنقل إن هذه الحقول تكتسب في العالم أهمية متزايدة في العقود الأخيرة، بينما توقف قطار النقاش في حالتنا عند السياسة ولا يريد أن يتجاوزها، أو هو يخاف أن يتجاوزها.
على رأس هذه الحقول يتربع الاقتصاد والتنمية، وما يلزمهما من إدارة ناجحة. وبالطبع لا أقصد أن الاقتصاد والتنمية حقلان زادت أهميتهما في العالم المحيط وحسب، فهما كذلك شئنا أو أبينا، ولا نبالغ إن قلنا إن الحروب الأخيرة دوافعها اقتصادية بحتة، وأهدافها عند من يخوضونها تتمحور حول من يسيطر على خطوط التجارة وممرات التنمية ومصادر الطاقة.
لكن ما أقصده أنه إضافة إلى ذلك فإن الاقتصاد ركن أساسي من أركان قضيتنا، كونها أيضاً قضية موارد وفرص وتنمية وقدرة على الصمود. لكن قبل أن نخوض في هذه الأهمية، لا بد من التأكيد أن الاقتصاد ليس بديلاً عن التحرر، وإلا لرضخ الشعب الفلسطيني وممثله الشرعي وقياداته إلى عشرات المبادرات والمشاريع التي تنادي بحلول اقتصادية لمشكلة سياسية. لكنني أعتقد أنه أحد شروط القدرة على هذا التحرر، لأنه لا ينفصل، ولا يجب أن ينفصل، عن مقومات الحياة والصمود والقدرة على اتخاذ القرار المستقل.
لقد قطعنا شوطاً سياسياً بإنجاز السلطة الفلسطينية وتكريسها على الأرض، وبهذا لم يعد تعريفنا يقتصر على كوننا حركة تحرر، لكننا لم نصل بعد إلى إنجاز مشروعنا الوطني المتمثل بدولة مستقلة تمتلك كامل مقومات السيادة. ولهذه الأسباب فإن افتقارنا إلى قاعدة إنتاجية واعتمادنا على مصادر دخل خاضعة في معظمها لقرارات خارجية، يجعل من قدرتنا على المناورة وفرض الشروط محدودة حتى لو امتلكنا رواية سياسية متماسكة وعادلة.
ثم لنكن واقعيين، خصوصاً بعد ما جرى لنا خلال هذه الحرب الطويلة، وما تسببت به من وضع قضيتنا في مهب رياح المصالح الإقليمية والعالمية. ولنفترض أن الحل الذي نريده ما زال يحظى بفرص التحقق، لكنه يتعذر حالياً، وبحاجة إلى زمن طويل لإعادة ضبط موازين القوى لصالحه وصالحنا، فهل نترك المجتمع يدفع الثمن وحده؟ وهل نحوّل الانتظار السياسي إلى حالة دائمة من الاستنزاف الاقتصادي؟ وهل نتعامل مع بناء القطاعات الإنتاجية وخلق فرص العمل كمسائل ثانوية؟
لذلك فعلينا أن نتوقف عن النظر دائماً إلى رأس المال بريبة سياسية مبنية على أحكام مُسبقة، وأن نُفعّل بدلاً عن ذلك الأسئلة المشروعة، إيجاباً وسلباً، حول علاقة رأس المال بالمجتمع. ولن يتم ذلك بالصورة المطلوبة إلا بإشراك رجال الأعمال في النقاش وسماع ما لديهم. وما لديهم هنا لا يتعلق بالثروات، وإنما بالخبرات الإدارية وبالقرارات المتعلقة بالتنمية والمصلحة العامة والمسؤولية الوطنية.
لكن ربما أن المسؤولية الوطنية نفسها بحاجة إلى توسيع الزاوية التي نقوم بتعريفها من خلالها، وهنا لا بد من التحلي بالجرأة في النظر إلى رأس المال الوطني من خلال فاعليته في تقوية المجتمع ومساهمته في بناء قدرة هذا المجتمع على مواجهة المستقبل، وليس فقط من خلال دوره في العمل الخيري والتبرعات والدعم، على أهمية هذه القطاعات دون أدنى شك.
أو بلغة أخرى يمكننا القول إننا كفلسطينيين بحاجة إلى توسيع مفهوم مشروعنا الوطني، بأن تصبح الخبرة الاقتصادية والإدارية جزءاً أصيلاً منه. وهنا ستفيدنا عشرات التجارب الناجحة في العالم والتي أنهتها السياسة وأنقذتها الإدارة الاقتصادية، كاليابان ورواندا وغيرهما.
قد يسأل سائل: وهل المستقبل مخيف إلى هذه الدرجة لنغيّر من لغتنا السياسية التي اعتدنا عليها؟ ثم ما هي نوعية الاقتصاد القادر على هذه المواجهة؟
وهي أسئلة مشروعة، وسأحاول الإجابة عنها كالتالي وبالكثير من الاختصار:
المستقبل مخيف نعم، لأن الحدود التي رسمت النظام الدولي الحالي لم تعد تتمتع بالقدسية القديمة ذاتها ولا بالقوة ذاتها. صحيح أنها ما زالت ثابتة شكلاً، لكنها أصبحت أقل قدرة على تحديد حركة الثروة والقوة. فمع صعود الشركات العابرة للحدود والمنصات الرقمية وشبكات الإنتاج والمعرفة التي لا تنحصر، ولا يلزمها أن تنحصر، داخل جغرافيا وحدود معينة، سيتغير مفهوم ووظيفة الدول، وسوف تحدث تغييرات حتى على مفهوم السيادة ذاته.
وتبعاً لهذا التغيير، أو كمقدمة له، أو بالموازاة معه، حسب طبيعة كل دولة أو كل وحدة سياسية على حدة، سوف يتغير الاقتصاد الذي تستند إليه السيادة، من اقتصاد مرتبط بالأرض والموارد إلى اقتصاد مرتبط بالمعرفة والتكنولوجيا والشبكات العالمية والموقع الجغرافي.
وماذا سيحدث لنا كفلسطينيين إن بقينا نناقش العالم الجديد بأدوات ولغة العالم القديم؟ ثم حين نصل بمشروعنا الوطني إلى غايته وهو الدولة المستقلة، فهل ستكفي الدولة وحدها لضمان القوة والازدهار؟
لنعد إلى ما بدأنا به: أين يقع بشار المصري من كل هذا، وهل يستوفي هذه الشروط؟
وهنا لا بد من التأكيد أن الموضوع لا يتعلق به كرجل أعمال ناجح، فهذه الصفة تنعكس عليه شخصياً ولا تعنينا من قريب أو بعيد، أما الذي يعنينا فهو نموذج الاستثمار الذي يقوم به، والحكم على هذا النموذج من خلال المعايير الاقتصادية الأساسية وهي: الإنتاج والقيمة المضافة، فرص العمل التي توفرها هذه المشروعات وجودتها واستدامتها، الانتشار والعدالة الاقتصادية أفقياً وعمودياً، وأخيراً الاستقلالية والقدرة على الصمود.
فلتكن هذه المعايير الأربعة هي ما نتناقش حوله إيجاباً وسلباً.
ومن اطلاعي المتواضع فإن تجربة روابي، كمحاولة لتوسيع الممكن داخل الظروف القائمة، تقدم مادة غنية للنقاش حول الاستثمار طويل الأجل في الإسكان والبنية التحتية والبيئة الحضرية وفرص العمل، كما أن الاستثمار بالتكنولوجيا كحقل يتجاوز الحدود السياسية ويفرض المعرفة، أعتقد أنه استثمار يستحق الإشادة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


