حين أُفرغت المخيمات ماذا حلّ باللجان الشعبية؟

كتبت مجد حثناوي: بعد قرابة عامين على بدء النزوح من مخيمات شمال الضفة الغربية، لم تتوقف اللجان الشعبية للخدمات عن العمل، لكن عملها تغيّر جذرياً فبعد أن كانت تدير شؤون الحياة اليومية داخل المخيم، استأجرت مقرات في المدن، وحصرت النازحين ووثّقت الدمار، وشكّلت لجان طوارئ في مواقع النزوح، وصارت عنواناً سياسياً ومعنوياً لمخيم غاب أهله عنه. وفي المقابل تقول اللجان، على لسان رؤسائها وأعضائها، إنها تعمل بلا تمويل يُذكر، وتتعرض لضغوط من المانحين، وتواجه شرطاً إسرائيلياً يربط عودة السكان بإنهاء دور الأونروا، وهو شرط ترفضه وتعدّه محاولة لتصفية قضية اللجوء.
خلفية: مخيمات خالية وخدمات مقلَّصة
بدأت الحلقة الأحدث من الأزمة بإقرار الكنيست قوانين في أكتوبر 2024 تستهدف منع الأونروا من العمل في القدس، وبحسب بيان رسمي للوكالة صدر في فبراير 2025، توقفت خدماتها داخل مخيم جنين في أوائل ديسمبر 2024، ولم يعد التواصل بين طاقمها والسلطات الإسرائيلية مسموحاً، ومع بداية العام الدراسي في سبتمبر 2026 بقيت عشر مدارس تابعة للأونروا مغلقة في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، علماً أن الوكالة تقدم التعليم لنحو 45 ألف طالب في 96 مدرسة في الضفة بحسب بياناتها، وفي أغسطس 2026 ذكر مستشارها الإعلامي أن الاحتلال أغلق ست مدارس في مخيمات ومقرات للوكالة في القدس.
وتتفاوت تقديرات النزوح بين المصادر، ففي جنين قدّرت السلطات المحلية عدد من أُجبروا على مغادرة المخيم بنحو 21 ألفاً، بينما أشارت الأونروا في 2025 إلى نحو 30 ألفاً، وفي طولكرم ونور شمس قالت اللجنة الإعلامية في طولكرم إن نحو 11 ألفاً أُجبروا على إخلاء منازلهم في مخيم طولكرم وخمسة آلاف في مخيم نور شمس، وأعلنت لجنة الطوارئ في نور شمس أن نصف السكان نزحوا، وأشارت تغطية الجزيرة نت إلى هدم أكثر من 1400 منزل منذ العملية العسكرية التي بدأت في 21 يناير 2025.
ثم جاء التقشف المالي في 2026، فقد وصفت الجزيرة نت تقليصات الأونروا بأنها زمنية، بخفض أيام الدوام المدرسي، ومكانية، بتجميد مرافق صحية حيوية، وقالت إنها طالت مهجّري المخيمات الشمالية الذين فقدوا شبكة الأمان الإغاثية، وعلى هذه الخلفية تعمل لجان الخدمات الشعبية، وهي هيئات تنسق مع دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير، وكانت دراسة لجامعة القدس عام 2020 عن مخيمات الشمال قد وجدت أن مستوى خدماتها كان مرتفعاً مع تباين بين المخيمات، وأن المصلحة العامة كانت تتقدم على المصالح الفصائلية في تقديم الخدمة.
جنين: لجنة بلا مخيم
يتحدث رئيس لجنة الخدمات الشعبية في مخيم جنين محمد الصباغ عن مشهد لم تألفه الساحة الفلسطينية منذ النكبة، ويقول"كانت إدارة المشهد في حالة النزوح صعبة منذ البداية، وهو أمر لم نعتده، فهو مشهد غير موجود في الساحة الفلسطينية منذ عام 1948 على الأقل، وكانت هناك حالة من التخبط والضغط وعدم وضوح الرؤية".
استوعبت المرافق العامة في المحافظة وبيوت بعض الأهالي النازحين في الأيام الأولى، ولما تبيّن أن الأزمة ستطول، وجّهت اللجنة الأهالي إلى استئجار شقق، وسكّنت عدداً منهم في نحو 18 أو 19 عمارة من سكنات الجامعة الأمريكية، بحسب الصباغ، وأجرت اللجنة بالشراكة مع الأونروا عملية حصر استمرت ثلاثة أشهر لتحديد النازحين وأماكن وجودهم، وهم اليوم موزعون، كما يقول، على نحو 34 موقعاً جغرافياً في محافظة جنين.
وتحتل اللجنة في هذا الوضع موقعاً يتجاوز الخدمة، فقد استأجرت مقراً في مدينة جنين، ويشرح الصباغ الغاية من ذلك: «حرصنا على أن يكون عنوان النازح، حتى لو كان في الخليل، اللجنة الشعبية، وأن تكون اللجنة عنواناً معنوياً ومادياً وسياسياً للحفاظ على هوية المخيم».
ويربط ذلك بمحاولات إسرائيلية لتغيير صفة المخيم، قائلاً: «كانت هناك محاولات من الاحتلال لفرض كيان جديد لمخيم جنين وضمّه إلى مدينة جنين بوصفه حياً من أحيائها، وكان هناك موقف رافض من جميع المؤسسات، ومنها المؤسسات الرسمية».
أما الوجه الاقتصادي للأزمة فيصفه بأرقام ثقيلة، يقول الصباغ إن نسبة البطالة بين النازحين باتت تصل إلى نحو 85%، وإن المخيم كان يضم قرابة ألف منشأة تجارية، وإن نحو 18 ألف عائلة فقدت مصدر رزقها في لحظة واحدة ويضيف أن إعادة تأهيل المخيم تحتاج إلى مئات الملايين من الدولارات، وأن حجم الأضرار يقدَّر بنحو 250 مليون دولار، تشمل المباني والمنشآت التجارية والمركبات والبنية التحتية والطرقات.
طولكرم ونور شمس: مدارس تُنقَذ وأسماء تُسجَّل
في طولكرم يروي فيصل سلامة من اللجنة الشعبية، وهو من المخيم، أن أول ما واجهه النازحون كان التعليم، يقول: «لا شك أن إغلاق مدارس الوكالة في المخيم شكّل مشكلة كبيرة جداً للطلاب والأهالي»، فوُزّع الطلاب بداية على مدارس حكومية في القرى، وبعد أشهر، وبالاتفاق مع الأونروا والمحافظة، فتحت اللجنة مدارس مجمع مخيم طولكرم على الشارع الرئيسي لتصبح مدارس مخيمي طولكرم ونور شمس معاً، ووفّرت وسائل نقل لإيصال الطلاب النازحين إليها من أماكن سكنهم، ويقول إن الهدف كان أن «تبقى مدارس الوكالة مستمرة وتقدم الخدمات التعليمية للاجئين والنازحين تحديداً".
ويصف سلامة البنية التنظيمية التي نشأت في النزوح، فقد اجتمعت اللجنة في كل موقع من مواقع النزوح، وشكّلت لجان طوارئ ترعى شؤون النازحين في كل منطقة بالتنسيق مع الأونروا والمؤسسات الشريكة والمحافظة ووزارة التنمية الاجتماعية، وفتحت اللجنة مكتباً في المدينة بعنوان رسمي يتردد عليه النازحون للحصول على كتب المراسلات وتسجيل أسمائهم وحصر معلوماتهم، ثم يرفع مسؤول كل موقع الأسماء والاحتياجات إلى لجنة الطوارئ ومنها إلى لجنة الخدمات، التي ترفعها بدورها إلى الأونروا والتنمية الاجتماعية والمؤسسات الشريكة، وسار مهندسو اللجنة في مسار توثيق البيوت المهدومة بأسماء أصحابها، والبيوت التي لحقت بها أضرار جزئية، والمحلات التجارية، والبنية التحتية، ورُفعت هذه الجداول إلى مكتب المحافظ والأونروا والتنمية الاجتماعية، ويلخص سلامة طبيعة العمل بقوله: «نقوم بعمل إداري تطوعي، فغالبية أعضاء اللجنة يعملون تطوعاً».
وعن مخيم نور شمس، تفيد المصادر المنشورة بأن رئيس لجنته نهاد الشاويش تحدث باسم المخيم عن الحصار والهدم والتهجير القسري، وأن لجنة الخدمات أعلنت هدم 66 منزلاً حتى مارس 2025، أي إنها أدّت دور التوثيق الميداني.
بلاطة: من احتجاج على التقشف إلى رفض البديل
يرسم رئيس اللجنة الشعبية في مخيم بلاطة عماد زكي صورة أبعد من الشمال، فهي صورة تتصل بالقدس وبمخيمات لم تُفرغ بعد لكنها تحت ضغط التقليصات، فهو يذكر إغلاق بعض المدارس في مخيم شعفاط ومؤسسات ومدارس مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، ويقول إن من شروط عودة السكان عدم مسؤولية الوكالة عن هذه المخيمات وتحويلها إلى حي تابع للبلديات، وهو شرط رفضته السلطة واللجان الشعبية ودائرة شؤون اللاجئين، وتتطابق روايته هنا مع ما نُقل عن رئيس دائرة شؤون اللاجئين أحمد أبو هولي من أن شروط الاحتلال للانسحاب من مخيمات الشمال تشمل منع أي نشاط للأونروا أو عمل سياسي داخلها، وإخضاع النازحين للفحص الأمني عند عودتهم.
ويقول: «هناك ضغوط شرسة ومنظمة من المانحين، سواء بالحصار المالي أو السياسي، بضغط من الولايات المتحدة وإسرائيل، حتى على الدول العربية». ويستشهد بنقص يقدّره بنحو 400 معلم في مدارس الوكالة بالضفة بعد تقاعد معلمين دون تعيين بدلاء، عُيّن بعضهم بنظام «المال مقابل العمل» لمدد محددة دون مقابلة أو امتحان، ولم يُعثر حتى الآن على معلمين لمواد أساسية مثل العربية والإنجليزية والرياضيات، وكذلك الحال في العيادات الصحية.
وتقابل هذه الأزمة موقفاً حاداً من اللجان نفسها. إذ يقول: «نرفض رفضاً قاطعاً أن نكون محل وكالة الغوث، لكننا نساعد قدر الإمكان بعض العائلات في احتياجاتها الأساسية والطارئة». وأعلن أن لجان خدمات مخيمات بلاطة وعسكر القديم والجديد وعين بيت الماء ستُغلق أبوابها احتجاجاً، على أن يتبع ذلك مؤتمر صحفي واعتصام جماهيري ومؤسساتي أمام مخيم بلاطة، موضحاً أن «اللجان ليست بديلاً عن الوكالة». ويضيف أن الوصول إلى الأسر التي غادرت المخيمات صعب، وأن بعضها رحل إلى محافظات أخرى بسبب ارتفاع أجور المنازل، فتتولى اللجان الموجودة هناك التنسيق.
ما الذي بقي من عمل اللجان؟
تتقاطع الإفادات الثلاث في وصف أعمال متشابهة، يمكن جمعها في أربعة أدوار رئيسية، الدور الأول هو الإغاثة وإدارة الطوارئ، من تشكيل لجان طوارئ في مواقع النزوح إلى تسجيل الأسماء وإصدار كتب المراسلات ورفع الكشوف إلى الأونروا والتنمية الاجتماعية والمؤسسات المانحة، والدور الثاني هو التوثيق، ويشمل حصر النازحين وأماكن وجودهم، وتسجيل البيوت المهدومة والمتضررة والمحال التجارية والبنية التحتية، وهي عملية قال رئيس لجنة بلاطة إن كادراً متخصصاً يتولاها لتوثيق ما يجري في كل مخيم بالتفصيل، والدور الثالث هو حلقة الوصل بين السكان والأونروا والجهات الرسمية، ويتجلى في مثال مدارس طولكرم التي أُعيد فتحها بالتنسيق بين اللجنة والوكالة والمحافظة. أما الدور الرابع فهو حفظ هوية المخيم في غياب أهله، وهو ما عبّر عنه الصباغ بفكرة «العنوان» وقال سلامة بأن المخيم «شاهد حي على جرائم العصابات الصهيونية عام 1948».
وفي جنين تتسع الأدوار بحسب الصباغ لتشمل ما يتجاوز خدمات الأونروا بعد اقتصارها على أربع خدمات أساسية، فيقول: «بقية الخدمات نحن نقدمها للمخيم، ولا نسمح بأن يكون مخيمنا أقل من محيطه، فيجب أن يكون مؤهلاً لحياة كريمة للناس». ويتضمن ذلك صيانة البنية التحتية والطرقات وإنشاء مشاريع صغيرة. وهنا تبرز مسألة الحد الفاصل بين سد الفراغ والتحول إلى بديل، وهي مسألة ترسمها اللجان نفسها بوضوح: التعليم والصحة والنظافة للوكالة، وما عداها مما تقلّص يتولاه المجتمع المحلي بصفة مكمِّلة لا بديلة، ويقول الصباغ: «دورنا ليس على حساب دور وكالة الغوث، بل هو معزّز لوجودها وحضورها ومكمّل لها».
التمويل والشرعية: لجان تعمل بالتطوع
يبدو التمويل أضعف حلقات هذه المنظومة، يقول سلامة: «لم تكن لدينا أي مصادر تمويل، ولم نتلقَّ دعماً رسمياً لا من السلطة ولا من أي مؤسسة دولية أو محلية». وفي حين تحدث عن موازنة تشغيلية طارئة محدودة تُخصَّص للجان لسد احتياجات إنسانية عاجلة، فإنه نفى وصول مبالغ فعلية إلى اللجنة.
وتصف المبادرات التي تنفذها بعض المؤسسات، بحسب قوله، بأنها ورشات ترفيه ودعم نفسي ضمن مشاريع صغيرة. أما رئيس لجنة بلاطة فيقول: «لم نتلقَّ في السنوات الثلاث الأخيرة أي دعم من مؤسسات دولية، لأن هناك شروطاً صعبة لا نقبلها، أما السلطة فلم نتلقَّ منها ميزانيات منذ عام 2024 بسبب وضعها المالي».
وتفتح هذه الحال سؤال الشرعية، فاللجان ممثلة لفصائل منظمة التحرير والمؤسسات الشريكة، وقد انتُخبت، بحسب سلامة، قبل عامين من النزوح. ويقول: «لا مشكلة لدينا في إجراء الانتخابات، لكن في حالة النزوح من الصعب جداً إجراؤها في كل موقع»، مؤكداً أن اللجان ستعلن الانتخابات وتجدّد الحياة التنظيمية عند العودة إلى المخيم، ويفيد رئيس لجنة بلاطة بأن انتخابات جرت في بعض المخيمات وستجري في الباقي خلال الأشهر المقبلة، أما مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس فستُدار بترتيبات وتوافق داخل كل مخيم بالتنسيق مع دائرة شؤون اللاجئين، ويعني ذلك أن شرعية لجان المخيمات المُفرغة تقوم الآن على التوافق والاستمرارية أكثر من تجديد التفويض، وهي نقطة تستحق متابعة بعد العودة.
الأونروا: شريك لا بديل
تتفق الإفادات على أن الأونروا ليست طرفاً يمكن تجاوزه. يقول الصباغ: «لا يزال دور الوكالة قائماً، ونحن حريصون على تثبيته وعلى أن تكون شريكة لنا في كل التفاصيل»، مضيفاً: «لا يوجد أي تعدٍّ على دور وكالة الغوث بوصفها صاحبة الولاية على المخيم وعلى المرافق والخدمات الأساسية، وخاصة التعليم والصحة والنظافة». ويقر في الوقت نفسه بأن الوكالة بات «من الصعب عليها أن تمارس دورها الطبيعي داخل المخيم» لأن اللاجئين متفرقون، ولذلك «كان لا بد من إيجاد بدائل تثبّت دور الوكالة وحضورها وولايتها على موضوع اللجوء».
أما سلامة فيعتمد على الأساس القانوني، فيقول: «هذا مطلب دولي وقانوني جاء في قرار الأمم المتحدة رقم 302، فيجب الحفاظ على هذه المنظومة الدولية لرعاية اللاجئين وتقديم الخدمات الصحية والتعليمية لهم دون نقصان». ويحذّر من أن «الاحتلال يسعى إلى دمج أبناء المخيمات في القرى والمدينة وإنهاء صفة اللجوء والمخيمات»، ويؤكد: «لن تكون اللجان بديلاً دائماً عن الوكالة، فهي المرجعية الإدارية والقانونية للاجئين». ويربط بقاء الوكالة بالحل السياسي، قائلاً: «نحن متمسكون بهذه المظلة حتى إنهاء قضية اللاجئين والتوصل إلى حلول»، أي حتى تطبيق القرار 194.
ويتحدث الصباغ أيضاً عن ضغوط من المانحين تدفع إلى «تهميش دور الوكالة أو الانخراط في عمل يمس مهامها الأساسية»، لكنه يؤكد أن هناك «تفاهماً وإجماعاً على أن تكون الوكالة صاحبة الريادة والولاية على اللاجئين داخل مخيم جنين»، وأن «مستقبل وكالة الغوث واللجنة الشعبية والمخيم كله مرتبط ببعضه».
العودة وإعادة الإعمار
لا يرى الصباغ في المدى المنظور أفقاً واضحاً للعودة، فهو يقول إن الاحتلال مصرّ على عدم عودة الوكالة شرطاً أساسياً لعودة النازحين إلى مخيم جنين، وإن هذا الشرط «مرفوض شعبياً ورسمياً»، وإن أحداً لن يتحمل المسؤوليات التي كانت الوكالة تتحملها. ومع ذلك يؤكد أن اللجنة وشركاءها قادرون على إدارة الأزمة بحجم التحديات إن تقرر الانسحاب.
ويتحدث سلامة عن تصور مماثل: استقرار أمني ومجتمعي أولاً، ثم مساعدات سريعة، ثم إعادة إعمار وتأهيل سكني بالتعاون مع الأونروا والسلطة والبلديات والمؤسسات المانحة. أما رئيس لجنة بلاطة فيختم بنبرة التحدي: «نحن أصحاب حق، ومهما طال الزمن وكثرت المؤامرات سنحصل عليه، حتى لو بقي طفل واحد في كل مخيم»، داعياً التنظيمات والمؤسسات والشخصيات الفلسطينية إلى وضع استراتيجيات مشتركة لإفشال هذه المخططات.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


