تحقيق استقصائي لوطن: "عيار ثقيل" منتجات إسرائيلية مخالفة للشروط الصحية تغزو أسواقنا.. والرقابة ضعيفة!
- "ربع العينات الإسرائيلية المستهدفة راسبة بالفحص الكيميائي"
- "تراكم المواد الحافظة يسبب أمراضاً خطيرة على المدى البعيد مثل السرطان"
وطن للأنباء – أنصار اطميزي: رغم النجاحات التي حققتها، لم تؤدي العديد من حملات مقاطعة البضائع الإسرائيلية الى جعل السوق الفلسطينية خالية من هذه المنتجات، فقد بلغ حجم الصادرات الإسرائيلية إلى العالم في العام ٢٠٢٢ نحو ٧٧ مليار دولار منها ٤ مليارات دولار ونصف إلى السوق الفلسطينية، أي ما نسبته نحو ٦ % من حجم الصادرات الإسرائيلية إلى العالم، تراجعت هذه النسبة خلال الإبادة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في العام ٢٠٢٤ ووصلت إلى 2 ونصف المليار دولار بحسب جهاز الاحصاء المركزي الفلسطيني، وبما أن هذه المنتجات لاتزال على رفوف أسواقنا هل فكرنا يوماً بجودة هذه المنتجات التي تغزو أسواقنا وأجسامنا ..؟
يكشف هذا التحقيق عن انتشار منتجات إسرائيلية مخالفة للمعايير الصحية، وللمواصفات والمقاييس والتعليمات الفنية الإلزامية في أسواقنا الفلسطينية، واحتوائها على نسبة عالية من المواد الحافظة التي يؤثر تراكمها سلبا على صحة أبناء شعبنا، حيث أكد لنا خبراء تغذية أن تراكم هذه المواد في جسد الإنسان قد يؤدي الى أمراض سرطانية!
وحدة الصحافة الاستقصائية في شبكة وطن الإعلامية قامت بجمع عينات عشوائية من منتجات غذائية إسرائيلية منتشرة بالسوق المحلي من أجل فحصها والتأكد من سلامتها ومطابقتها للمواصفات والمقاييس الفلسطينية.
وقد أكد تامر حنتش مدير الخدمات الطبية المساندة في وزارة الصحة أن الوزارة أعطت التعليمات الخاصة بسحب العينات من حيث تاريخ الصلاحية وسلامة العينات لوحدة الصحافة الاستقصائية في وطن وقد تم إدراج نتائج العينات المفحوصة ضمن أهداف البحث العلمي للوزارة.
ربع العينات راسبة بالفحص الكيميائي
نتائج الفحص الكيميائي التي استغرقت نحو ثلاثة أسابيع كشفت رسوب ٣ منتجات بالفحص وهي (لبنة حمص وحليب ) أي أن ربع العينات المفحوصة مخالفة مخالفة للمواصفات والمقاييس الفلسطينية بنسب عالية من المواد الحافظة، وكان أخطرها لبنة إسرائيلية بلغت نسبة المواد الحافظة فيها أعلى من الحد المسموح بخمسة أضعاف.
وقد أشار هاشم الجعص رئيس قسم الكيمياء في مختبر وزارة الصحة المركزي أن العينات تم تحليلها ضمن البروتوكول المعمول فيه في المختبر الصحي العام الحاصل على شهادة الـ ISO 17025 فقد تم فحص العينات ضمن النظام وطرق فحص معيارية ثابتة لجميع المنتجات وقد وجدنا من ضمن الـ 11 عينة التي استلمناها من شبكة وطن أن 3 عينات خارج الحد المسموح فيه حسب المواصفات والمقاييس الفلسطينية، فقد وجدنا أن عينات الحليب كان فيها خلل مثلا في نسبة الدهن كانت منخفضة عن المدى المسموح فيه حسب المواصفة الفلسطينية وكانت تحتوي مواد حافظة أعلى من الحد المسموح فيه فلسطينياً.
أما عينة اللبنة وفق الجعص "فقد وجدنا ان فيها مواد حافظة بشكل فاحش، أعلى من الحد المسموح فيها فلسطينياً بشكل كبير بالإضافة لعينة حمص كانت غير مطابقة للمواصفات الفنية الإلزامية الفلسطينية".
.jpg)
الفحص الميكروبي .. عينتان ملوثات من أصل ١١ عينة
أما نتائج الفحوصات المايكروبية المتعلقة بمدى سلامة المنتجات من أي بكتيريا أو ملوثات أخرى فقد أشارت الفحوصات أن ٢ من المنتجات المفحوصة (من أصل ١١ عينة قد رسبت)، أي أنها ملوثة.
وأوضحت ميرفت هديب رئيسة قسم الأحياء الدقيقة في مختبر الصحة العامة المركزي في وزارة الصحة أن عينتين من العينات ال١١ التي استلمتها الوزارة كانت راسبة من حيث الفحوص الميكروبية وهي عينة مرتديلا كانت تحتوي على عدد كبير من البكتريا الهوائية تجعلها غير صالحة للاستخدام وغير مطابقة للمواصفات الفلسطينية، ولبنة بالزعتر كانت ملوثة بنسبة كبيرة على الرغم من احتوائها على مواد حافظة عالية.
المواصفات والمقاييس تؤكد: هذه عينات مخالفة ..
عرضنا هذه النتائج على مؤسسة المواصفات والمقاييس الفلسطينية لمعرفة المواصفة الفلسطينية المعتمدة ، وقد أكد أديب القيمري مدير دائرة التوصيف مؤسسة المواصفات والمقاييس، أن العينات الثلاث (حمص، لبنة، والحليب) هي غير مطابقة للمواصفات الفلسطينية وتوقف للتعقيب على عينة اللبنة التي أشار أنها تحتوي على مواد حافظة أعلى بخمسة أضعاف الحد المسموح به فلسطينياً.
.jpg)
تراكم المواد الحافظة يسبب أمراضاً خطيرة على المدى البعيد
المواد الحافظة تدخل في التصنيع الغذائي من أجل حفظ المواد الغذائية من التلف وتحسين جودة وشكل ولون المنتج، وبحسب الخبراء فإن أي زيادة في نسب المواد الحافظة سيشكل خطرا على صحة الإنسان.
وفي هذا السياق تحدثنا إلى الدكتور صالح صوالحة مدير دائرة الهندسة الغذائية في جامعة القدس، الذي أكد على ضرورة الاستخدام المقنن للمواد الحافظة في التصنيع الغذائي لما لها من أهمية في الحفاظ على جودة وشكل ولون المواد الغذائية المصنعة، لكن صوالحة حذر من خطورة الاستمرار في التعرض لهذه المواد الحافظة خاصة بكميات كبيرة والفوضى في استخدامها، حيث أن ذلك من الممكن أن يسبب أمراض كثيرة كالتعب والارهاق والحساسية عند الأطفال جراء تراكم المواد الحافظة في جسمهم.
وحذر صوالحة من أن الاستخدام المفرط للمواد الحافظة في المواد الغذائية خاصة تلك المتعلقة باللون (النتيرات) فمن الممكن ان تسبب أمراضا سرطانية وتشوهات الخلقية وجينية.
وهنا لا بد من الإشارة أن وزارة الصحة أكدت في العام ٢٠٢٣، بأن مرض السرطان يعتبر المسبب الثالث للوفيات في فلسطين، وأن معدل الإصابة بالمرض بلغ 108.1، لكل 100,000 من السكان بزيادة سنوية بلغت 5.5%.

مخالفة واضحة لقانون حماية المستهلك
وجود هذه النتائج لمنتجات منتشرة بالسوق المحلي يشير إلى مخالفة واضحة للمادة ٧ من قانون رقم ٢١ لعام ٢٠٠٥ بشأن حماية المستهلك التي تنص على أنه يجب أن يكون المنتج مطابقاً للتعليمات الفنية الإلزامية، من حيث بيان طبيعة المنتجات وانواعها ومواصفاتها الجوهرية ومكوناتها.
منتجات حظرتها وزارة الاقتصاد ..لا تزال بالسوق الفلسطينية
على مدار السنوات الأخيرة أعلنت وزارة الاقتصاد والصحة مخالفة مجموعة من المنتجات الاسرائيلية للمواصفات والمقاييس الفلسطينية وطالبت بسحبها من السوق ومنع تسويقها واستهلاكها، لكنها لا تزال بالسوق المحلية في ظل رقابة ضعيفة..
وفي هذا السياق يعلق إبراهيم القاضي مدير دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، قائلاً"
أن الحديث عن أن المنتجات الاحتلال هي اكتر جودة سقطت بالفحوصات المخبرية وليس فقط من المنطق الوطني (..) تم منع عدة شركات من إدخال منتجات إلى أسواقنا الفلسطينية وهناك شركات التزمت وهناك شركات لم تلتزم وتم حظر منتجاتهم من السوق الفلسطينية".
وأشار القاضي ان الاحتلال يعلن عن منتجاته التي يشوبها خلل باللغة العبرية مستهدفاً المجتمع الإسرائيلي فقط، ولا يُعلم الجانب الفلسطيني بذلك وجزء من هذه المنتجات تم اكتشافه بالصدفة، وهذا يستدعي مزيداً من الرقابة على هذه المنتجات.
سلامة الأغذية مسؤولية مشتركة .. لكن
سلامة المنتجات الغذائية هي مسؤولية مشتركة بين أعضاء " المجلس الفلسطيني لحماية المستهلك" قانون رقم ٢١ لعام ٢٠٠٥ بشأن حماية المستهلك التي تضم عضوية كلا من وزارة الاقتصاد الوطني -وزارة المالية. وزارة الصحة - وزارة الزراعة - سلطة البيئة - مؤسسة المواصفات والمقاييس الفلسطينية غرفة التجارة الاتحادات الصناعية اتحاد المقاولين جمعية رجال الأعمال - وجمعيات حماية المستهلك.. إلا أن بعضاً من هذه الجهات تلقي المسؤولية على الأخرى.
ففي الوقت الذهب ذهب به إبراهيم القاضي مدير دائرة حماية المستهلك بتوجيه المسؤولية عن فحص المنتجات الغذائية لوزارة الصحة، راح محمد شاهين الناطق الإعلامي لجمعية حماية المستهلك بأن مسؤولية صحة المنتجات هو مسؤولية مشتركة لوزراتي الاقتصاد والصحة ولا يوجد أي دور فعلي وحقيقي لجمعية حماية المستهلك في هذا السياق، بينما المهندس حدير حجة مدير مؤسسة المواصفات والمقاييس أن مؤسسته ليست جهة رقابية وإن الدور الرقابي منوط بالاقتصاد والصحة.
الصحة : سلامة الأغذية جهد مضاعف علينا ولا سيطرة على المعابر
فيما تُقر وزارة الصحة أن مسؤولية سلامة الأغذية هو جهد مضاعف عليها من ناحية الرقابة والتفتيش على سلامة الاغذية، ويقع على على عاتق الإدارة العامة للصحة الأولية التابعة للوزارة وهو ما أكده أسامة النجار الوكيل المساعد لوزارة الصحة أن فحص المنتجات هو وزارة الصحة الفلسطينية لكن تهرب التجار والموردين من التفتيش والفحص يحول دون جهود الوزارة في هذا الجانب،" فنحن نتحدث عن عشرات الالاف من البضائع الموجودة في السوق. هذا يحتاج الى جهد كبير جدا، ويحتاج الى سيطرة على المعابر، نحن لا نملك هذه السيطرة على المعابر".
الصحة نحتاج لطواقم وتجهيزات أكبر لفحص المنتجات
وتشير وزارة الصحة أن آلاف المنتجات في السوق المحلي تحتاج الى طاقم أكبر من المفتشين لديها، من أجل تعزيز القدرة على جمع العينات وفحصها مخبريا، كما ان نقص المواد المستخدمة للفحص يقف حائلاً أمام إجراء العديد من الفحوص المخبرية المتعلقة بسلامة الأغذية في فلسطين.
وأشار النجار أن هذا الحجم من المنتجات بالسوق الفلسطينية بحاجة إلى عدد طواقم أكبر و التجهيزات حتى نستكمل سلسلة الفحوصات المطلوبة بشكل سريع ،مشيراً أن الحكومة في وضع اقتصادي ولا يمكنها توفير كافة التجهيزات والمواد اللازمة للفحص خاصة أن الاحتلال حظر دخول بعض المواد اللازمة للفحص بحجة أنها مزدوجة الاستخدام وبالتالي فإن كل هذه المعيقات تقف حائلا أمام جهود الوزارة في هذا السياق بحسب النجار.
كما تقر الجهات الأخرى أن جهودها في الرقابة على جودة الأغذية غير كافية وأنها بحاجة لمزيد من الإمكانيات البشرية والمادية لذلك والسيادة على الأرض والمعابر .
الضابطة الجمركية جولاتنا فقط غير كافة لضبط المنتجات المخالفة
من جانبه يقول إبراهيم عياش الناطق الإعلامي باسم جهاز الضابطة الجمركية، أن الجولات التفتيشية للضابطة، تركز على مراقبة ورقة البيان والتراخيص اللازمة، وغير منوط بها فحص المنتجات الغذائية، كما أن اجتياحات الاحتلال للمدن الفلسطينية خاصة في الفترة الأخيرة أعاق عمل الضابطة، بالإضافة لعدم سيطرتنا الفلسطينية على المعابر.
منتجات إسرائيلية منتهية الصلاحية في أسواقنا الفلسطينية
المنتجات الاسرائيلية غير المطابقة للمواصفات الفلسطينية ليست المشكلة الوحيدة التي تواجه المستهلك الفلسطيني بل أيضا المواد الغذائية الإسرائيلية المنتهية الصلاحية والفاسدة التي تهرب الى أسواقنا الفلسطينية، وهو ما حدث مؤخرا في مدينة نابلس في آذار الماضي، حين ضبطت الجهات المختصة مصنعا يقوم بتزوير تاريخ صلاحية منتجات منتهية الصلاحية، جزء من هذه المنتجات مصدرها "اسرائيل" كما أكدت لنا وزارة الاقتصاد على لسان القاضي ان التاجر استورد المنتجات منتهية الصلاحية من إسرائيل، وقدم فواتير من تجار فلسطينيين للتغطية على عمله وتزويره للمنتجات الإسرائيلية منتهية الصلاحية.
ضعف الرادع القانوني ..سبب آخر في غرق السوق بالمنتجات المخالفة
ضعف الرادع القانوني بسبب قدم القوانين المعمول بها في فلسطين، من المعضلات الأخرى أمام ضبط السوق الفلسطيني من المنتجات غير الصالحة للاستخدام البشري.. وهو ما أشار إليه القاضي خلال حديثه عن الاجراءات العقابية للتجار المخالفين، أنها غير كافية لردعهم خاصة أن العديد من التجار يدفعون الغرامات ويعودون للمخالفة، داعيا إلى ضرورة نشر أسماء التجار المخالفين ليس بهدف فضحهم وإنما لتحذير المواطنين والتجار من التعامل معهم، وهذه طريقة قد تكون رادعة لهم للامتناع عن الاتجار ببضائع مخالفة للمواصفات والمقاييس.
غالبيتها ألبان وعصائر وسلطات..
زودتنا وزارة الاقتصاد بالكميات التي تم ضبطها في آخر عامين من المنتجات الإسرائيلية غير المطابقة للمواصفات الفنية الإلزامية الفلسطينية، حيث بلغت في العام 2023 نحو 123 طناً بينما في العام 2024 استحوذت المنتجات الإسرائيلية التي اتلفتها وزارة الاقتصاد على 72% من نسبة ما ضبطته طواقم حماية المستهلك، حيث بلغت 102 طن من السلع الغذائية الإسرائيلية، غالبية هذه المنتجات كانت ألبان وعصائر وسلطات.
فيما نفذت طواقم وزارة الاقتصاد خلال العام 2024 ما يعادل 298 جولة تفتيشية شملت أكثر من 2000 محل حرر خلالها 85 مخالفة، وأحالت ثلاثة مخالفين للنيابة العامة لمكافحة الجرائم الاقتصادية على خلفية الاتجار بمواد منتهية الصلاحية والتلاعب بالأسعار وعدم إشهارها على السلع".
ولحين تطوير القوانين وتشديد الرقابة الفعلية والشاملة على المنتجات الغذائية، فإن العديد من المنتجات الإسرائيلية وغيرها المخالفة للمواصفات والمقاييس الفلسطينية التي تحتوي على مواد حافظة عالية، ستظل على رفوف المحال في ظل ضعف الرادع، وستزداد المخاطر مع زيادة تناول تلك المنتجات، ما يستدعي خطوات جدية لحظر جميع المنتجات المخالفة في أسواقنا.




