تحقيق استقصائي لوطن: بلديات متعثرة.. مهمات تختفي في دهاليز التقصير والأزمات المالية

30.12.2025 02:39 PM

- 27 مهمة قانونية… وغالبية البلديات لا تلتزم بها

- قرارات حكومية تزيد الخناق.. استرداد ديون المياه والكهرباء يثقل كاهل البلديات 

 

وطن للأنباء - وفاء العاروري: في عمق بلدات الضفة الغربية وقراها، يتكشف واقعٌ يزداد هشاشة يومًا بعد يوم؛ شوارع تتآكل، بنى تحتية متعثرة، وخدمات أساسية تتراجع أمام أعين السكان، وخلف هذا المشهد المتصدّع تقف أزمة مالية خانقة تعصف بالهيئات المحلية، بعد أن تراكمت عليها ديون بمليارات الشواكل، حتى باتت عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها أو الحفاظ على أدنى مستوى من الخدمات.

ورغم أن البلديات تُعدّ العمود الفقري للحياة اليومية الفلسطينية، من المياه والكهرباء إلى جمع النفايات وصيانة الطرق، إلا أن كثيرًا منها أصبح يعمل في حدود “الطوارئ”، يدير أزماته بدل أن يطوّر مجتمعاته، بينما تتبادل الحكومة والجهات المانحة والهيئات المحلية الاتهامات حول مسؤولية الانهيار، يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر، يدفع ثمن العجز المالي بواقعٍ معيشي يزداد صعوبة.

في الخليل كبرى مدن الضفة الغربية، يعاني المواطنون من شح كبير في الخدمات وسوء في البنية التحتية، حملات إعلامية وجلسات مجتمعية عديدة عقدها أهالي المدينة وبثوا بعضها مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، طالبوا فيها المجلس البلدي بحل المشاكل الجذرية التي تعاني منها مدينتهم أو التنحي تماما من المنصب، وما زاد الطين بلة هو مطالبة الحكومة للبلدية بديون تجاوزت المليار شيكل.

أجرينا جولة في مدينة الخليل، نفذنا خلالها مقابلات مع العديد من المواطنين، الذين عبروا عن استيائهم من جودة الخدمات المقدمة من البلدية وضعفها، وخاصة تلك المتعلقة بالماء والكهرباء والبنية التحتية، أي الخدمات الأساسية في المدينة.

نائب رئيس بلدية الخليل، أسماء الشرباتي أكدت في ردها على شكاوى المواطنين أن البلدية تبذل جهودا كبيرة جدا لحل الأزمات المالية التي تعاني منها، حيث توصلت إلى تقاص مع الحكومة تم من خلاله سداد الدين، مشيرة أن الأزمة الحالية سببها سيطرة الاحتلال على مقدرات المدينة وخاصة المياه، إلى جانب انخفاض التحصيل من المواطنين واصحاب المصانع نتيجة الظروف المعيشية السيئة وتراجع الوضع الاقتصادي إبان الحرب

وبحسب المعطيات الرسمية المُعلنة من وزارة الحكم المحلي واتحاد الهيئات المحلية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، فإن أرقام الديون على الهيئات المحلية في الضفة الغربية تُقدَّر بأكثر من 3 مليارات ونصف المليار شيكل، منها مليار و800 مليون شيقل مديونية الهيئات المحلية لقطاع المياه وحده، وما تبقى ديون لصالح شركات الكهرباء وصندوق البلديات والجهات الحكومية، إضافة لديون لمقاولين ومورّدين وخدمات تشغيلية.

كل ما سبق، شل قدرة البلديات على تقديم الحد الأدنى من احتياجات المواطنين، وضرب قدرات الهيئات المحلية على تطبيق بنود قانون رقم ( 1 ) لسنة 1997 بشأن الهيئات المحلية، حيث يفترض أن تقوم البلديات والمجالس القروية ب27 وظيفة موكلة إليها، بطريقة شفافة وبما ينسجم مع متطلبات الحكم الرشيد.

ولكن ما تم الكشف عنه، أن غالبية الهيئات المحلية في الضفة الغربية لا تلتزم بهذه المهمات.

في بيت سوريك التي تقع في أكثر المواقع حساسية وطمعا من الاحتلال، حيث تفصلها عن مدينة القدس 18 كم فقط، لم تتلق البلدية موازنة مالية تمكنها من تقديم خدمات تساهم في تعزيز صمود المواطنين والارتقاء بالبلدة، كما يؤكد رئيس بلديتها، مدحت الجمل.

وأضاف أن مشكلات مجتمعية عديدة وقعت بين أهالي البلدة نتيجة عدم توفر شبكة صرف صحي في البلدة وتسرب مياه الصرف الصحي بين البيوت، حيث وصلت بعض هذه المشكلات إلى القضاء الفلسطيني للبت فيها، كما أن البلدة لا يوجد فيها مدرسة ثانوية وبالتالي يضطر الأهالي إلى إرسال بناتهم إلى القرى المجاورة لاستكمالهم تعليمهن، وبعض الأهالي مع الأسف قرروا التوقف عن ارسال بناتهم بعد الحرب بسبب سوء الأوضاع المعيشية.

وفي عطارة شمالي رام الله، هذه البلدة التي باتت تعتبر ممرا رئيسيا للمواطنين المتجهين من وسط الضفة إلى شمالها، بعد السابع من أكتوبر نتيجة اغلاقات الاحتلال، تعاني من تردي حال البنية التحتية إلى جانب احتياجات أخرى عديدة في مجال التعليم، فيما لا تتجاوز نسبة الجباية فيها عن 30% بأحسن أحوالها.

رئيس البلدية المهندس نزار المغربي، أكد خلال لقائنا معه أنهم بحاجة إلى سيارة بلدية، إضافة إلى أن سيارة الروضة عمرها ٣٠ عاما، ولديهم أزمة مالية تجعلهم عاجزين عن تطوير البلدة، ولا يمكنهم الطلب من الحكومة التي تعاني هي الأخرى من أزمة مالية يعلمها الجميع.

توجهنا الى حوارة جنوبي نابلس، هذه البلدة التي تقع في مرمى الاستيطان، والتي تحملت فيها البلدية خسائر مالية قيمتها 750 ألف شيكل عام 2023 نتيجة تخريب المستوطنين لبنيتها التحتية 

ما يعيقها من القيام بالمهمات الموكلة إليها حسب القانون، حيث اتهم رئيس البلدية جهاد عودة الحكومة بعدم مساندتها في أزماتها المالية ما أثر بشكل كبير على الخدمات.

عدم تطبيق قانون الهيئات المحلية وضعف أداء العديد من البلديات، وواقعها المالي الصعب والتخبط الحكومي في التعامل مع أزمات الحكم المحلي كما يؤكد الكثيرون، أدت في الآونة الاخيرة الى انفجار أزمات مختلفة في الخدمات المقدمة للمواطنين في الضفة الغربية، وخاصة الخدمات الأساسية الماء والكهرباء والصرف الصحي والبنية التحتية.

انفجار هذه الأزمات لم يكن وليد ضعف الإمكانيات المالية للبلديات، وعدم تلقيها الدعم الحكومي فحسب، وإنما أيضا هناك مؤشرات حقيقية على انتشار بيئة خصبة للفساد وسوء الإدارة داخل العديد من الهيئات المحلية..

500 شكوى.. 
هيئة مكافحة الفساد أكدت لوطن أنها تلقت خلال العامين 2024 و 2025 فقط، قرابة 500 شكوى حول الهيئات المحلية، حولت بعضها إلى نيابة جرائم الفساد.

وليست هيئة مكافحة الفساد الوحيدة التي تحقق في شكاوى الفساد داخل الهيئات المحلية، إذ كشف ديوان الرقابة المالية والادارية في تقريره السنوي الصادر عام 2023 عن وجود مخالفات جسيمة للقانون بدءا من التعيينات والترقيات، وانتهاء بصرف بدل مالي على نفقات لا تعتبر ضمن أوجه الصرف قانونا في الهيئات المحلية.

هذه الشبهات دفعتنا للسؤال عن دور وزارة الحكم المحلي في توفير الدعم من جهة، والرقابة على  الهيئات المحلية.من جهة أخرى.
الوكيل المساعد لشؤون الهيئات المحلية، خالد اشتيه، عقب على هذا الأمر بأن الوزارة هي جهة إشرافية رقابية، وأن الدور الرقابي ليس مهمة الحكم المحلي وحدها.

المشاكل المالية التي تواجهها غالبية الهيئات المحلية في الضفة الغربية وغياب الدعم الحكومي لها، تزامن أيضا مع قرار الحكومة باسترداد ديون الكهرباء والماء المتراكمة على بعض الهيئات وهو الأمر الذي أثقل كاهلها بشكل أكبر.

الخبير الاقتصادي مؤيد عفانة أشار أن ما يزيد الطين بلة ويرفع من قيمة مديونية الهيئات المحلية لدى الحكومة، هي مصاريف الكهرباء والماء لمؤسسات الدولة التي تقع ضمن حدودها وكذلك المخيمات المعفاة من هذه الرسوم بقرار من الرئيس الراحل ياسر عرفات ومن ضمنها ايضا اعفاء البلدة القديمة في الخليل، هذا كله جعل ديون بعض الهيئات المحلية تتفاقم، تطالب الحكومة اليوم بسدادها، لتخفيض أثر اقتطاعات الاحتلال من أموال المقاصة.

من جهته أكد رئيس الاتحاد العام للهيئات المحلية عبد الكريم زبيدي أن الهيئات المحلية في المقابل لا تزال تناضل من أجل تحصيل حقوقها المالية من الضرائب التي تجبيها الحكومة نيابة عنها، مثل ضريبة النقل على الطرقات وضريبة المهن وضريبة الأملاك، حيث قامت الحكومة بالاستفادة من هذه الأموال في دفع فاتورة رواتب الموظفين العموميين، دون أن تعطي البلديات كامل حقها من هذه الضرائب، على مدار السنوات الماضية.

وأوضح أنه مؤخرا بدأت 35 بلدية في الضفة الغربية بجباية ضريبة الأملاك بنفسها، في حين رفعت الحكومة نسبتها من هذه الضرائب لتكون 14% بدل 10% وهو الأمر الذي يقتطع مزيدا من أموال الهيئات المحلية، وهو اقتطاع باجتهاد وبلا أي سند قانوني وفقا للخبير الاقتصادي عفانة.

التعديلات في قانون الهيئات المحلية.. 

وفي هذا الإطار، قال مدير مركز الاتصال الحكومي د محمد أبو الرب إن التعديلات في قانون الهيئات المحلية ستعمل على تنظيم واقع الهيئات المحلية وتعزيز الرقابة عليها، اضافة لتجاوز مشكلة العائلية والعشائرية وحتى الحزبية. 

وتابع: التعديلات تقوم على تطوير الرقابة من خلال وزارة الحكم المحلي. 

وأمام كل ما سبق، فإن الحاجة الى تشديد الرقابة على الهيئات المحلية ورفع معايير الشفافية والنزاهة والمساءلة فيها الى اعلى درجة، وفي نفس الوقت دعمها وتمكينها من اجل تحصيل حقوقها المالية هو المخرج لرفع الضرر عن المواطنين المحرومين من الحقوق التي كفلها لهم القانون.

تصميم وتطوير