بين أشجار الزيتون.. المزارعون في جنوب الخليل يقطفون الثمار تحت الخطر
الخليل – وطن للأنباء – شهد رجوب وريناد جوابرة:
«على هذه الأرض ما يستحق الحياة».. ولعلّ شجرة الزيتون واحدة من أكثر ما يجسّد هذه العبارة؛ جذورٌ ضاربة في عمق الأرض، وأغصانٌ تحمل حكاية شعبٍ لا تنقطع صلته بأرضه، مهما اشتدّت الرياح وتعاظمت التحديات.
فبالنسبة للفلسطيني، ليست شجرة الزيتون مجرد شجرة مثمرة، بل رمزٌ للأصالة والارتباط بالأرض، وإرثٌ تتناقله الأجيال. ويقول أكرم الرجوب، أحد أفراد العائلة، لوطن للأنباء، إن "للزيتون مكانة دينية وتاريخية خاصة، فقد ورد ذكره في القرآن الكريم، وأقسم الله سبحانه وتعالى به، ما يعكس عظيم مكانته وقيمته".
ويضيف الرجوب أن موسم قطف الزيتون ليس موسماً عادياً في حياة الفلسطيني، ولا تقتصر علاقته بالشجرة على ما تجود به من ثمار، بل هو حصاد عام كامل من التعب والرعاية والانتظار، مشيراً إلى أن بعض هذه الأشجار يمتد عمرها إلى مئات، بل آلاف السنين، لتبقى شاهدة على تعاقب الأجيال وتمسكها بالأرض.
.png)
وفي بلدة دورا جنوب الخليل، ومع حلول موسم القطاف، تجتمع عائلة الرجوب، كباراً وصغاراً، حول أشجار الزيتون؛ تتعانق الأيدي مع الأغصان، ويغلي الشاي على نار الحطب، ويُتناول الخبز بالزعتر، في مشهد تتداخل فيه تفاصيل الحياة اليومية مع ذاكرة المكان، وتتحول فيه ساعات العمل إلى فرصة للقاء العائلة واستعادة دفء المواسم القديمة.
وتحمل هذه الأجواء فرحة خاصة للأطفال، الذين يجدون في موسم الزيتون مساحة للتعلم واللعب والمشاركة في تفاصيله. وتعبّر الطفلة رينا الرجوب عن سعادتها بمرافقة عائلتها في قطف الثمار وعصرها، ومتابعة مراحل تحويلها إلى زيت الزيتون.
.png)
لكن هذه الصورة الدافئة لموسم الزيتون لم تعد بمنأى عن الخطر؛ فاعتداءات المستوطنين المتكررة باتت تسرق من المزارعين فرحة الحصاد، وتحوّل موسم الانتظار والعمل إلى مواجهة يومية مع الخوف والتهديد. فبعد عام كامل من رعاية الأشجار وانتظار ثمارها، يجد كثير من المزارعين أنفسهم ممنوعين من الوصول إلى أراضيهم، فيما تتعرض محاصيل آخرين للسرقة والنهب. وجعٌ لا تقيسه السلال الفارغة، بل سنوات من التعب المهدور.
.png)
ويقول محمد الرجوب، عضو إقليم حركة فتح في جنوب الخليل، لوطن للأنباء، إن المنطقة تشهد انتشاراً واسعاً لأشجار الزيتون، الأمر الذي جعل أراضيها هدفاً لاعتداءات المستوطنين، مشيراً إلى أن اعتداءات وقعت قبل أيام طالت المزارعين خلال وجودهم في أراضيهم؛ إذ تعرض بعضهم للضرب والاعتداء والطرد، فيما سُرقت محاصيل آخرين ومُنعوا من استكمال عملهم.
ويضيف أن المزارع الفلسطيني في دورا لم يستسلم لهذه الاعتداءات، بل يحاول الوصول إلى أشجاره وقطف ثمارها رغم المخاطر، ويلجأ بعض المزارعين إلى استغلال أوقات غياب المستوطنين عن المنطقة لإنجاز القطاف، غير أن حضورهم قد يقود إلى مواجهات واشتباكات تهدد سلامتهم وحقهم في الوصول إلى أراضيهم.
.png)
وتستعيد الحاجة فاطمة الرجوب ذكريات مواسم الزيتون القديمة، حين كانت أيام القطاف من أجمل المحطات التي ينتظرها الفلسطينيون، وتغلب عليها أجواء المحبة والتكافل، فيتعاون الجيران والعائلات لمساعدة بعضهم بعضاً في جني المحاصيل. لكنها ترى أن اعتداءات المستوطنين وإجراءات الاحتلال غيّرت ملامح هذا الموسم، وأثقلت أجواءه بالخوف والقلق، حتى باتت فرحة الزيتون بعيدة عن صورتها التي اعتادها الأهالي.
.png)
وبين غصنٍ يمتد نحو السماء ويدٍ صغيرة تتعلم كيف تقطف الثمار، تتوارث الأجيال الفلسطينية حب الأرض ومعنى الانتماء إليها. فشجرة الزيتون ليست مجرد محصول ينتظر الحصاد، بل ذاكرة وهوية وحكاية صمود تتجدد مع كل موسم. ورغم الاعتداءات والتهديدات، تبقى الأيدي ممدودة إلى الأغصان، في تأكيد أن علاقة الفلسطيني بأرضه أعمق من أن تقتلعها قوة، وأن جذور الزيتون ستظل شاهدة على حكاية البقاء.
.png)


