استهداف جامعات غزة: عندما يصبح التعليم هدفاً والتعافي مهدداً

كتب وسام زغبر : حين استهدفت الصواريخ الحرم الجامعي للجامعة الإسلامية في غزة مؤخراً، لم تكن الخسارة مجرد تصدّع في الجدران أو أرقام تُضاف إلى سجلات الضحايا؛ بل استشهد ثلاثة من العاملين الذين واصلوا فتح الأبواب وتنظيف الممرات وسط الخراب، وأُصيب طلبة جاؤوا يحملون دفاترهم كمن يتشبث بطوق نجاة. خلف كل رقم اسم، وحلم، وعائلة تنتظر عودة ابنها حاملاً شهادة تخرجه لا خبر استشهاده أو إصابته.
تأتي هذه المأساة في لحظة يحاول فيها آلاف الشبان والشابات لملمة ما تبقى من حياتهم الطبيعية عبر العودة إلى مقاعد الدراسة. طوال أشهر، كابد هؤلاء الطلبة مرارة «التعليم عن بُعد»؛ شاشات هواتف مكسورة تتشاركها عائلات نازحة داخل خيام تفتقر للكهرباء، وبحث مضنٍ عن شارة اتصال بالإنترنت فوق تلال الركام. وحين قرروا العودة وجاهياً إلى قاعات متصدعة ومقاعد مهشمة، واجهوا الحقيقة القاسية: إن الذهاب إلى المحاضرة في غزة ليس مجرد سعي أكاديمي، بل مغامرة يومية بالبقاء.
ما يشهده قطاع التعليم العالي يتجاوز التوصيفات الإدارية إلى ما عرّفه خبراء أمميون بـ «الإبادة التعليمية». تدمير 22 حرماً جامعياً بالكامل وتضرر 14 أخرى لا يعني فقط ركاماً من الأسمنت والمختبرات؛ بل يعني إعداماً لمختبرات أبحاث كان يُفترض أن تُسهم في تنقية المياه، ومكتبات تؤوي ذاكرة شعب، وأساتذة كرّسوا عقوداً لبناء عقول أجيال ستتولى يوماً مهمة النهوض من تحت الرماد. اغتيال الأكاديميين وتدمير الكليات ليس سوى تفريغ منهجي للمجتمع من طاقاته الفكرية وإطفاء للأمل الجمعي ودفع شبابه نحو التهجير.
وسط هذا الواقع، تتكشف هوة عميقة بين الخطاب الدبلوماسي والواقع الإنساني. إن أي مسار سياسي—بما في ذلك التعهدات الدولية ومساعي مجلس السلام—يفقد معناه الأخلاقي إذا عجز عن حماية طالب يحمل قلمه، أو إدخال كتاب، أو تأمين طريق آمن إلى قاعة الدرس. إن حق التعلم ليس امتيازاً يخضع للمفاوضات السياسية، بل حماية تكفلها اتفاقيات جنيف ومواثيق حقوق الإنسان.
لا يطلب طلبة غزة المستحيل؛ يطلبون ألا تكون قاعاتهم الدراسية أهدافاً عسكرية، وأن يتوفر لهم سقف آمن، وكهرباء تضيء شاشاتهم، ومقاعد سليمة يجلسون عليها دون خوف من غارة مباغتة. يتطلب ذلك تحقيقاً دولياً مستقلاً يُنهي الإفلات من العقاب، وتدخلاً عاجلاً لإعادة تأهيل الجامعات وتأمين مستلزمات التعليم البديل.
التعليم في غزة هو الشريان الأخير الذي يغذي الكرامة الإنسانية وإرادة البقاء. وحين تُقصف الجامعات، فإن ما يُستهدف حقيقة ليس الحجر، بل قدرة جيل كامل على تخيل غدٍ يخلو من رائحة البارود.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


