الحق في الترشح للمجلس التشريعي: هل تُنصف المادة الثامنة الموظف الفلسطيني أم تحرمه من حقه الدستوري؟

كتب د.عيسى العملة: تُعدّ المشاركة السياسية والحق في الانتخاب والترشح من أهم ركائز الحياة الديمقراطية، ومن الحقوق التي ينبغي أن يتمتع بها المواطنون على أساس المساواة وتكافؤ الفرص، بعيدًا عن التمييز بسبب الوظيفة أو الموقع المهني، ما دامت شروط النزاهة وتضارب المصالح قابلة للمعالجة وفق القانون.
وفي هذا السياق، تبرز قضية الموظفين الفلسطينيين الذين يشملهم الحكم الوارد في المادة الثامنة من قانون الانتخابات، وما يترتب عليه من إلزامهم بالاستقالة وقبولها قبل الترشح، بوصفها قضية تستحق نقاشًا قانونيًا ووطنيًا مسؤولًا، لما قد تتركه من آثار على فرص المشاركة السياسية لفئة واسعة من أبناء شعبنا.
إن اشتراط الاستقالة وقبولها قبل الترشح يضع الموظف أمام خيار صعب؛ فإما أن يتخلى عن وظيفته ومصدر رزقه، وما يرتبط بذلك من التزامات أسرية ومعيشية، وإما أن يتنازل عن حقه في خوض الانتخابات والمشاركة في صناعة القرار الوطني. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ينبغي أن تكون ممارسة الحق السياسي مشروطة بالتخلي المسبق عن الاستقرار الوظيفي، أم يمكن تحقيق التوازن بين نزاهة العملية الانتخابية واستقلال الوظيفة العامة من جهة، وحق المواطن في الترشح من جهة أخرى؟
إن الموظف الفلسطيني، الذي يتحمل أعباء المعيشة والالتزامات الأسرية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، لا ينبغي أن يجد نفسه مضطرًا إلى المخاطرة بمستقبله الوظيفي قبل أن يعرف ما إذا كان سيحصل على ثقة الناخبين أم لا. فالأصل أن تتاح له فرصة متكافئة للمنافسة، مع وضع ضمانات قانونية تمنع استغلال الوظيفة العامة أو تسخير مواردها لمصلحة أي مرشح.
ومن هنا، فإن المطلوب من الفصائل الفلسطينية والقوائم الانتخابية والشخصيات الوطنية والقانونية فتح حوار جاد حول تعديل المادة الثامنة، بما يتيح للموظفين المشمولين بأحكامها ممارسة حقهم في الترشح دون تقديم استقالة نهائية وقبولها قبل الانتخابات، على أن يُلزم من يفوز منهم بعضوية المجلس التشريعي بتسوية وضعه الوظيفي وفق أحكام قانونية واضحة، وقبل مباشرة مهامه النيابية إذا اقتضى القانون ذلك.
ولا يعني هذا التوجه تجاهل ضرورة الفصل بين السلطات أو التقليل من أهمية الحياد الوظيفي؛ بل يعني البحث عن صيغة قانونية متوازنة تحقق هذه الغايات، وتحمي المال العام، وتمنع تضارب المصالح، دون أن تجعل الاستقالة المسبقة عائقًا أمام المشاركة السياسية.
إن مئات الآلاف من الموظفين وأسرهم، إن شملتهم هذه القيود بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يتطلعون إلى موقف واضح من القوى السياسية والقوائم الانتخابية، لا يكتفي بالشعارات حول الديمقراطية والعدالة، بل يترجمها إلى مواقف تشريعية عملية تحمي حقوق المواطنين وتكفل تكافؤ الفرص بينهم.
فالانتخابات ليست مجرد تنافس على المقاعد، بل هي فرصة لتجديد الحياة السياسية، وتوسيع المشاركة الشعبية، وتعزيز الثقة بالمؤسسات الوطنية. ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف دون مراجعة التشريعات التي قد تؤدي، في تطبيقها، إلى إقصاء مواطنين قادرين على الإسهام في العمل التشريعي والرقابي.
إن إنصاف الموظف الفلسطيني يبدأ بإتاحة الفرصة أمامه للترشح دون أن يُجبر على المخاطرة بمصدر رزقه قبل ظهور نتائج الانتخابات، مع ضمان تسوية وضعه الوظيفي إذا فاز، وفق القانون. وهذه دعوة إلى حوار وطني وقانوني مسؤول، يضع حق المواطن ومصلحة الوطن ونزاهة المؤسسات في إطار واحد، ويجعل المشاركة السياسية حقًا مكفولًا لا امتيازًا لا يستطيع تحمّل كلفته إلا من يملك بديلًا اقتصاديًا عن وظيفته.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


