مي الزير ومجد أبو ماضي ومصطفى بطمة ينقلون خشب الزيتون من رفوف التذكارات إلى لعبة ترافق صاحبها في حقيبته

افتح الصندوق: ألعاب من خشب الزيتون تحمل فلسطين في الحقيبة

22.10.2026 03:10 PM

وطن للأنباء: من الخارج، يشبه الصندوق أي صندوق من خشب الزيتون في محلات التذكارات في بيت لحم. لكنه حين يُفتح يكشف عن شيء آخر: رقعة شطرنج بقطع مجوّفة، أو وحدات بناء تحمل أشكال التطريز، أو علبة ألوان مائية استمدت ألوانها من قرية فلسطينية مهجّرة.

هذه هي مجموعة "لعبة ومكان: ألعاب فلسطينية متنقّلة"، التي يحمل فريقها اسم PLAYCE، وهو اسم يجمع كلمتي اللعب (Play) والمكان (Place). صممها مي الزير ومجد أبو ماضي ومصطفى بطمة، ونُفذت في ورشة الحرفي عيسى نصار في بيت لحم. والمجموعة واحدة من 27 مشروعًا يضمها معرض "أيادٍ خالدة"، ضمن مشروع تنفذه اليونسكو بتمويل من الاتحاد الأوروبي لصون الحرف التقليدية المهددة بالاندثار. ويُقام المعرض حاليًا في رام الله، قبل أن ينتقل إلى بيت لحم في 10 تشرين الثاني/نوفمبر.

من الرف إلى الحقيبة
يقول مصطفى بطمة، ابن بتير قرب بيت لحم وخريج التصميم الداخلي في جامعة بيرزيت هذا العام، إن الفكرة انطلقت من ملاحظة بسيطة: باتت حرفة خشب الزيتون تُختزل في القطع التذكارية. ويضيف: "أردنا أن ننقلها من كونها تذكارًا إلى شيء نتعامل معه في حياتنا اليومية، نستخدمه ونسافر به، ونعرّف الناس من خلاله بقيمة هذه الحرفة".

وتطرح مي الزير السؤال ذاته بصيغة أخرى: "كيف يمكن أن نجعل الحرفة الفلسطينية جزءًا من حياتنا اليومية، وإرثًا حيًا نستخدمه ونتفاعل معه؟". ومي معمارية وباحثة، تحمل الماجستير في المستوطنات البشرية من جامعة لوفان الكاثوليكية في بلجيكا، ودرّست في برنامج التصميم الداخلي في جامعة بيرزيت، وعملت باحثة في مشروع CREATE، حيث ركزت على البعد المكاني للحرف الفلسطينية.
وتوضح أن اللعب في اسم المشروع "يفتح باب الفضول والمغامرة، ويحوّل الحرفة إلى تجربة يومية"، أما المكان فهو فلسطين، "المكان الذي ننتمي إليه ونحمله معنا أينما كنا". ولأن الألعاب صُممت للطريق، جاءت صغيرة الحجم، خفيفة الوزن، سهلة الحمل.

حكاية صندوقين
وُلدت المجموعة من لحظة صغيرة. فخلال تدريب مجد ومصطفى على حرفة خشب الزيتون، صمم كل منهما صندوقًا خشبيًا. تقول مي: "حين فتحت مجد صندوقها، أرتنا قطع تركيب ولعب، وحين فتح مصطفى صندوقه، وجدناه علبة ألوان".
كان الصندوقان من الخارج يشبهان الصناديق التقليدية، غير أن كلًا منهما وضع فيه "جزءًا من شخصيته واهتماماته، ومنحه استخدامًا مختلفًا". ومن هنا جاء اسم المجموعة الأولى: "افتح الصندوق" (Open the Box)، وهي دعوة إلى اكتشاف ما في الداخل.
وعمل الفريق بروح مشتركة. يقول مصطفى: "صمم كل واحد منا لعبة، ثم تناقشنا فيها معًا، وزرنا الورشة لنرى كيف تُنفذ، وأجرينا تعديلات كثيرة".

شطرنج للمسافر
القطعة الأولى "جوف/قدس" (Hollow / Holy)، طقم شطرنج صغير وخفيف من خشب الزيتون، صممته مي للمسافرين. قطعه مجوفة من الداخل، فتثبت على أوتاد مدمجة في اللوح، وتبقى في مكانها أثناء التنقل.
وجاءت الفكرة من المقاربة بين ساحة اللعب وساحة الأرض، "ففي كلتيهما حركة وتنافس ومناورة". لكن الفرق كما تقول مي أن اللعب يتيح تخيّل المنافسة ضمن قواعد مشتركة. وتستشهد بقول تميم البرغوثي: "اللعب زيارة قصيرة لعالم بديل… ساعتان من المساواة والعدل".

اختارت الشطرنج لأن الطرفين فيه يبدآن بقطع متكافئة، ويخضعان للقواعد ذاتها، ولهما الحق نفسه في الحركة والمناورة. وتقول: "بالنسبة لي كفلسطينية، تتيح اللعبة توازنًا وعدلًا نفتقدهما على الأرض، وتفتح مجالًا نتخيل فيه أن قدرتنا على الفعل ليست محكومة بالقوة المفروضة علينا".
ويجمع الاسم قراءتين للأرض نفسها. فكلمة Hollow مستوحاة من عنوان كتاب Hollow Land، الذي يتناول عمارة الاحتلال وآليات السيطرة على الأرض الفلسطينية، فيما تشير كلمة Holy إلى فلسطين بوصفها الأرض المقدسة. ويمتد المعنى إلى التصميم نفسه، فالقطع مجوّفة فعلًا.
ولم تستلهم مي القطع من مبنى بعينه، بل جرّدت قطع الشطرنج التقليدية إلى أشكال هندسية بمقطع مربع، تتفاوت في ارتفاعاتها وتيجانها. لكنها حين تتأمل التيجان اليوم ترى فيها شبهًا بالشرفات التي تتوّج سور القدس، وتقول: "لم يكن ذلك مقصودًا أثناء التصميم، بل هو ارتباط أراه اليوم".

تطريز يُبنى، وقرية في علبة
القطعة الثانية "سرو" (Saru)، وحدات بناء من خشب الزيتون صممتها مجد، تستمد أشكالها المثلثة من التطريز الفلسطيني. يحوّل التصميم إيقاع الغرزة إلى لغة بناء ثلاثية الأبعاد، يركّب منها الصغار والكبار تكوينات تشبه المدرجات الزراعية وسفوح الجبال وبيوت القرى. وبدل أن يبقى التراث نقشًا ثابتًا، يصير نظامًا مفتوحًا للتجريب، يجعل من كل لاعب مصممًا.
أما القطعة الثالثة "صطاف" (Sataf)، فعلبة ألوان مائية محمولة صممها مصطفى، وتحمل اسم قرية صطاف المهجّرة غرب القدس. يقول مصطفى إن الفريق استمد ألوانها "من الطبيعة التي نراها فعلًا في تلك المنطقة": الزهري الخفيف من زهر اللوز، والأخضر من ورق الزيتون الذي طحنوه واستخلصوا منه اللون، ولون الكركم الذي يشبه تراب الأرض هناك، والأزرق من عيون الماء، "فصطاف غنية بالينابيع".
والعلبة متكاملة، تضم الفرش ومساحة لخلط الألوان وأوراق الرسم. يقول مصطفى: "الفكرة أن نحملها أينما ذهبنا، إلى المطار، وفي رحلاتنا، وإلى أي مكان نريده".

ما تعلموه من الخشب وعنه
نُفذت القطع في ورشة عيسى نصار، إحدى أقدم ورش خشب الزيتون في بيت لحم، التي ورثها عن جده وأبيه. يقول مصطفى إن عيسى فتح الورشة للفريق بالكامل، فعملوا على آلاتها كلها، وتعلموا منه "كيف نفهم المادة ونتعامل مع خشب الزيتون، فنصمم ما يمكن تنفيذه فعلًا".
ولم يكن الطريق سهلا. فخشب الزيتون أنواع: القديم تكثر فيه العروق، والأحدث، الذي يبلغ عمره نحو عشرين عامًا، أفتح لونا. واختار الفريق الخشب القديم الناتج عن تقليم الأشجار لا عن قطعها، حرصًا على الاستدامة. وفي عروق الخشب مواضع ضعيفة تتشقق، فكانت القطعة تُعاد، كما يقول مصطفى، "مرة ومرتين وثلاثًا وأربعًا". كما يحتاج الخشب إلى التجفيف ستة أشهر أو سبعة قبل العمل عليه، وإلا اعوجّ مع الوقت.
وتعلموا أيضًا حدود المادة. فقد صمموا قطعة بقياس 40 في 40 سنتيمترًا، ثم اكتشفوا أن لوحًا بهذا الحجم نادر ويصعب الحصول عليه، فاضطروا إلى التفكير بقياس 20 في 20. وجربوا آلات القص الرقمي والليزر في تفاصيل صغيرة، لكن مصطفى يؤكد أن "العمل اليدوي يبقى أفضل بكثير"، وأن قطعة توقعوا أن تستغرق خمس دقائق احتاجت ساعة أو ساعتين.
وهنا تكمن قيمة المنحة في رأيه. فخشب الزيتون "مكلف لأنه نادر"، والتعمق في الحرفة يتطلب وقتًا ومالًا. ويضيف: "أتاحت لنا المنحة أن نجرب مرة بعد مرة، حتى نتعلم حقًا كيف تُصنع الأشياء، ونصل إلى نتيجة نهائية".

بين قاعة الدرس والورشة
ترى مي أن هذا التعاون يسد فجوة في تعليم التصميم. فالتصميم كما تقول يتعامل مباشرة مع الإنسان وحاجاته وثقافته، "وإذا كان تعليمه بعيدًا عن هذه الأبعاد، فما جدواه؟". فالعمل مع الحرفيين يضع الطلاب والمصممين الشباب في علاقة مباشرة مع الناس ومعارفهم وممارساتهم.
ويكتسب ذلك في فلسطين معنى إضافيًا، فالحرفة في رأيها "تتجاوز كونها تراثًا نحتفي به أو سلعة ننتجها ونبيعها؛ فهي تحمل هوية وذاكرة وقضية أيضًا".


لعبة لكل أحد
لا يحدد الفريق فئة عمرية لألعابه. يقول مصطفى إنها "لكل أحد، من أي بلد، وليس شرطًا أن يكون عربيًا أو فلسطينيًا". غير أنهم فكروا بالأطفال أولًا، كي تنشأ علاقتهم بخشب الزيتون منذ الصغر، "وليدركوا مكانة شجرة الزيتون لدينا نحن الفلسطينيين".
وجاءت ردود الفعل الأولى من البيت. فقد أعجبت الفكرة أهله، لأنهم اعتادوا رؤية خشب الزيتون قطعة تُعلّق على الحائط. وأعجبت الأطفال أكثر، فهي بديل من البلاستيك، وخشب الزيتون كما يقول مصطفى "لا يحتوي على مواد تضر الأطفال"، حتى لو وضعه طفل صغير في فمه.
المجموعة الأولى فقط
يرى الفريق المعرض بداية لا نهاية. تقول مي إنه فرصة لمعرفة كيف يتفاعل الناس مع الألعاب، وما الذي يثير فضولهم فيها، وما الذي يمكن تطويره. ولهذا سمّوا ما قدموه "المجموعة الأولى".
ويطمح الفريق إلى مجموعات أخرى، قد توظف حرفًا فلسطينية أخرى أو تجمع بين أكثر من حرفة، لكل منها عنوان جديد، ولكل قطعة فيها قصة. ويأملون أن يضمن بيعها استمرار المشروع، وأن يفتح "مجالًا متجددًا للتعاون بين المصممين والحرفيين".
وتختصر مي الفكرة كلها في جملة: "PLAYCE قطع من فلسطين، تشاركك يومك، وتحكي لك عن فلسطين".

تصميم وتطوير