معركة الأيام الأخيرة.. حرب على إيران أم معركة لفرض شرق أوسط جديد؟

كتب إسماعيل جمعة الريماوي: ليست أخطر الحروب تلك التي تُعلن أهدافها بوضوح، بل تلك التي تبدأ بذريعة محددة، ثم تتسع أهدافها كلما تغيرت موازين القوى، حتى تصبح وسيلة لإعادة تشكيل المنطقة بأكملها، ومن هنا تكتسب عبارة دونالد ترامب بشأن «المهمة» التي تنتظر فوز بنيامين نتنياهو دلالات تتجاوز حدود المواجهة مع إيران، خصوصاً حين يرد نتنياهو بأنه سيكمل المهمة معه، فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما هذه المهمة، وأين تنتهي حدودها؟
حين يدخل الرئيس الأميركي على خط الانتخابات الإسرائيلية، مشيداً بنتنياهو بوصفه رجل دولة محنكاً، فإن الأمر لا يبدو مجرد مجاملة سياسية عابرة، بل يمكن قراءته باعتباره محاولة للتأثير في المزاج الانتخابي الإسرائيلي، وتقديم نتنياهو باعتباره الشريك الضروري لإنجاز مشروع إقليمي لم تكتمل فصوله بعد، وهنا تتداخل حسابات البيت الأبيض مع مستقبل الحكومة الإسرائيلية، وتتحول الانتخابات من استحقاق داخلي إلى محطة في صراع أوسع على شكل الشرق الأوسط المقبل.
إيران.. الهدف المعلن أم بداية الطريق؟
قد تكون المواجهة مع إيران عنواناً مركزياً للمهمة التي يتحدث عنها الطرفان، لكن اختزالها في توجيه ضربة عسكرية قوية لطهران يتجاهل طبيعة الصراع وتعقيداته، فالتجارب السابقة أثبتت أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية، وأن الضربات مهما بلغت قوتها لا تعني إسقاط إرادة الدول أو إنهاء قدرتها على التأثير.
إن أي مواجهة واسعة مع إيران قد تتجاوز حدودها الجغرافية، وتفتح أبواباً متعددة للصراع، من الخليج إلى المشرق، وتضع أمن الطاقة والتجارة الدولية واستقرار الاقتصادات الإقليمية أمام مخاطر جسيمة، وقد تجد المنطقة نفسها أمام حرب طويلة تستنزف الجميع، فيما تتراكم خسائر الشعوب وتتعاظم فرص التدخل الخارجي.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في الحرب وحدها، بل فيما قد يُراد فرضه بعدها: ترتيبات أمنية جديدة، وتحالفات إقليمية تُبنى تحت ضغط الخوف، وإعادة توزيع لمناطق النفوذ بما يضمن التفوق الإسرائيلي ويمنح واشنطن قدرة أكبر على إدارة التوازنات وفق مصالحها.
من تدمير الخصوم إلى هندسة المنطقة
لا يمكن التعامل مع الشرق الأوسط وكأنه رقعة شطرنج تتحرك فوقها القوى الكبرى من دون اعتبار لإرادة شعوبه، فالمنطقة التي أنهكتها الحروب والانقسامات والتدخلات الخارجية لا تحتاج إلى خرائط جديدة تُرسم فوق أنقاض المدن، ولا إلى أحلاف تُفرض عليها تحت عنوان الحماية، بينما تكون كلفة هذه الحماية مزيداً من التبعية وفقدان القرار المستقل.
وإذا كانت اتفاقية سايكس–بيكو قد أسهمت في تشكيل حدود المنطقة وفق مصالح القوى الاستعمارية، فإن أي مشروع جديد لإعادة ترتيبها لن يكون بالضرورة تغييراً للحدود المرسومة على الخرائط؛ فقد يتحقق أيضاً من خلال تفكيك مراكز القوة، وإضعاف الدول، والتحكم في موارد الطاقة والممرات التجارية، وفرض منظومات أمنية تجعل مستقبل المنطقة مرهوناً بإرادة الخارج.
ومن هنا يبرز التساؤل: هل المطلوب إنهاء تهديد عسكري بعينه، أم تأسيس نظام إقليمي تصبح فيه إسرائيل القوة الأكثر تفوقاً، وتكون الولايات المتحدة صاحبة الكلمة الفصل في اتجاهاته؟ إنها فرضية تستحق النقاش
والتمحيص، خصوصاً في ظل الخطاب الذي يربط أمن إسرائيل بإعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية، ويمنح الحروب دوراً في تغيير موازين القوى.
غير أن هذا المشروع، إن كان مطروحاً بالفعل، لن يكون طريقه مفروشاً بالنجاح؛ فالشعوب ليست مجرد أدوات، والدول ليست كيانات بلا إرادة، وأي محاولة لفرض نظام إقليمي بالقوة قد تنتج مقاومات وصراعات جديدة بدلاً من الاستقرار الموعود.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


