من شركة الهند الشرقية إلى تجار غزة: حين يتحول المال إلى سلطة

21.10.2026 05:40 PM

كتب: عماد وليد كباجة

لم تكن شركة الهند الشرقية البريطانية مجرد شركة تجارية، بل تحولت تدريجيًا إلى قوة سياسية وعسكرية حكمت أجزاء واسعة من الهند، مستفيدةً من ضعف المؤسسات والانقسامات الداخلية، حتى أصبح المال والتجارة أدوات للسيطرة.

ومع فارق التجربتين، تطرح هذه المحطة التاريخية سؤالًا مهمًا حول غزة: ماذا يحدث حين تضعف المؤسسات السياسية، وتتحول لقمة العيش إلى مصدر للنفوذ والسلطة؟

في غزة، حيث تتداخل الحرب والحصار وتراجع الموارد، تتزايد مخاطر اتساع نفوذ التجار وأصحاب المصالح، خصوصًا عندما يصبح الغذاء والدواء والتعليم مرتبطًا بالقدرة على الدفع، وتغيب الرقابة الفاعلة التي تحمي المواطنين من الاحتكار واستغلال الأزمات.

لكن المشهد لا يمكن فصله عن دور الاحتلال الإسرائيلي؛ فالاحتلال، بما يملكه من سيطرة على المعابر وتدفق البضائع وإدخال المساعدات، يمتلك أدوات مؤثرة في تشكيل السوق الغزي. وتثير هذه السيطرة تساؤلات حول كيفية توظيف القيود وآليات السماح بالتوريد، وما قد ينتج عنها من تعزيز نفوذ بعض التجار والوسطاء، وإعادة تشكيل سلوك المصالح الاقتصادية بما يخدم أهداف الاحتلال ويعمق تبعية السكان وأزمتهم المعيشية. ولا يعني ذلك أن كل تاجر يعمل لمصلحة الاحتلال، بل إن البيئة التي يفرضها الاحتلال قد تخلق مصالح تستفيد من استمرار الاختلالات.

وفي ظل ضعف المؤسسات وتراجع المساءلة، قد يتحول بعض أصحاب النفوذ الاقتصادي إلى قوى تتحكم في تفاصيل الحياة اليومية، فيما يصبح المواطن رهينة للحاجة، وتتسع الفجوة بين من يملك المال ومن ينتظر المساعدة. وهنا تتقاطع آثار الاحتلال مع مخاطر الاحتكار والاستغلال الداخلي، لتزداد معاناة المجتمع.

إن الخطر لا يكمن في التجارة ذاتها، بل في تحولها إلى أداة للسيطرة، حين تنفصل المصالح عن المسؤولية الاجتماعية، وتصبح الأزمات فرصة لتراكم الأرباح والنفوذ بدلًا من تخفيف معاناة الناس.

غزة لا تحتاج إلى انتقال النفوذ من سلطة سياسية ضعيفة إلى أصحاب المال، بل إلى مؤسسات تحمي المواطنين، ورقابة تمنع الاحتكار، وعدالة في توزيع المساعدات، وضمانات تمنع الاحتلال من توظيف أدوات السيطرة الاقتصادية لتعميق الانقسام والهشاشة الاجتماعية.

فالتاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة، لكنه يحذرنا من أن الفراغ السياسي، حين يقترن بالحصار والهشاشة الاقتصادية وغياب المساءلة، قد يصنع سلطات لا تحكم بالقانون، بل بالتحكم في احتياجات الناس.

وحين تصبح لقمة العيش أداة نفوذ، لا يعود السؤال فقط: من يحكم غزة؟ بل من يتحكم في حياة أهلها، ومن يستفيد من معاناتهم، وبأي ثمن؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير