فيلم "نازا".. كابوس نتنياهو أمام الناخب الإسرائيلي

21.10.2026 02:35 PM

كتب: د. غسان مصطفى الشامي

لم تعد المعركة على الرواية بشأن حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة محصورة في ميادين السياسة والإعلام والدبلوماسية، بل امتدت إلى شاشة السينما، حيث نجح الفيلم الوثائقي «نازا» (NAZA) في إشعال نقاش واسع داخل إسرائيل وخارجها، واضعًا حكومة بنيامين نتنياهو أمام اختبار أخلاقي وسياسي صعب، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى انتخابات الكنيست المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر الجاري حيث يكتسب الفيلم أهميته من اعتماده على شهادات من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، إذ يوثق فيلم نازا  روايات 24 جنديًا ومسؤولًا عسكريًا واستخباراتيًا، تحدثوا عن آليات تنفيذ العمليات العسكرية في غزة، وطبيعة القرارات المتعلقة باستهداف المواقع، والخسائر المدنية المتوقعة؛  فيما  يطرح العمل تساؤلات خطيرة بشأن مكانة حياة المدنيين الفلسطينيين في حسابات الحرب، ومدى الالتزام بالقواعد الإنسانية والقانونية خلال العمليات العسكرية.

ويأتي الفيلم  الذي هو من إخراج ( الإسرائيليين ) يوڤال أبراهام وراشيل شور؛  اللذين اختارا تقديم شهادات المشاركين مع إخفاء هوياتهم، في محاولة لحمايتهم من التداعيات المحتملة عليهم؛  وقد حظي فيلم نازا  باهتمام دولي كبير  واسع بعد فوزه بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي، وسط تصفيق استمر نحو 25 دقيقة، في مشهد عكس حجم التفاعل مع مضمونه الإنساني والسياسي.

ويرى كاتب المقال  أن خطورة «نازا» على حكومة نتنياهو  لا تكمن في قيمته الفنية وحدها، بل في قدرته على نقل النقاش بشأن حرب غزة من دائرة الاتهامات الفلسطينية والدولية إلى شهادات يقدّمها أشخاص من داخل المنظومة الإسرائيلية نفسها، وهذه الروايات تضع الخطاب الرسمي أمام أسئلة محرجة حيث تفتح الباب أمام قطاعات من المجتمع الإسرائيلي لمراجعة ما يُقال لها عن مجريات الحرب ونتائجها.

هذا و قد هاجم رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو الفيلم وصنّاعه، واعتبر عرضه في الخارج جزءًا من التحريض المعادي لإسرائيل، كما دعا وزير الثقافة ( الإسرائيلي) ميكي زوهار إلى اتخاذ إجراءات ضد المخرجين وصلت إلى المطالبة بسحب جنسيتهما الإسرائيلية، كما أثار فيلم نازا ردود فعل داخل المؤسسة العسكرية، في مؤشر إلى حساسية ما يطرحه من قضايا.

هذا وتضاعفت  التداعيات السياسية للفيلم مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، إذ يسعى نتنياهو إلى الحفاظ على تماسك معسكره اليميني، والدفاع عن سجله في إدارة الحرب، في ظل الانتقادات المتعلقة بالأمن والرهائن والعلاقات الخارجية، وقد يمنح الفيلم خصومه مادة إضافية لمساءلة الحكومة، لكنه لا يعني بالضرورة انتقال أصوات الناخبين إلى المعارضة؛ فالمجتمع الإسرائيلي منقسم بشأن الحرب، وقد تتفاوت استجابة الناخبين وفق انتماءاتهم السياسية ومواقفهم الأمنية.

يمثل وصول فيلم  «نازا» إلى الشاشات الأوروبية تطورًا مهمًا في معركة الرأي العام، حيث حظي الفيلم باهتمام مهرجان البندقية، وتولت شركة التوزيع الفرنسية «إم كيه 2» (MK2 Films) المشاركة في توزيعه دوليًا، مع الإعلان عن عرضه في 56 دولة، بينها فرنسا وعدد من الدول الأوروبية، على أن يتاح لاحقًا مجانًا عبر موقع صحيفة «الغارديان» البريطانية بعد عرضه السينمائي.
ولا يعني هذا الحضور بالضرورة تبني الحكومات الأوروبية جميع ما يطرحه الفيلم، لكنه يعكس مساحة متزايدة لإيصال روايات نقدية بشأن الحرب الإسرائيلية على غزة إلى جمهور دولي واسع. كما ينسجم مع تصاعد الجدل الأوروبي بشأن المسؤولية القانونية والأخلاقية عن استهداف المدنيين، وحدود الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل.

إن فيلم  «نازا» ليس مجرد عمل سينمائي عابر، بل نافذة على صراع الروايات حول غزة، وعلى التناقض بين الخطاب الرسمي الإسرائيلي والصورة التي تتشكل في الوعي الدولي. ومع ذلك، فإن تأثيره الانتخابي سيظل مرتبطًا بمدى وصوله إلى الجمهور الإسرائيلي، وقدرته على اختراق الاستقطاب السياسي، وتحول النقاش الذي أثاره إلى موقف انتخابي ملموس.

قد لا يسقط فيلمٌ حكومةً أو يحسم انتخابات، لكنه يستطيع أن يزعزع روايةً رسمية، ويفتح ملفاتٍ أُريد لها أن تبقى مغلقة، ويمنح الضحايا مساحة جديدة لسرد معاناتهم،  وهنا تكمن أهمية «نازا»: في أنه يعيد غزة إلى قلب النقاش العالمي، ويضع نتنياهو أمام معركة لا تُخاض بالصواريخ وحدها، بل أيضًا بالحقيقة والصورة والشهادة، وبحق الفلسطينيين في ألا تُطمس معاناتهم خلف الشعارات السياسية والعسكرية.
 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير