نحو تأطير مشاريع الاقتصاد الاخضر في استراتيجية وطنية ذات أثار بعيدة المدى

كتب: د.عقل أبو قرع
تتوسع وتزداد هذه الايام مشاريع وبرامج لها علاقة بالاقتصاد الاخضر، أو الدائري، او الاقتصاد الصديق للبيئة أو الاقتصاد المستدام، ويتمحور هذا الازدياد من خلال انخراط مؤسسات مجتمع مدني متنوعة وحاضنات وحتى هيئات حكومية ومؤسسات من القطاع الخاص في هذا الاطار، وكذلك يتوسع الدعم المادي والمهني نحو الاقتصاد الاخضر، وبالاخص من مؤسسات الدعم الدولية وحتى من بنوك اوروبية أو دولية في توجه متصاعد لدعم مثل هكذا مشاريع، والهدف الاساسي هو الحفاظ على استدامة مدخلات النظام البيئي، والحصول على منتجات اكثر صداقة للبيئة، وتحقيق اهداف الحد من اثار التداعيات المناخية، وفي نفس الوقت خلق فرص عمل للشباب والشابات تحد من البطالة والفقر، من خلال دعم مشاريع ريادية ابتكارية تدور في الاطار البيئي الاخضر الدائري المستدام.
وبدون شك ان مثل هكذا توجه، يعتبر توجها ايجابيا يستحق الدعم والتشجيع، ولكن من يلحظ النشاطات المتعلقة بمثل هكذا توجه، ومنها الندوات والورشات والمؤتمرات والاعلانات وحملات الترويج، والشراكات التي تتشكل، ومع ازدياد وتشعب مصادر التمويل وبأهداف مختلفة، وانخراط مؤسسات في هذا المجال تماشيا مع التيار، يلحظ نوعا من التنافس والتشتت وغياب التخطيط الجامع الوطني ووضوح الاهداف وبالاخص بلورة خطط تسير باتجاه تحقيق نوعا من التغيير المستدام بعيد المدى في هذا الصدد، حيث نلحظ بوضوح تشتت الاهداف المتوخاه لتتماشى سواء مع منوال الممول او مع التيار العام او مع الترويج الاعلامي، وهذا الوضع لن يعود بالاثر الايجابي المتوخى علينا، سواء على صعيد استدامة الاقتصاد او تحقيق فرص عمل راسخة، او حتى حماية النظام البيئي الفلسطيني بشكل مستدام يتوطد بعد الانتهاء من زخم هذه المشاريع.
وببساطة فأن ألاقتصاد الاخضر، هو الاقتصاد الذي تتم ادراتة بصورة مستدامة وفعالة وصديقة للبيئة، اي بدون استنزاف مدخلات النظام البيئي، ويهدف الى ترشيد استخدام مدخلات الانتاج، مثل الطاقة والمياه وتقليل انتاج النفايات وتدويرها والاستفادة منها والزراعة الذكية التي تحافظ على التربة وتحد من التلوث
الكيميائي وتساهم في تحقيق الامن الغذائي، ومن الامثلة استخدام الطاقة الشمسية او المتجددة بشكل اساسي وفعال، واعادة تكرير المياه العادمه واستخدام المياة الرمادية في الزراعة، ووجود انظمة من اجل فصل وتدوير النفايات وتوليد الكهرباء من حرقها، وهناك مؤسسات تحدد معايير واسس ومواصفات الاقتصاد الاخضر، وهناك دول تقوم بمنح الحوافز والتشجيع من اجل التوجه الى هذا النوع من النشاطات الخضراء.
وهذه الايام، أصبح اقتصاد العديد من الدول المتقدمة، يعتمد وبشكل أساسي على مصادر الطاقة الخضراء أو الطاقة الصديقة للبيئة، ومن ساهم في هذا التوجه كذلك هو التداعيات الخطيرة التي يشهدها العالم نتيجة التلوث الناتج عن الاستهلاك غير المحدود للبترول وللفحم، وبالتالي بث ملايين ألاطنان من الغازات الى الجو، ومن ثم تشكل ظاهرة الاحتباس الحراري، وما لذلك من أثار التغيرات المناخية على شكل فيضانات وتصحر وجفاف وتضاؤل الانتاج الغذائي وتقلبات جوية عنيفة، باتت جزءا من النظام المناخي لهذا العالم.
وفي بلادنا، فأن الاقبال على الممارسات الاقتصادية والعمرانية الخضراء، من خلال عدم استنزاف المصادر المتاحة، وخاصة في الحالة الفلسطينية التي تتمتع بمصادر طبيعية محدودة وبحيز مكاني ضيق ويضيق باستمرار سوف يعمل ويشجع في المحصلة على انشاء المزيد من المشاريع التنموية، وبالتالي الى ايجاد المزيد من فرص العمل والتشغيل، وبالتالي يعمل على محاربة الفقر والحد من البطالة، وفي نفس الوقت حماية البيئة من الدمار ومن الاستنزاف، ومن عدم القدرةعلى ملائمة الحياة او النشاط للاجيال القادمة.
ولذا فأننا نحتاج الى استراتيجية وطنية شاملة وملزمة ومحمية بقوانين وتشريعات، ومن خلال تشجيع التكنولوجيا والمبادرات الابداعية الخضراء، ومن خلال الحوافز والدعم، والاتجاه اكثر الى مصادر الطاقة المستدامة او الطاقة المتجددة، او الصديقة للبيئة او الطاقة الخضراء، ومنها الشمس والرياح والمياه والغاز وحرق النفايات وتخمرها وما الى ذلك من مصادر نستطيع ان ننتجها ولو بشكل تدريجي او تراكمي، وفي نفس الوقت نستغني وبشكل تدريجي عن مصادر طاقة، تكبل ايدينا وتستنزف اموالنا وتلوث بيئتنا، وتقيدنا سياسيا واقتصاديا ونفسيا، وما يترتب على ذلك من تداعيات مدمرة على المياه والارض والامن الغذائي .
ومن اجل استدامة مشاريع الاقتصاد الاخضر والاثر الايجابي على الاقتصاد الوطني، المطلوب هو تأطير هذه المشاريع المتفرقة والمشتته، سواء بفعل اليات واهداف الممول أو المؤسسة أو المنطقة أو الفئة المستهدفة، تأطيرها في استراتيجية وطنية شاملة، ترتب مثل هكذا مشاريع حسب الاولويات الفلسطينية من ناحية الحفاظ على البيئة، وتخفيض البطالة، ودعم الابتكار والابداع، والاهم الاستخدام الفعال لاموال المانحين سواء من مؤسسات أو حكومات أو بنوك، بشكل يضمن نوعا من الاستدامة أو تحقيق التغيير المطلوب والحفاظ عليه، حتى بعد نضوب الدعم لمثل هكذا مشاريع.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


