بيان خلف.. باحثة شابة تسخّر الكيمياء لتنقية المياه من المبيدات الزراعية

01.04.2021 09:45 PM

وطن- عبد الباسط خلف: طوّعت الباحثة الشابة بيان خلف الكيمياء لتنقية المياه من المبيدات الزراعية، ووجهت أبحاثها التطبيقية لحل تحدي التلوث الذي يهدد سر الحياة، ومن أجل ذلك قصدت ألمانيا لإكمال مشروعها البحثي، والتوصل إلى نتائج دقيقة، تساهم في تقليل الخطر المحدق بمياه فلسطين المنهوبة والشحيحة.

في هذا الحوار تتناول "آفاق البيئة والتنمية" شغف بيان بالكيمياء وتتّبع خلاصات بحثها العلمي.

سيرة فتية

أبصرت بيان خلف النور في خريف 1992، ثم انتقلت مع عائلتها من السعودية حيث ولدت، إلى الأردن وفلسطين، وأكملت تعليمها في برقين بمحافظة جنين، وكانت المدرسة "الفترة الذهبية" بالنسبة لها.

أنهت البكالوريوس في ثلاث سنوات ونصف من الجامعة "العربية الأمريكية" في مطلع عام 2016، وفي السنة ذاتها تابعت دراستها لنيل الماجستير في الكيمياء في جامعة "النجاح الوطنية" وأنهتها في سنة ونصف، وانطلقت بعدها للبحث عن منحة لدراسة الدكتوراة في جامعة أجنبية، إلا أن عقبات كثيرة حالت دون ذلك. ولاحقًا حصلت على منحة "مركز الشرق الأوسط لأبحاث تحلية المياه"، ومقره مدينة مسقط، وتلقت منه دعمًا لإجراء أبحاث تتعلق بتلوث المياه، وقدم لها منحة الدكتوراة، ثم نالت منحة "جسر التعاون الفلسطيني الألماني"، وفي عامي 2018 و2019 انتقلت أكثر من مرة إلى ألمانيا لإجراء بحثها.

عاشت في "يوليش" المدينة العلمية الألمانية التي تضم طلبة من أنحاء العالم، كما زارت 12 دولة خلال رحلتها البحثية في الدكتوراة، واطلعت على ثقافات عديدة، وتصف بيان أيّام الغربة والسفر بــ "أجمل أيام العمر" لما فيها من تجارب أغنت خبراتها في الحياة، ولكونها "فلسطينية تدرس الدكتوراة في الكيمياء" فقد أثارت دهشة الطلبة الآخرين من ذوي الجنسيات المختلفة.

تعليم وبحث وتطوّع

حصلت بيان على عدة جوائز في مسابقات داخل فلسطين وخارجها، وشاركت في مؤتمرات عالمية في ألمانيا وتركيا وفلسطين والأردن، ولها أوراق علمية في مجلات عالمية مُحكمة، كما حصلت على دعم لأبحاثها خلال دراستها، ونفذت العديد من الأعمال التطوعية، وساهمت في تنظيم مؤتمرات علمية.

وقبلها درّست الكيمياء في مراكز ثقافية في جنين، وقدمت دروسًا خصوصية في بيتها لطلبة الجامعات والمرحلة الثانوية، وبعد الماجستير انتقلت إلى التدريس في "العربية الأمريكية" لسنتين، ثم  تفرغت للدكتوراة، وعادت في خريف 2020 إلى الجامعة نفسها مُحاضرة، وعملت في جامعة "القدس المفتوحة" لبعض الوقت، وتتطوع اليوم في مؤسسة "تمكين" لمساعدة النساء في توفير فرص التعليم الخارجية، كما أنها تخطط لأبحاث ما بعد الدكتوراة، التي أنهتها في عمر 28 عامًا.

تقول لـ مراسل "آفاق البيئة والتنمية": "إن الكيمياء التحليلية والفيزيائية فرعان من الكيمياء العامة التي تنقسم إلى عضوية ولا عضوية، وفيزيائية وتحليلية، وكان تخصصي في الماجستير والدكتوارة في الكيمياء الفيزيائية والتحليلية، علمًا أن الكيمياء التحليلية تشبه كيمياء البيئة، أما الكيمياء الفيزيائية فتعني دمج الفيزياء والكيمياء والرياضيات معًا".

وأضافت أن الكيمياء التحليلية تقوم على معرفة مكونات المواد من حيث الكم والنوع، فإذا كانت لدينا عينة، وأردنا معرفة العناصر والمركبات الموجودة فيها، وتركيزها، فهذه كيمياء تحليلية، وذلك يصب في نهاية المطاف بالبيئة.

وبحسب بيان، فقد تمكنت من إنهاء درجة الدكتوراة في ثلاث سنوات ونصف بتقدير امتياز. إذ بدأت بدراسة مساقات نظرية، ثم قدمت لامتحان شامل في مواد البكالوريويس والماجستير والدكتوراة، وصولًا إلى الرسالة، التي امتدت لسنتين.
اختارت خلف التعمق في الكيمياء بعد إنهاء الدرجة الجامعية الأولى عام 2014، فتوجهت إلى الماجستير، وانجذبت إلى تنقية المياه ومعالجتها، لحاجة فلسطين الماسة إلى هذا التخصص، ولندرة مواردها المائية، وسيطرة الاحتلال عليها.

وتتابع حديثها بالقول: "منذ سنوات ينصب تركيزي على تنقية المياه في بلادنا ، وعكفت في الماجستير على تنقية المياه من الفلزات السامة مثل النيكيل والكاديميوم والرصاص وغيرها، وتوجهت في الدكتوراة إلى تنقية المياه في فلسطين من المبيدات الزراعية الثابتة، التي تقاوم التحلل في الماء والهواء والتراب".

فوضى المبيدات الزراعية

وضعت الباحثة الشابة في عام 2017 الملامح الأولى لمشروع تنقية المياه من المبيدات الزراعية عمومًا، ثم بدأت بحصر المبيدات، وآلية التقنية، وفي الدكتوارة ركزت على تنقية المياه من المبيدات الزراعية الثابتة المستخدمة في فلسطين.

وأكدت أنها عرفت خلال بحثها، أنه يوجد عدد هائل جدًا من المبيدات، واختارت الثابتة منها، والتي تحتاج وقتًا طويلًا للتحلّل. وتعاملت في سياق بحثها مع الأسماء العلمية للمبيدات، ولم تستخدم الأسماء التجارية التي يتعامل بها المزارعون والشركات عادةً.
وزادت بالقول "حصرت دراستي في Difenoconazole وهو مبيد فطري يحمل أسماء تجارية مثل (سكور وسكايبر)، وTetraconazole.
وفي بداية البحث وجدت أن عالم المبيدات سريع التغير، ويمكن لبعض المركبات أن تمنعها وزارة الزراعة أو تسمح بها، ويتوقف ذلك على درجة سميتها وضرورة استخدامها".

وأوضحت أن القاسم المشترك في المبيدات الثابتة "أنها تبقى في التربة والهواء والماء"، وخلال بحثها لم تجد معطيات كثيرة حول هذه الأنواع من المبيدات المستخدمة في فلسطين، وعامةً، لم تؤكد الدراسات النظرية التي قامت بها وجود تلوث كبير حتى الآن في المياه بفعل المبيدات، "إلا أننا نحتاج لإثبات أو نفي ذلك باستخدام أجهزة علمية دقيقة، وقد يجري تطوير أجهزة تُقدم لنا معطيات جديدة، وخاصة أن تلوث المياه بالمبيدات "يحدث بنسب صغيرة جدًا، لكنه يمثل خطرًا كبيرًا" تبعًا لحديثها.
عملت بيان في دراستها على السيليلوز الذي استخلصته من الجفت (مخلفات عصر الزيتون) بكميات كبيرة تصل 50%، وحضرّت من الجفت "مركبات سيليلوز" بجزئيات صغيرة جدًا ذات نتائج كبيرة، ومركبات أخرى فاعلتها بمركبات كيميائية أخرى، وكلها صديقة للبيئة، ولا تحدث ضررًا.

مبيدات خطيرة في فلسطين

وقالت بيان: "أجريت معظم الأبحاث العملية في معهد "يوليش" في ألمانيا عبر منحة جسر التعاون الفلسطيني الألماني، وأكاديمية فلسطين للعلوم والتكنولوجيا، ودعم مركز الشرق الأوسط لأبحاث تحلية المياه، بالتعاون مع سلطة المياه الفلسطينية. وفي النهاية استطعنا تنقية المياه من المبيدات بواسطة المواد التي طورناها بنسبة  98,5%".

وذكرت أن أغلب المبيدات المستخدمة في فلسطين "خطيرة جدًا"، والمشكلة المصاحبة لها أن معظم مستخدميها لا يملكون الوعي الكافي بها، وبكمياتها المسموحة، وفترات أمانها، ويجهلون ما يمكن أن تسببه من أمراض".
كما أن الفلاحين لا يكترثون بتلويثها للمياه وللهواء وللتربة، التي قد تتسرب عبرها إلى المياه الجوفية. وبعضها يضر بالجهاز التنفسي، وهناك أبحاث عن متبقيات المبيدات في النباتات، وفقًا لكلامها.

والمفارقة، وفق الشابة الطموحة، أن أبحاثًا تشير إلى أن بعض المبيدات حُظر استخدامها منذ سنوات، إلا أن آثارها بقيت في التربة والمياه والهواء.

وأكدت أن مقارنة فلسطين بدول العالم، ستكشف بسهولة: "التحدي المائي كعنصر أبرز، فمواردنا محدودة جدًا، ويسيطر الاحتلال عليها، كما أنها ملوثة بالبكتيريا والفايروسات والفلزات الثقيلة السامة وغيرها".
وتوضح بالقول: "أبحاثنا تُعطل بسبب الاحتلال، فإذا ما طلبنا مركبات كيميائية لمشاريعنا البحثية، فإنها غالبًا لن تصل، وهناك باحثون أُجبروا على تغيير أطروحاتهم بسبب طول مدة الانتظار، أو السماح بوصول عدد محدود من المواد، أو أنهم اضطروا للسفر لإحضارها".
وقالت إن "أي بحث نرغب بنشره في مجلة علمية محكمة يتطلب أجهزة دقيقة للتحليل"، ولولا سفرها إلى ألمانيا لعجزت عن إتمام البحث، حيث حللت عينات دراستها هناك.

وتبدي بيان قلقها إزاء ما تعانيه بلادنا في قطاع المياه، فلا نلتفت إلى جودتها، وينقصنا الوعي بأهمية التحقق من سلامتها، ناهيك عن الافتقار إلى أجهزة متقدمة تساعد في إجراء أبحاث تسهم في التحسين من وضعها، داعية إلى تنظيم برامج توعوية للطلبة وللمزارعين وللعاملين في أقسام المياه بالهيئات المحلية وللمواطنين عموًما.

وأكدت أن الدراسات العليا في الضفة الغربية وقطاع غزة تُعد مكلفة قياسًا بالدول الأجنبية، إذ يغيب دعم البحث العلمي لأغلب الطلبة، كما لا تتوفر أجهزة حديثة تساعد الباحثين على تحقيق أهدافهم، ما يدفعهم للبحث عن المدد أو الشراكة من دول أجنبية من أجل تغطية العجز في معدات البحث، لا سيما في العلوم الطبيعية.

وفي ختام حديثها قالت: "الواقع الذي نعيشه يحتم علينا العمل بشعار "ابدأ بنفسك أولاً، وكن أنت التغيير الذي تطمح أن تراه في هذا العالم".
 

خاص بآفاق البيئة والتنمية

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير