موسى في عيون رفاقه ... يرحل الجسد ويبقى الاثر
وطن للأنباء: حين يرحل الرجال، لا يغيبون دفعة واحدة؛ تبقى خطاهم في الطرقات، وأصواتهم في الذاكرة، وحكاياتهم في عيون من رافقوهم. هكذا رحل المحامي موسى يوسف محمد كردي، تاركاً خلفه حكاية فلسطينية امتدت أربعة عقود؛ رجل آمن أن الكلمة موقف، وأن العدالة وجه من وجوه النضال، وأن الأثر أبقى من الرحيل.
منذ عام 1991، حين بدأ دربه في المحاماة برام الله، اختار كردي أن يكون قريباً من الناس وهمومهم، يحمل قضاياهم إلى المحاكم، ويدافع عن حقوقهم، ويمضي بثبات. لم ير القانون نصوصاً جامدة، بل رأى فيه طريقاً للكرامة، وميزاناً للعدل، ومساحة لحماية الإنسان الفلسطيني وصون حقه.
وفي حياة موسى، كان النضال أوسع من قاعة محكمة؛ كان موقفاً يومياً، وإيماناً بأن خدمة الناس والوطن مسؤولية لا تنتهي. حمل هموم الفلسطينيين في عمله، ووقف إلى جانب زملائه، وانحاز دائماً للحق، فكان مناضلاً بطريقته، هادئاً في حضوره، عميقاً في أثره، صادقاً في عطائه.
وفي عيون رفاقه، كان موسى أكثر من محامٍ ونقابي؛ كان إنساناً يترك في المجالس دفء حضوره، وفي المواقف وضوحه، وفي القلوب مكاناً لا يشبهه أحد. عرفه زملاؤه وفياً، قريباً، صاحب كلمة ومبدأ، يؤمن أن الإنسان هو جوهر العدالة، وأن فلسطين تستحق من أبنائها الكثير.
وحين حمل مسؤولية العمل النقابي، واصل موسى الطريق نفسه؛ عضواً في مجلس نقابة المحامين منذ عام 2015، ورئيساً للجنة القانونية وأميناً للصندوق، مدافعاً عن حقوق المحامين وتطوير المهنة. وفي مسيرته، ظل القانون بالنسبة إليه رسالة، والنقابة مساحة للعطاء، والعدالة قضية تستحق أن يُناضل الإنسان من أجلها.
رحل موسى بعد صراع مع المرض، لكن بعض الغياب لا يشبه سواه؛ فهناك رجال يغادرون بأجسادهم، ويبقون بما زرعوه في الأرواح. وفي عيون رفاقه، تبقى سيرته ومواقفه وذكرياته، ويبقى مكتبه وأبناؤه وقضاياه شاهدة على رجل جعل من القانون رسالة، ومن النضال حياة؛ يرحل الجسد، ويبقى الأثر.
وتستحضر سمر العمد، زوجة الراحل موسى الكردي، شخصية "أبو عامر"، لوطن للأنباء، بوصفه إنساناً استثنائياً في محيطه العائلي والاجتماعي، مؤكدة أنه كان صديقاً وأباً حنوناً وزوجاً رائعاً، يحتضن عائلته وكل من حوله، ويحرص على الوقوف إلى جانب المحتاجين، حتى بات حضوره ممتداً إلى كل من عرفه.
أما نجله عامر الكردي، فيتحدث، لوطن للأنباء، عن تجربة فقدان والده التي لم تكن سهلة، مستعيداً رحلة المرض التي بدأت في آب/أغسطس 2023، بعد تشخيص إصابته بالسرطان، بالتزامن مع الحرب على غزة. ويقول إن العائلة عاشت خلال نحو ثلاث سنوات محطات صعبة، حاولت خلالها مساندة والدها والحفاظ على نفسيته، وسط ألم المرض وأجواء الحرب.
ويستعيد شقيقه وسيم الكردي، لوطن للأنباء، مسيرة الراحل منذ سنوات الدراسة، مشيراً إلى أنه عاش تجربة إنسانية قاسية وطويلة، قبل أن يسافر للدراسة في الاتحاد السوفيتي، ثم يعود إلى فلسطين ويبدأ بتكوين نفسه مهنياً كمحامٍ، وصولاً إلى بناء مكانة مهنية مميزة وحضور لافت في مجال المحاماة.
ويصف شقيقه ربيع الكردي، لوطن للأنباء، شقيقه الراحل بأنه كان "العمود الأساسي" للعائلة، والرجل الذي يجمع أفرادها ويحافظ على تماسكها، خصوصاً بعد وفاة والدتهم. ويستحضر حضوره في مختلف المناسبات العائلية، مؤكداً أن جلساته لم تكن تخلو من المرح والفكاهة وخفة الدم، وهو ما جعل وجوده مرتبطاً بذاكرة العائلة ودفئها.
ويودع أمين سر نقابة المحامين أمجد الشلة، الراحل موسى الكردي، لوطن للأنباء، باعتباره واحداً من الوجوه البارزة في مهنة المحاماة، واصفاً إياه بفارس من فرسان العدالة ومدافعاً عن القانون وسيادته وحقوق المظلومين، ومشيداً بانتمائه إلى نقابته ومهنته وقضايا شعبه.
ويرى أنس الكسواني، عضو مجلس نقابة المحامين، لوطن للأنباء، أن فلسطين فقدت محامياً من أبرز وجوه المهنة، مشيراً إلى أن موسى الكردي كان من الجيل الذي أسهم في بناء البيئة القانونية الفلسطينية، وحمل مهنة المحاماة في ظروف صعبة، بما فيها سنوات الاحتلال والمراحل التي تعرضت فيها البيئة القانونية لضغوط ومصاعب متعددة.
ويكشف د. مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الوطنية، لوطن للأنباء، جانباً من المسيرة الوطنية للراحل، موضحاً أن موسى الكردي بدأ نشاطه منذ سنوات الدراسة الأولى، وشارك في تنظيم العمل التطوعي والنشاطات السياسية المقاومة للاحتلال، وكان ناشطاً في الجامعة، قبل أن يصبح لاحقاً من أبرز المحامين وأكثرهم مهارة من الناحية المهنية.
ويستعيد بسام الصالحي، الأمين العام لحزب الشعب الفلسطيني، لوطن للأنباء، البدايات الوطنية لموسى الكردي، مشيراً إلى مشاركته في المظاهرات الوطنية ضد الاحتلال، ودوره في العديد من المحطات الوطنية، وانتمائه إلى حزب الشعب الفلسطيني في بداية حياته، قبل أن يواصل دراسته في الاتحاد السوفيتي ثم يبرز لاحقاً في أوساط نقابة المحامين.
ويقول د. غسان الطوباسي، صديق الراحل، لوطن للأنباء، إن علاقته بموسى الكردي امتدت لأكثر من خمسين عاماً، بدأت منذ أيام الحركة الطلابية، وتواصلت خلال السفر إلى الاتحاد السوفيتي والدراسة والعمل الوطني، مؤكداً أن ما جمعهما لم يكن مجرد صداقة، بل مسيرة طويلة من التجارب المشتركة التي صنعت تاريخاً مشتركاً بينهما.
أما المحامي وصديق الراحل، هادي مشعل، فيستحضر علاقة قديمة بالراحل، لوطن للأنباء، موضحاً أن موسى كان دائم الحضور في منزل عائلته، حتى إن والده كان يعتبره ابناً له. ويشير إلى أن الأقدار جمعتهما لاحقاً في مهنة المحاماة، حيث عملا جنباً إلى جنب لنحو 23 عاماً، إلى جانب ما تركه الكردي من بصمات في العمل الوطني الفلسطيني ونقابة المحامين.
ويستذكر ناصر عبد الهادي، صديق الراحل، لوطن للأنباء، موسى الكردي كصديق عزيز عُرف بحبه للخير وابتسامته الواسعة، مشيراً إلى أنه كان يقدم استشارات قانونية لجمعيات من دون مقابل، مؤكداً أن رحيله يمثل خسارة لعائلته وأصدقائه ولأسرة المحامين ولمن عرفوه وأحبوه.
ويصف المحامي شاهر العاروري، صديق الراحل، لوطن للأنباء، بأنه أخ وصديق وقامة قانونية ومحامٍ لامع، مشيراً إلى حضوره في مختلف المواقف وساحات وقاعات المحاكم، وإلى ما عرفه عنه من صدق وخبرة وعمق ووفاء. ويقول إن فقدانه اليوم يشبه فقدان أخ وصديق رافقه في محطات كثيرة من الحياة والمهنة.
وتتذكر رندة سنيورة، المديرة العامة لمركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي، لوطن للأنباء، الجانب الإنساني في تعامل موسى الكردي، مشيرة إلى احترامه لآراء الآخرين وقدرته على الحوار والأخذ والعطاء، إلى جانب وضوحه في تقديم الاستشارة القانونية، حتى عندما لا تكون الإجابة مرضية لمن يسمعها. وتستعيد عبارته لها: "صديقك من صدقك"، باعتبارها واحدة من أكثر العبارات التي تلخص طريقته في التعامل مع الآخرين.


