بمشاركة مئات الشخصيات في رام الله وغزة وعبر الربط الإلكتروني مؤتمر "مسارات" يبحث آفاق استنهاض الحالة الفلسطينية والخيارات الممكنة لاستعادة الفاعلية السياسية والمجتمعية
مؤتمر "مسارات" يبحث آفاق استنهاض الحالة الفلسطينية والخيارات الممكنة لاستعادة الفاعلية السياسية والمجتمعية
رام الله/ غزة: عقد المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية (مسارات)، يوم الأحد 27 أيلول/سبتمبر 2026، مؤتمره السنوي بعنوان "آفاق استنهاض الحالة الفلسطينية في مواجهة التحديات"، بمشاركة حضورية في رام الله وغزة، وعبر تقنية "زوم"، وبحضور مئات من الشخصيات الوطنية والمستقلين والباحثين والكتّاب والنشطاء من الشباب والنساء.
وجاء انعقاد المؤتمر تتويجاً لعملية بحثية نفذها فريق متخصص، أعد خلالها مسودة دراسة بعنوان "معضلات التغيير في النظام السياسي الفلسطيني.. وآفاق بلورة تيارات جديدة"، وذلك ضمن مشروع "استعادة الفاعلية الفلسطينية من خلال المجتمع المدني والمشاركة السياسية والتماسك الاجتماعي – روافد".
وتتناول الدراسة تجربة العمل الوطني والسياسي الفلسطيني، من خلال مراجعة أبرز محطاتها واستخلاص الدروس والعبر منها، كما تطرح عدداً من الخيارات والمسارات المتعلقة باستنهاض الحالة الفلسطينية في ظل التحديات الراهنة، وإعادة بناء المشروع الوطني ومرتكزاته الفكرية والسياسية والاجتماعية والتنظيمية.
وبحسب الدراسة، تأتي هذه المقاربة في ظل مرحلة توصف بأنها من أكثر المراحل خطورة على القضية الفلسطينية، في ضوء الحرب والدمار في قطاع غزة، وتصاعد سياسات الضم والتهويد في الضفة الغربية والقدس، والملاحقات التي تطال الفلسطينيين في الداخل، إلى جانب الضغوط الرامية إلى تهميش التمثيل السياسي الفلسطيني، في وقت تشهد فيه الحركة الوطنية الفلسطينية تراجعًا في قدرتها على التأثير والفعل.
جلسات المؤتمر
افتتح المؤتمر بكلمة لمدير برامج مركز مسارات، خليل شاهين، أعقبتها الجلسة الأولى، التي استعرض خلالها أعضاء الفريق البحثي، وهم د. حسن أيوب - الباحث الرئيسي، وغزل الناطور، وأسماء السيد، وهدير البرقوني، ومعتصم زيدان، أبرز نتائج الدراسة وخلاصاتها.
وشهدت الجلسة مداخلات لممثلي الشريكين في المشروع، وهما عمرو السلعوس، المحامي والباحث في معهد التقدم الاجتماعي والاقتصادي (ISEP)، ونديم قنديل، مدير العمليات في المؤسسة الفلسطينية للتمكين والتنمية المحلية – "ريفورم"، قبل فتح باب النقاش العام.
أما الجلسة الثانية، التي حملت عنوان "آفاق استنهاض الحالة الفلسطينية في مواجهة التحديات"، فتناولت سبل التعامل مع التحديات الراهنة وآفاق إعادة بناء الفاعلية الفلسطينية، بمشاركة مدير عام مركز مسارات هاني المصري، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح دلال سلامة، والشخصية الوطنية والسياسية والنسوية د. حنان عشراوي، والأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية د. مصطفى البرغوثي، والباحث في مركز "تقدم" (لندن) أمير مخول من حيفا، والكاتب السياسي تيسير محيسن، والكاتب والباحث معين الطاهر.
وتناولت المداخلات عدداً من القضايا المرتبطة بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وإمكانات تجاوز الانقسام، والحاجة إلى تجديد المشروع الوطني، وتوسيع المشاركة السياسية، وتعزيز الصمود المجتمعي، واستعادة الفاعلية الفلسطينية في مختلف أماكن وجود الشعب الفلسطيني.
كما ناقش المشاركون سبل تطوير الأطر السياسية والتنظيمية القائمة، وإمكانات بلورة أطر أو تيارات جديدة، إلى جانب أهمية بناء قيادة وطنية موحدة وتعزيز الشراكة السياسية والمجتمعية، بما يتيح مواجهة التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية.
وأعقبت الجلسة نقاشات عامة، قبل الانتقال إلى الجلسة الختامية بعنوان "ماذا بعد؟"، التي فتحت النقاش أمام الأسئلة المتعلقة بمسارات العمل المستقبلية والخيارات الممكنة لاستعادة الفاعلية السياسية والمجتمعية الفلسطينية، وتحويل خلاصات النقاش والبحث إلى مسارات عملية قابلة للبناء عليها.
شاهين: الحاجة إلى إعادة بناء الحركة الوطنية
وفي افتتاح المؤتمر، قال مدير برامج مركز مسارات، خليل شاهين، إن الدراسة التي أعدها المركز حول آفاق استنهاض الحالة الفلسطينية تقدم مقاربات جديدة، ليس فقط من حيث مضمونها، وإنما أيضاً من حيث طبيعة الباحثين المشاركين في إعدادها.
وأوضح أن أكثر من عشرة باحثين وباحثات من الشباب شاركوا في إعداد الدراسة، بهدف تقديم رؤى جديدة بشأن مستقبل الحالة الفلسطينية وسبل إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية بوصفها حركة تحرر وطني.
ووصف شاهين المرحلة الراهنة بأنها من أخطر المراحل التي يمر بها الشعب الفلسطيني، في ظل ما يواجهه من معركة للدفاع عن وجوده وحقه في تقرير مصيره على أرضه.
وأشار إلى أن المعارك السياسية والاجتماعية التي خاضها الفلسطينيون منذ النكبة تتواصل اليوم بأشكال متعددة، ولا سيما في قطاع غزة، معتبراً أن النكبة أدت إلى تدمير وتهجير سكان أكثر من 520 بلدة وقرية فلسطينية ومحوها من الوجود، إلى جانب تهجير أعداد كبيرة من أبناء الشعب الفلسطيني.
ورأى أن ما يجري اليوم في قطاع غزة يمثل امتداداً لسياسات الإبادة والتهجير والتدمير، فيما تتخذ هذه السياسات أشكالاً مختلفة في الضفة الغربية.
وأشار إلى توسع المشروع الاستعماري الاستيطاني على الأرض الفلسطينية وتصاعد مخاطره، خصوصاً منذ تشكيل حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، مؤكداً أن هذه التطورات تفرض الحاجة إلى إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الراهنة.
الجلسة الأولى: هل يمكن بلورة "تيار ثالث"؟
تناولت الجلسة الأولى أبرز نتائج الدراسة التي أعدها فريق بحثي متخصص، وتركزت بصورة أساسية على أزمة النظام السياسي الفلسطيني، وإمكانات التغيير، ومدى إمكانية بلورة تيار سياسي ومجتمعي جديد يتجاوز الاستقطاب القائم.
أيوب: البحث عن كتلة تاريخية من أسفل إلى أعلى
وأوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، د. حسن أيوب، أن البحث في إمكانية وضرورات تشكل "تيار ثالث" أو "كتلة تاريخية" على الساحة الفلسطينية، بوصفه جزءاً من الحركة الوطنية الفلسطينية، جاء ضمن مشروع متكامل بعنوان "سبل استنهاض الحالة الوطنية الفلسطينية".
وقال إن المشروع يهدف إلى تشخيص أزمات الحالة الفلسطينية، والبحث عن أطر فكرية وسياسية ووطنية يمكن أن تسهم في تشكيل كتلة تاريخية من المجتمع الفلسطيني، تنشأ من أسفل إلى أعلى، وتلعب دوراً في تقديم حلول وتصورات للمأزق الفلسطيني الراهن.
الناطور: تعثر محاولات تجاوز الاستقطاب
واستعرضت عضو الفريق البحثي، غزل الناطور، الفصل الثاني من الدراسة الذي يتناول المرحلة الممتدة من نشوء السلطة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو وحتى صيف 2026، مركزة على محاولات تجاوز الاستقطاب بين حركتي فتح وحماس، بما في ذلك المبادرات الحزبية، والتحالفات اليسارية، والحراكات الشبابية والمطلبية.
وخلصت إلى أن تعثر تشكيل تيار ثالث نتج عن تداخل عوامل سياسية واجتماعية وتنظيمية، في مقدمتها الاحتلال والانقسام السياسي والتجزئة الجغرافية، واستقطاب مؤسسات السلطة والتمويل للمجتمع المدني، إلى جانب الخلافات داخل القوى المتقاربة حول العلاقة بالسلطة والإصلاح ووسائل المقاومة.
كما أشارت إلى استمرار أزمة التمثيل الوطني وصعوبة تحويل الحراكات في الداخل والشتات إلى إطار تنظيمي مستدام.
وبيّنت أن تداعيات الحرب في غزة والظروف المعيشية الصعبة في الضفة الغربية وقطاع غزة أعادت ترتيب أولويات قطاعات واسعة من الفلسطينيين، ما يجعل أي تيار جديد مطالباً بالجمع بين الطرح السياسي والتعامل مع الاحتياجات اليومية، وبناء الثقة والتنظيم بين الناس.
السيد: "التيار الثالث" ليس مجرد حزب جديد
واستعرضت عضو الفريق البحثي أسماء السيد الفصل الثالث من الدراسة، الذي يتناول المنطلقات الفكرية والسياسية والتموضع على الساحة الدولية والعربية. مشيرة إلى أن الدراسة لا تنطلق من سؤال "هل نحتاج إلى حزب ثالث؟"، وإنما من سؤال أوسع يتعلق بمدى الحاجة إلى تغيير قواعد إنتاج السياسة والتمثيل والقيادة نفسها.
وبحسب السيد، تنقل هذه المقاربة مفهوم "التيار الثالث" من كونه إضافة تنظيمية جديدة إلى إمكانية لإعادة بناء المجال السياسي الفلسطيني.
وبيّنت أن الدراسة لا تتعامل مع "التيار الثالث" باعتباره حزباً أو تنظيماً قائماً، أو مجرد موقع يقع بين فتح وحماس، وإنما باعتباره إمكانية سياسية ومجتمعية في طور التشكل، يمكن أن تنشأ من تفاعل المبادرات والفاعلين والخطابات والقوى الاجتماعية التي تبحث عن تمثيل أكثر شمولاً وتجديد القيادة، وربط قضايا التحرر الوطني بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
البرقوني: أزمة في التمثيل والمشروعية والانقسام
واستعرضت عضو الفريق البحثي هدير البرقوني الفصل الرابع من الدراسة، الشروط السياسية اللازمة لإمكانية تشكل تيار ثالث فلسطيني، انطلاقاً من مفارقة تتمثل في استمرار العجز عن التجديد داخل السلطة، مقابل عجز المعارضة عن التشكل في إطار سياسي جديد.
وأوضحت أن هذه المعضلة لا تزال قائمة، مشيرة إلى أن استطلاعاً نفذه معهد التقدم الاجتماعي والاقتصادي أظهر أن أكثر من نصف الفلسطينيين في الضفة الغربية، وأربعة من كل خمسة في قطاع غزة، يرون حاجة إلى أطر سياسية جديدة تختلف جذرياً عن الأطر القائمة، من دون أن تتبلور حتى الآن مشاريع سياسية قادرة على تحويل هذه الرغبة إلى فعل منظم.
وأكدت أن الدراسة لا تتبنى دعوة مباشرة إلى تشكيل تيار ثالث، وإنما تدرس إمكانية تشكله وركائزه السياسية، مع الأخذ في الاعتبار الرأي المتشكك في جدوى الفكرة. ويطرح الفصل ثلاثة نماذج تحليلية لعلاقة أي تيار ثالث محتمل بالنظام القائم: نموذج إصلاحي يعمل من داخل المؤسسات، ونموذج تأسيسي جذري يعيد صياغة أدوات العمل الوطني، ونموذج مجتمعي ضاغط ينطلق من قضايا مجتمعية جامعة دون الدخول في تنافس مباشر على السلطة.
زيدان: استعادة العلاقة بين المجتمع والسياسة
واستعرض عضو الفريق البحثي معتصم زيدان أبرز ما خلص إليه الفصل الخامس من الدراسة، مؤكداً أن المطلوب لا يقتصر على إضافة تنظيم جديد، وإنما استعادة العلاقة بين المجتمع والسياسة.
كما تناول الفصل انسداد أفق "حل الدولتين"، في ضوء الاستيطان والضم وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، معتبراً أن ذلك يستدعي إعادة التفكير في المشروع الوطني وأدواته، بما يضع وحدة الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير وحق العودة في صلب الرؤية السياسية.
وطرح الباحث مسارات لتعزيز القدرة الفلسطينية على الفعل، تشمل دعم الصمود الاقتصادي والإنتاج المحلي والتعاونيات، وتقليل التبعية للاقتصاد الإسرائيلي تدريجياً، إلى جانب توظيف المقاطعة والتضامن الدولي والعمل القانوني والدبلوماسي، وربط قضايا المعيشة والصمود بالمشروع الوطني، بما يعيد السياسة إلى الناس ويحولها إلى فعل سياسي واجتماعي متراكم.
الشركاء في المشروع: أزمة التمثيل تتطلب إعادة التفكير في قواعد المشاركة
ومن جانبه، قال المحامي والباحث في معهد التقدم الاجتماعي والاقتصادي (ISEP)، عمرو السلعوس، إن الهدف الرئيسي من المشروع تمثل في إجراء بحث وتمحيص أكاديمي حول قضية التمثيل السياسي في فلسطين، ومدى شعور المواطنين بوجود أرضية مناسبة للتمثيل السياسي.
وأضاف أن الدراسة أخذت لاحقاً منحى آخر من جانب الشركاء في مسارات، تمثل في البحث بصورة أوسع في توجهات الناس ورغباتهم في وجود قوة سياسية جديدة، أطلقت عليها الدراسة اسم "التيار الثالث".
وأشار السلعوس إلى أن الجهات الداعمة للعمل البحثي أسهمت بدورها في تنفيذ استطلاع للرأي في الضفة الغربية وقطاع غزة استفاد الفريق البحثي من أبرز نتائجه.
بدوره، قال مدير العمليات في المؤسسة الفلسطينية للتمكين والتنمية المحلية – «ريفورم»، نديم قنديل، إن من أبرز مظاهر أزمة النظام السياسي الفلسطيني ضعف التمثيل، وتراجع الثقة، وغياب التجديد داخل القوى السياسية، واستمرار الانقسام، وتراجع المشاركة.
وأشار إلى أن هذه الظواهر تأتي في سياق استعماري واحتلالي يفرض قيوداً بنيوية على المجتمع الفلسطيني والنظام السياسي.
وطرح قنديل تساؤلاً حول نقطة البداية في عملية الإصلاح، ومدى قدرة إنتاج تيار سياسي ثالث جديد على الاستجابة لأزمة النظام السياسي، إلى جانب التساؤل حول قدرة التصنيفات الفكرية والسياسية التقليدية، وكذلك ثنائية فتح وحماس، على تفسير التحولات التي طرأت على المجتمع الفلسطيني والفاعلين السياسيين.
وأوضح أن التحول من الداخل، يمثل مساراً أكثر جذرية من الإصلاح التقليدي، وأقل قطعية من التأسيس من الصفر، معتبراً أن القطيعة الكاملة وإعادة التأسيس من الصفر أمر بالغ الصعوبة.
وأكد أهمية الاستناد إلى المؤسسات الوطنية القائمة باعتبارها بنية أولية وأساسية، مع العمل في الوقت ذاته على تغيير قواعد التمثيل والمشاركة والمساءلة ووظائف هذه المؤسسات بصورة عميقة.
الجلسة الثانية: آفاق استنهاض الحالة الفلسطينية في مواجهة التحديات
وبحثت الجلسة الثانية آفاق النهوض الوطني الفلسطيني، وسبل تجاوز حالة الانقسام والانسداد السياسي، وإعادة بناء النظام السياسي والحركة الوطنية على أسس أكثر شمولاً وتمثيلاً وفاعلية، في ظل ما تواجهه القضية الفلسطينية من تحديات ومخاطر متصاعدة.
المصري: الحاجة إلى جبهة إنقاذ وطني تتجاوز الاستقطاب
وقال هاني المصري، مدير عام مركز مسارات، إن المركز عقد 23 ورشة عمل بمشاركة ممثلين عن قطاعات مختلفة من الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي 48 والشتات، إضافة إلى ورشة في إسطنبول بمشاركة شخصيات من الشتات، قبل انعقاد المؤتمر، في سياق منهجية تشاركية للاستفادة من آراء واقتراحات المشاركين والمشاركات من مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني في تطوير مسودة الدراسة.
وأوضح أن هذا التنوع "ليس صدفة"، مشيراً إلى أن مركز مسارات ينطلق من الإيمان بأن الشعب الفلسطيني واحد وقضيته واحدة، وأن العمل يجب أن يتجه بصورة دائمة نحو تعزيز وحدته.
وأكد المصري أن الخطوة الأولى على طريق استنهاض الحالة الفلسطينية تتمثل في "تشخيص الحالة الفلسطينية تشخيصاً سليماً"، باعتبار ذلك مدخلاً ضرورياً للبحث عن مخارج للأزمة الراهنة.
وأشار إلى أن ذلك يفرض البحث عن صيغ جديدة يمكن أن تقوم على إصلاح الأطر القائمة وتطويرها وتغييرها، أو تأسيس أطر وحركات وأحزاب جديدة، وصولاً إلى إمكانية عقد جمعية تأسيسية تتولى مسؤولية الإسهام في بناء المرحلة الوطنية المقبلة.
ورأى المصري أن تعمق المأزق الفلسطيني يجعل تجاوز الأزمة بحاجة إلى ما هو أبعد من تشكيل "تيار ثالث" يكسر حالة الاستقطاب الثنائي الحاد التي طبعت الحياة السياسية الفلسطينية خلال العقدين الماضيين.
وقال إن حجم المخاطر القائمة يستدعي بناء "جبهة إنقاذ وطني" تشارك فيها مختلف القوى والشخصيات الوطنية، وتتسع لكل من يريد الإسهام في خدمة الشعب والقضية الوطنية، من دون إقصاء أو تخوين أو تكفير، ومن دون احتكار للحقيقة أو الوطنية أو الدين.
وأكد أن أي مبادرة جديدة ينبغي أن تنطلق من قراءة للمشروع الاستيطاني الصهيوني بوصفه يستهدف الشعب الفلسطيني بمختلف فئاته وتجمعاته، معتبراً أن هذه الحقيقة تجعل ما يجمع الفلسطينيين أكبر بكثير مما يفرقهم.
وبحسب المصري، فإن ذلك يفتح المجال أمام إمكانية بناء جبهة وطنية فلسطينية عريضة وتعددية، تقوم على أسس وطنية وشراكة حقيقية وديمقراطية توافقية، وصولاً إلى تشكيل قيادة وطنية موحدة، معتبراً أن تحقيق ذلك يتطلب توفر الإرادة والعامل الذاتي الفلسطيني القادر على تحويل هذه الإمكانية إلى واقع.
سلامة: نظام سياسي يعبر عن الفلسطينيين جميعاً
من جانبها، قالت دلال سلامة، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، إن المطلوب هو استخلاص العبر من التجربة الفلسطينية بعيداً عن منطق اللوم، والبناء على نقاط التقاطع الإيجابية بين مختلف أشكال النضال الوطني الفلسطيني.
وأشارت إلى أهمية الاستفادة من أشكال النضال المختلفة، بما فيها المقاومة الشعبية والحراك السياسي وغيرها، واستخلاص الدروس من الوضع الراهن بما يعزز الحاجة إلى نظام سياسي فلسطيني موحد.
وأكدت أن توحيد النظام السياسي يمثل ضرورة للدفاع عن الكيانية الفلسطينية والحفاظ على الشعب والأرض والوعي الوطني، في ظل المخاطر التي تستهدف القضية الفلسطينية.
وأضافت أن النقاش حول الحالة الفلسطينية والنظام السياسي وتحدياته ينبع من ضرورة بناء نظام "يعبر عنا جميعاً، ويحظى بثقتنا ويمثلنا"، باعتبار ذلك أساساً لاستعادة الفاعلية السياسية والوطنية.
عشراوي: التغيير يتطلب تفعيل الإرادة الذاتية
وأشادت الشخصية السياسية والوطنية والنسوية، الدكتورة حنان عشراوي، بعمق الدراسة التي تناولت الوضع الفلسطيني، وبالحاجة الملحة إلى التغيير والتدخل لإنقاذ الشعب والقضية والنظام السياسي، والانطلاق نحو آفاق جديدة.
وقالت إن مسار التغيير يمكن أن يأخذ أشكالاً مختلفة، سواء من خلال تشكيل "تيار ثالث" أو عبر صيغ أخرى، إلا أن العامل الحاسم يتمثل في تفعيل الإرادة الذاتية الفلسطينية.
وأكدت ضرورة فهم الدوائر الثلاث التي تتحرك ضمنها الحالة الفلسطينية، وهي: الواقع الداخلي الفلسطيني، والمشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي، والمتغيرات العالمية.
وأشارت عشراوي إلى أن هذه الدوائر تمر بمراحل انتقالية متداخلة، وأحياناً متنافرة، إلا أنها تؤثر جميعاً في المسار الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية، وفي ما وصفته بالمحطات المأساوية والانسدادات المؤلمة والمجحفة والمحبطة التي يعيشها الفلسطينيون.
البرغوثي: ستة مرتكزات لاستعادة الفاعلية الفلسطينية
وقال الدكتور مصطفى البرغوثي، الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، إن استعادة الفاعلية الفلسطينية تتطلب العمل على ستة مرتكزات أساسية.
وأوضح أن هذه المرتكزات تتمثل في: بناء مشروع وطني جديد وواضح وحاسم، وتحقيق الوحدة عبر قيادة وطنية موحدة، وتنظيم طاقات الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده، وتكريس الطاقات الفلسطينية لدعم الصمود والبقاء، واستنهاض وتوسيع حركة التضامن الدولي، إضافة إلى مواجهة التطبيع مع إسرائيل والعمل على عزلها ضمن مسار المقاطعة.
وأكد البرغوثي أن الانتخابات حق للشعب الفلسطيني، مشيراً إلى أن هذا الحق حُرم منه الفلسطينيون لنحو عشرين عاماً، ومعتبراً أن الوقت حان لتطبيقه وإعادة تفعيل العملية الديمقراطية الفلسطينية.
مخول: توسيع حدود الحوار
ومن حيفا، قال الباحث في مركز "تقدم" أمير مخول إن المرحلة الراهنة تفرض إعادة النظر في مفهوم الحوار الفلسطيني، بحيث لا يقتصر على الحوار الداخلي، ولا يبقى محصوراً في حدود الأزمة الراهنة.
وأوضح أن السياسات الإسرائيلية تستهدف الفلسطينيين بمختلف تجمعاتهم، كما تستهدف القضية والكيان والوجود الفلسطيني، الأمر الذي يستدعي، بحسب رأيه، توسيع مفهوم الحوار ليأخذ أبعاداً مدنية وسياسية تشمل مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.
وأشار مخول إلى أن التحولات السياسية في العالم والمنطقة تفرض أهمية إعادة النظر في الدور الفلسطيني، معتبرًا أن الانتخابات الفلسطينية يمكن أن تشكل عاملاً محفزاً في هذا الاتجاه.
كما تطرق إلى التحولات داخل إسرائيل، ودور القوى العربية فيها، معتبراً أن التطورات السياسية الإسرائيلية يمكن أن تكون موضوعاً للحوار والتفاعل الفلسطيني والعربي، بما يتجاوز التعامل مع كل تجمع فلسطيني بصورة منفصلة.
وأكد أهمية تطوير الحوارات وعدم الوقوف عند خصوصية كل مجموعة وشكلها التنظيمي، بما يعزز التواصل بين مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.
محيسن: الاستنهاض يبدأ من مراجعة نقدية للتجربة
وقال الكاتب السياسي تيسير محيسن إن أي عملية لاستنهاض الحالة الفلسطينية يجب أن تبدأ من "التشخيص الصحيح"، موضحاً أن شرط الاستنهاض يرتبط بإجراء مراجعة نقدية لتجربة الحركة الوطنية، وتحديد الكيفية التي أوصلت الفلسطينيين إلى الوضع الراهن.
وأشار إلى أن المشروع الإسرائيلي، وفق قراءته، لا يستهدف الأرض فحسب، وإنما يستهدف الوعي ونزع الملكية وتهيئة الظروف للتهجير.
وتطرق محيسن إلى ما وصفها بثلاث قضايا تاريخية يرى أن الحركة الصهيونية تسعى إلى إعادة معالجتها، معتبراً أن الفلسطينيين يواجهون اليوم تحدياً يستدعي الانتباه إلى جوهر الصراع وكيفية بناء مشروع وطني يحافظ على الوجود الفلسطيني على الأرض.
وقال إن المعركة الراهنة، هي "معركة وجودية"، وإن مواجهة ما وصفه بالإبادة تتطلب تطوير استراتيجية متكاملة، تقوم على ركنين أساسيين، يأتي في مقدمتهما الركن المجتمعي.
وأوضح أن ذلك يتطلب استنهاض الإرادة الشعبية وإعادة السياسة إلى المجتمع الفلسطيني، إلى جانب تعزيز الصمود المجتمعي وتحويله إلى قوة قادرة على التأثير في موازين القوة في مواقع النضال الفعلية.
وأضاف أن على الفلسطينيين أن يتعلموا "إدارة الخسارة"، بدلاً من إدارة المكاسب التي لم تتحقق، وفق تعبيره، خلال عقود طويلة.
الطاهر: الأهداف السياسية مرتبطة بتغيير موازين القوة
وقال الكاتب والمحلل السياسي معين الطاهر إن من يطرح حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، عليه أن يدرك أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تفكيك الاستيطان وإنهاء الاحتلال، وليس الاكتفاء بمفاوضات غير متكافئة تركز على قضايا فرعية وهامشية.
وأضاف أن تفكيك الاستيطان وإنهاء الاحتلال، إذا تحقق، سيمثل إنجازاً للمشروع الوطني الفلسطيني.
وفي المقابل، أشار الطاهر إلى أن من يطرح خيار الدولة الواحدة عليه أن يدرك أن تحقيق هذا الخيار يتطلب تفكيك المنظومة الصهيونية بالكامل، معتبراً أن ذلك يحتاج أيضاً إلى وجود أجزاء من المجتمع اليهودي القابلة لقبول هذا الحل.
وأوضح أن الوسائل والأدوات اللازمة لتحقيق الأهداف السياسية تبقى مرتبطة بموازين القوة وبالعمل على تغييرها، فضلاً عن بناء القدرات والحوامل الاجتماعية والشعبية القادرة على حمل البرنامج السياسي وتحويله إلى فعل مؤثر.


