الكاتب المُختص بالشؤون الإسرائيلية د. علي الأعور يقدم قراءة تحليلية عبر "وطن"
مغادرة الوفود ومقاطعة خطاب نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة.. هل توسعُ عزلة إسرائيل دولياً؟ وهل تصبح عُزلتها قضية انتخابية؟
وطن للانباء: هزة دبلوماسية جديدة شهدتها أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع مغادرة عشرات الوفود قاعة الاجتماع بالتزامن مع بدء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلقاء كلمته، في مشهد عكس حجم الاعتراض الدولي على سياسات الحكومة الإسرائيلية، فيما واصل نتنياهو خطابه أمام قاعة غلبت عليها المقاعد الفارغة.
ويرى الكاتب المختص بالشؤون الإسرائيلية د. علي الأعور أن مشهد مغادرة الوفود يؤشر إلى اتساع دائرة العزلة السياسية والدبلوماسية التي تحيط بإسرائيل ونتنياهو، معتبراً أن إسرائيل باتت تواجه تحدياً متزايداً في الحفاظ على صورتها وشرعيتها السياسية على المنابر الدولية.
ويشير الأعور إلى أن نتنياهو، رغم أهمية المشهد الدبلوماسي داخل الأمم المتحدة، لم يكن يخاطب بالضرورة الوفود الموجودة في القاعة باعتبارها جمهوره الأساسي، وإنما كان يتوجه، وفق تقديره، إلى جمهورين رئيسيين: الناخب الإسرائيلي من جهة، والرئيس الأميركي دونالد ترامب من جهة أخرى.
- نتنياهو يخاطب الناخب الإسرائيلي "لا يمكن إدارة إسرائيل دون قيادته"
وبحسب ضيفنا، فإن نتنياهو حاول من خلال خطابه تقديم نفسه للناخب الإسرائيلي باعتباره القائد القادر على مواجهة الضغوط الخارجية، وإيصال رسالة مفادها أنه لا يمكن إدارة إسرائيل في المرحلة الراهنة من دون قيادته.
إلا أن الأعور يرى أن هذا الرهان لم يحقق هدفه، معتبراً أن نتنياهو لم يقدم خلال خطابه رؤية سياسية للخروج من حالة الجمود التي تعيشها إسرائيل، أو حلاً سياسياً للصراع، بل تمسك بخطاب القوة والانتصار ومواجهة الخصوم.
ويضيف أن نتنياهو، يتعامل مع الحلول السياسية والسلمية باعتبارها أكثر كلفة وخطورة على مستقبله السياسي من استمرار المواجهات العسكرية متعددة الجبهات.
وفي هذا السياق، يلفت الأعور إلى أن الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، ستكون محطة مهمة في تحديد اتجاهات المجتمع الإسرائيلي ومستقبل نتنياهو السياسي.
- هل تصبح العزلة الدولية لإسرائيل قضية انتخابية؟
ويعتبر الأعور أن السؤال الذي سيواجه المجتمع الإسرائيلي لا يتعلق فقط بالقدرة العسكرية والأمنية، وإنما أيضاً بكيفية استعادة صورة إسرائيل على الساحة الدولية، معتبراً أن استمرار الضغوط والعزلة الدبلوماسية قد يتحول إلى عامل مؤثر في النقاش الانتخابي الداخلي.
ويأتي ذلك في ظل تحركات وتحالفات انتخابية بين قوى معارضة لنتنياهو، إذ عقدت قوى سياسية إسرائيلية ترتيبات انتخابية استعداداً لانتخابات أكتوبر، من بينها تحالفات بين أحزاب يقودها نفتالي بينيت ويائير لابيد وأفيغدور ليبرمان وقوى معارضة أخرى.
ويرى الأعور أن استعادة صورة إسرائيل دولياً، ترتبط في نظر قطاعات من المعارضة الإسرائيلية بإحداث تغيير في القيادة السياسية، وصولاً إلى إنهاء عهد حكومة نتنياهو وائتلافها الحالي.
- نتنياهو وترامب.. جمهورٌ آخر للخطاب
ولا يتوقف تحليل الأعور عند الداخل الإسرائيلي، إذ يرى أن نتنياهو كان يخاطب في خطابه جمهوراً آخر يتمثل في الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترامب، مشيراً إلى أن العلاقة بين نتنياهو وترامب، رغم التحالف الوثيق بين الطرفين، شهدت خلال الفترة الماضية خلافات بشأن عدد من الملفات، بينها غزة ولبنان وإيران.
وتؤكد تقارير أميركية وجود خلافات معلنة بين الجانبين حول مسار الحرب في غزة، وكذلك بشأن لبنان وإيران، بما في ذلك اختلافات حول كيفية التعامل مع المسار التفاوضي مع طهران.
وبحسب الأعور، فإن نتنياهو حاول في خطابه تقديم نفسه أمام ترامب باعتباره قائداً قادراً على مواجهة خصوم إسرائيل، لكنه يرى في المقابل أن البيت الأبيض بات يواجه حسابات مختلفة، وأن التباين بين الطرفين أصبح أكثر وضوحاً في عدد من الملفات الإقليمية.
- إيران.. نقطة خلاف أمريكية - إسرائيلية إضافية
ويربط الأعور جانباً من هذه الخلافات بالملف الإيراني، مشيراً إلى أن نتنياهو، وفق تقديره، لا يريد المسار التفاوضي مع طهران، وأن استمرار التصعيد قد يعرقل أي تفاهمات أميركية ـ إيرانية.
ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه التقارير أن ملف إيران يشكل أحد الملفات الرئيسية على أجندة إدارة ترامب، بالتوازي مع استمرار الخلافات بشأن الحرب في المنطقة.
- مقاطعة الخطاب.. ماذا تعني لإسرائيل؟
ويضع الأعور مشهد الجمعية العامة في سياق أوسع من مجرد مقاطعة خطاب، معتبراً أن خروج الوفود يعكس، اتساع دائرة الاعتراض الدولي على إسرائيل وسياساتها.
وقد وثقت تقارير دولية خروج عشرات المبعوثين من القاعة مع بدء نتنياهو خطابه، فيما بقيت غالبية المقاعد فارغة خلال كلمته، ورد نتنياهو على المغادرين بوصفهم بـ"الجبناء الأخلاقيين"، قبل أن يواصل خطابه الدفاعي عن سياسات إسرائيل.
ويضيف الأعور أن نتنياهو غادر نيويورك بعد فترة قصيرة، في ظل مظاهرات واحتجاجات رافقت زيارته، معتبراً أن هذه المشاهد مجتمعة تعكس حجم الضغوط التي باتت تحيط بالحكومة الإسرائيلية على المستوى الدولي.
وبينما لا يعني مشهد المقاطعة بحد ذاته تحولاً فورياً في العلاقات الدولية مع إسرائيل، فإنه يندرج، وفق هذه القراءة، ضمن سلسلة من المؤشرات التي تضع حكومة نتنياهو أمام تحدي الحفاظ على علاقاتها الدولية وصورتها السياسية.
ويخلص الأعور إلى أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد تكون محطة حاسمة في تحديد اتجاه السياسة الإسرائيلية، وفي الإجابة عن سؤال أساسي: هل يستمر نتنياهو في قيادة إسرائيل وسط اتساع الضغوط الدولية، أم يختار الناخب الإسرائيلي مساراً سياسياً جديداً؟


