د. عقل أبو قرع يكتب لوطن: لماذا نظام المتابعة والتقييم ضروري لتحقيق واستدامة نتائج المشاريع؟

31.10.2026 11:04 AM

من واقعنا العملي، هناك الكثير من المشاريع أو حتى من  البرامج التي ينتهي اثرها أو تتداعى نتائجها مع الانتهاء منها، حيث ينتهي المشروع وكأنه لم يكن، اي يتبخر مع تبخر اخر مبلغ من الموازنة المرصودة له، وبالتالي يكون ذلك خسارة بفقدان صفة الاستدامة، ومع كثرة المنظمات والهيئات والدول المانحة، وتنوع المشاريع، سواء للتنمية او للتوعية او للتدخلات الانسانية او لغير ذلك، يكون الاستثمار في هذه المشاريع، وما يتطلب من ورشات عمل وبناء قدرات ومؤتمرات وخبراء ومستشارين دوليين وتزويد مواد، يكون خسارة كبيرة، لان هذه الاموال يتم تسجيلها تحت بند مساعدة او دعم او تنمية الانسان او المجتمع الفلسطيني.
وهذا الواقع يتطلب وجود ادوات واستراتيجيات للمتابعة والمساءلة والتعلم والتقييم تركز على تحقيق النتائج بشكل مستدام، سواء على مستوى المستفيدين او على مستوى الجهة المنفذة او حتى على المستوى الوطني، وسواء اكان ذلك في الخطط الاستراتيجية، او في برامج تطويرية، او من خلال حملات التدخل والمساعدات الانسانية والإغاثة الطارئة، او حتى في حملات الدعم والمناصرة والضغط وحشد التأييد، بحيث تصبح عملية المتابعة والتقييم والمساءلة والتعلم، وما يمكن ان يترتب عليهما، من تأكيد او غير تأكيد للنتائج والإنجازات ومدى استدامتها، تصبح هذه العملية جزءا اساسيا في اية خطة استراتيجية، او برنامج، او مشروع او حتى في اطار حملات الدعم والمناصرة والتوعية وحشد الناس.
ولهذه الاسباب ولأسباب اخرى، باتت العديد من الجهات المانحة او الداعمة او الراعية يشترط على المنظمات المنفذة للمشاريع، سواء اكانت محلية او دولية او اممية اي تتبع للأمم المتحدة، وهي كثيرة في بلادنا، بأن تعمل على تصميم برنامج للمتابعة والمساءلة والتعلم والتقييم منذ البداية، وبأن يكون هناك اهداف ووسائل او مؤشرات لقياس مدى تحقيق هذه الأهداف بشكل متواصل اخذا هدف الاستدامة  بذلك، وبأن يكون هناك طاقم لذلك، وبأن يكون هناك تقارير دورية، كمية ونوعية، من اجل قياس الانجازات ومقارنتها مع الاهداف خلال فترة زمنية محددة.
ومتابعة سير تقدم المشروع، تعني متابعة ما يتم إنجازه على ارض الواقع في اتجاه تحقيق النتائج المتفق عليها، أي مقارنة مع ما من المفترض تحقيقه خلال مدة زمنية محددة، وبالتالي تحديد إذا كان هناك عقبات او مشاكل وما سبل حلها، واعلام ادارة الجهات المنفذة والمانحة بذلك، وبناء عليه يتم نقاش امكانية تغيير اسلوب او اتجاهات العمل أو نوعية وكمية ما من المفترض تحقيقه، او اعادة دراسة أفضل وسائل لاستخدام المصادر، ولبعض الجهات المانحة، في العادة تكون تقارير عمليات المتابعة ومدى نجاعتها، شرط من اجل الالتزام بتوفير او صرف أجزاء الموازنة المرصودة أو المصادر المادية وغيرها للفترة التالية.
وللتأكد ان هناك عمل يتم تحقيقه على شكل نتائج او إنجازات، فأن ذلك يتطلب التواجد في موقع النشاط للجهات المنفذة، سواء اكان ذلك ورشة عمل او تدريب، والتأكد من وجود ادوات ومواد التدريب، والمدربين، والحضور عددهم ونوعيتهم ومدى علاقتهم بالتدخلات، وكذلك ما يتم صرفة من مواصلات وطعام وقرطاسية وما الى ذلك، والمتابعة تتطلب كذلك الذهاب الى الحقل او الى موقع العمل، وملاحظة ما يتم تطبيقه من خلال المشروع، والاهم هو ملاحظة جودة المعلومات من حيث دقتها، وتوقيتها، وما ينقصها، والمتابعة تعني التواصل مع الجهات المنفذة من خلال تبيان الخلل او النواقص ومقترحات التطوير او التصحيح، والمتابعة تعني كذلك وضع ما يتم متابعته والحصول علية في شكل تقرير دوري يقدم للجهات المانحة او الراعية للمشروع، والمتابعة تعني استخدام ما يتم جمعه في اطار للتعلم وإعادة توجيه المصادر او تغيير قرارات او توجهات.
وتقييم المشروع، هو عملية اعمق واشمل واكثر تحليلا، تهدف الى تحديد اذا ما كان هناك اثر او اثار لما تم إنجازه او ما يتم القيام به، وبالأخص في المدى المتوسط والبعيد، والتقييم للمشروع يتم في العادة في منتصف المشروع او بعد الانتهاء منه، ومثلا اذا كانت مدة المشروع خمس سنوات، من المفترض ان يكون هناك تقييم بعد 3 سنوات ومن ثم بعد انتهاء خمس سنوات، وفي العادة يتم التقييم من خلال مقابلات مع افراد او جماعات او من خلال استمارات او زيارات للموقع، وبالطبع من خلال مراجعة التقارير الدورية والبيانات والمعلومات التي تراكمت خلال مدة المشروع، وفي العادة يتم التركيز من خلال التقييم على عناصر اساسية من اجل الاعلان عن نجاح او عن درجة نجاح المشروع، مثل الاستدامة، أي هل لنتائج المشروع  المنجز ان يتواصل اثرها وبدون الحاجة الى تدخل او دعم خارجي اضافي متواصل، والاستدامة تعني ان يتواصل الاثر بالاعتماد على المصادر التي يتم جنايتها نتيجة المشروع.
ومن مؤشرات تقييم نجاح المشروع، هو مدى الفعالية في تحقيق الاهداف، اي اذا ما تم تحقيق الاهداف المعلن عنها في بداية المشروع، وهناك مشاريع تنتهي بأعمال في واد واهداف المشروع في واد اخر، وهذا يعني ومهما كان ما يتم إنجازه، التبذير والتشتت والحياد عن الاهداف الحقيقية، ومنها معادلة التكاليف والانجازات، أي مدى مؤامة ما تم صرفه أو استهلاكه مع ما تم تحقيقه،  وهل يمكن نجاز الاهداف المعلنة، اذا نفذت من قبل جهات مختلفة او بوسائل او ادارات مختلفة، من خلال صرف  او انفاق مبالغ متفاوتة من الميزانية، وهنا يأتي دور التقييم في تبيان مدى الفعالية في تحقيق الانجازات وبالجودة والنوعية المطلوبتان، ولكن بأقل التكاليف.
ومن اساسيات تطبيق نظام فعال للمتابعة والتقييم هو ادخال مبدأ التعلم والاستفادة من التعلم في تحديد مسار العمل، وكذلك الالتزام باطار المساءلة من حيث تنفيذ العمل بشفافية، وبالتشارك مع كافة الأطراف، ومن خلال بناء نظام للتغذية الراجعة يعتمد على استقبال الشكاوى والآراء والرد عليها واتخاذ الإجراءات اللازمة بناء عليها، بحيث يحفز كافة الأطراف وبالأخص المستفيدين على الانخراط بإيجابية في العمل وفي تحقيق نتائج المشروع.
ومع استمرار تنفيذ المشاريع والبرامج وبأنواعها المختلفة في بلادنا، سواء التي بدأت او التي سوف تبدأ، والتي في احيان يكون بعضها مكررا من نفس الجهة لجهات متعددة، او يتم تنفيذه من جهات عدة وتحت اسماء مختلفة ومن خلال جهات مانحة مختلفة، فإن بناء وتطبيق نظام المتابعة والتعلم والمساءلة والتقييم، بما تشمله من توثيق للنتائج، من المفترض ان يكون عنصرا حيويا من عملية تنفيذ المشروع بنجاح وتحقيق نتائج مستدامة، سواء اكان هذا المشروع  يتم تنفيذه من قبل المنظمات والمؤسسات الاهلية او من قبل جمعيات المجتمع المدني، او من قبل القطاع العام، اي الحكومة وما يتبعها من هيئات مختلفة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير