19 مقعداً فلسطينياً.. حين يصبح التصويت تهمة والشراكة محرّمة

30.10.2026 09:46 PM

 

كتب  د. حسام عرفات: 

لم تكن الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة مجرد منافسة على مقاعد الكنيست أو محاولة لتغيير الحكومة، بل كشفت عن مفارقة سياسية عميقة تعرّي حقيقة النظام الإسرائيلي، وتضع ادعاءاته بالديمقراطية والمساواة أمام واقع مختلف تماماً. فحصول الأحزاب والقوائم السياسية الفلسطينية في الداخل على 19 مقعداً لم يجعلها رقماً صعباً في معادلة الحكم فحسب، بل كشف أيضاً حجم التناقض في تعامل المؤسسة السياسية الإسرائيلية مع الفلسطينيين وحقهم في المشاركة والتأثير.

ففي الوقت الذي باتت فيه المعارضة الإسرائيلية بحاجة إلى الدعم الفلسطيني لتأمين الأغلبية وتغيير الحكومة، يرفض عدد من قادتها الاعتراف بالأحزاب الفلسطينية شريكاً سياسياً، فيما يذهب اليمين أبعد من ذلك، بالتعامل مع المشاركة الفلسطينية باعتبارها تهديداً سياسياً وأمنياً. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ رافقت النتائج اتهامات من الليكود بالتلاعب والتدخل الخارجي في التصويت، في محاولة أثارت تساؤلات جدية حول مدى احترام إرادة الناخب الفلسطيني وشرعية مشاركته، رغم أن لجنة الانتخابات أكدت عدم وجود أساس لادعاءات الانتهاكات الممنهجة.

والأكثر دلالة أن هذه العقلية الإقصائية لا تقتصر على اليمين الإسرائيلي؛ فحتى قطاعات من المعارضة التي ترفع شعارات التغيير والدفاع عن الديمقراطية، لا تزال تضع حدوداً واضحة أمام الشراكة مع الأحزاب الفلسطينية، وكأن حق الفلسطينيين في التصويت لا يمنحهم الحق في التأثير في السلطة. وهنا تتكشف حقيقة النظام السياسي الإسرائيلي: خلافات حزبية عميقة حول شكل الحكم ومستقبله، تقابلها مساحة واسعة من التوافق عندما يتعلق الأمر بإقصاء الفلسطينيين عن الشراكة السياسية.

إن المشكلة لا تكمن في عدد المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب الفلسطينية، بل في أن هذه المقاعد، كلما تحولت إلى قوة سياسية مؤثرة، اصطدمت بجدار من الرفض والتمييز. فالنظام الذي يتباهى أمام العالم بالديمقراطية والتعددية، يكشف من خلال مواقفه أن هذه المبادئ تتوقف عند حدود الاعتراف بالفلسطينيين شركاء متساوين في الحقوق والتأثير.

أما الدلالة الفلسطينية الأهم لهذه الانتخابات، فهي أن المجتمع الفلسطيني في الداخل أثبت قدرته على تحويل حضوره الديمغرافي والسياسي إلى قوة انتخابية مؤثرة، وأن محاولات تهميشه لم تلغِ قدرته على فرض نفسه في معادلة الحكم. لكن التحدي الحقيقي يبقى في قدرة هذه القوى على حماية استقلال قرارها السياسي، وتحويل هذا الإنجاز الانتخابي إلى مكاسب فعلية لحقوق مجتمعها وهويته الوطنية.

لقد حصلت الأحزاب الفلسطينية على 19 مقعداً، لكن ردود الفعل الإسرائيلية كشفت أن المشكلة ليست في وصول الفلسطينيين إلى صناديق الاقتراع، بل في وصول إرادتهم إلى مراكز القرار. وتلك هي المفارقة التي تفضح زيف الديمقراطية الإسرائيلية المعلنة، وتكشف الوجه الحقيقي لنظام يقوم على التمييز والإقصاء حين يتعلق الأمر بالفلسطينيين.

" د. حسام عرفات: محامٍ وباحث في الشأنين القانوني والسياسي"

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير