د. محمد جبريني يكتب لوطن: مروان البرغوثي كما عرفته… شهادة أخوّة ونداء للحرية

حين أدعو إلى إطلاق سراح أخي ورفيق دربي مروان البرغوثي «أبي القسام»، أتحدث عن رجل عرفته عن قرب، وجمعتني به سنوات من العمل الوطني والطلابي، وأيام من المطاردة والخطر، وتفاصيل إنسانية لا تغيب عن الذاكرة. وأتحدث عن قائد فلسطيني أمضى سنوات طويلة من عمره في الأسر والإبعاد، ومن حقه أن يتحرر، وأن يعود إلى عائلته وشعبه، ويواصل إسهامه في مسيرة الحرية والاستقلال.
تعرّفت إلى مروان عام 1984، من خلال ابن عمه، أخينا المرحوم رائد البرغوثي «أبو شرار»، أحد الفدائيين والقيادات الطلابية الفتحاوية، الذي جمعتني به الدراسة والعمل النضالي في معهد البوليتكنك في الخليل. وفي عام 1985، انتقلت للدراسة في جامعة بيرزيت، فتوطدت علاقتي بمروان وأصبحنا شديدَي القرب. كنت في التاسعة عشرة من عمري، وكان يكبرني سناً وتجربة، وقد أخّرت سنوات أسره السابقة مسيرته الجامعية. ومن العمل المشترك نشأت بيننا أخوّة عمّقتها المواقف واختبرتها الأيام.
وفي عام 1986، رشّحتني قيادة حركة الشبيبة الطلابية في الجامعة، برئاسة الأخ سمير صبيحات وبدعم من مروان، لعضوية مجلس الطلبة. خضنا الانتخابات ضمن كتلة «شهداء مغدوشة»، التي ضمّت تحالفاً من حركة فتح والجبهة الديمقراطية والحزب الشيوعي، في مواجهة الكتلة الإسلامية وكتلة الجبهة الشعبية. وبعد فوز التحالف بأغلبية الأصوات، تولّى مروان رئاسة المجلس، وأُسندت إليّ سكرتاريا اللجنة الثقافية ونيابة رئيس المجلس.
في تلك التجربة، عرفته قريباً من الطلبة، قادراً على الإصغاء والحوار وبناء التحالفات، وحريصاً على تحمل المسؤولية. كان حضوره يتعزز بالمبادرة والعمل والثقة التي يبنيها مع الآخرين.
خلال فترة الانتخابات، أصبح مروان مطلوباً لقوات الاحتلال، وتكررت محاولات اعتقاله من دون أن تنجح. كنت ملازماً له، نتنقّل على مدار أشهر بين مساكن الطلبة التي نعتقد أنها آمنة، ونغيّر أماكن مبيتنا فيما نواصل نشاطنا الطلابي والوطني. عشنا قلق المطاردة وثقل المسؤولية، وعرفنا قيمة الأخوّة حين يصبح الاطمئنان على أخٍ جزءاً من تفاصيل يومنا.
ومن أكثر ما بقي حيّاً في ذاكرتي تسلّلنا إلى بيته في قرية كوبر، لنأكل من الطعام الذي كانت تعدّه لنا والدته، رحمها الله، على الطابون، وليلتقي زوجته فدوى ويطمئن على طفله قسام. كانت لحظات قصيرة تمنحنا دفء البيت وسط حياة مضطربة. هناك كنت أرى مروان الابن والزوج والأب، ولهفته إلى عائلته، قبل أن يعود إلى إخوته وعمله. وحين أستعيد تلك اللحظات، أفكر في حقه اليوم في العودة إلى فدوى وأبنائه وأحفاده، وتعويض شيء من سنوات الغياب.
عرفت مروان إنساناً اجتماعياً ذكياً، شجاعاً وشهماً، متحمساً ومثابراً. كانت عيناه تلمعان كلما سمع فكرة خلاقة، ويبدأ فوراً بالتفكير في كيفية تحويلها إلى عمل. وكان واسع الأفق، بارعاً في السياسة، طلق الحديث، وخطيباً مفوّهاً يعرف كيف يصل إلى الناس. رأيت فيه قائداً طلابياً وشعبياً بأخلاق الفدائي؛ يتقدم ويتحمل المسؤولية ويحرص على إخوته.
ولم يكن نشاطنا محصوراً في الجامعة. كنا نجوب مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة، ونتواصل مع أطر الشبيبة الطلابية في المدارس الثانوية والمعاهد والجامعات، ولجان الشبيبة للعمل الاجتماعي، ومختلف القوى الوطنية. كنا نعمل على توسيع المشاركة الشعبية ومقاومة الاحتلال ومواجهة ما عُرف آنذاك بسياسة «القبضة الحديدية»، ونحرص على حماية الشرعية الوطنية وتعزيز الالتفاف الشعبي حول منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وصون استقلال القرار الوطني الفلسطيني.
وفي تلك المسيرة، جمعتنا أخوّة النضال والعمل بمئات القادة والكوادر في الجامعات ولجان العمل الاجتماعي التطوعي والأطر النقابية والنسوية في مختلف أنحاء الوطن. عملنا معاً لإعلاء الشأن الوطني وخدمة شعبنا، بعيداً عن أي مصالح شخصية، تحكمنا قيم وطنية وإنسانية خالصة، وتجمعنا الثقة وروح التطوع والاستعداد للتضحية. وأعتذر هنا عن عدم سرد الأسماء وهي كثيرة جداً، خشية أن يغيب عن الذاكرة اسم أخ أو أخت؛ فلهم جميعاً مكانتهم في القلب وفضلهم في تلك التجربة، ولكل منهم دور وأثر يستحقان الوفاء والتقدير.
ومع آلاف الكوادر الفتحاوية والمناضلين في الأطر الوطنية، أسهمنا في الجهد الشعبي والتنظيمي الذي مهّد للانتفاضة الأولى. تعلّمنا أن قوة الحركة الوطنية تتجدد باتصالها بالناس، وأن العمل التطوعي والمبادرات اليومية تبني قدرة شعبية على الصمود والمواجهة.
استمرت تلك الصحبة حتى اعتُقل مروان وأُبعد عن الوطن قبل منتصف عام 1987، ثم اعتُقلت في حزيران من العام نفسه. فرّقت بيننا السجون والمنافي، وبقيت الأخوّة وما جمعنا من تجربة راسخاً في الوجدان.
وبعد عودته من الإبعاد عام 1994 إثر توقيع اتفاق أوسلو، وتحرّري من الاعتقال ضمن ترتيبات الاتفاق، جاء برفقة الأخ سمير صبيحات لزيارتي في أريحا، حيث فُرضت على عدد من المحررين، وكنت من بينهم، الإقامة الجبرية. كان لقاءً عزيزاً بعد سنوات من الغياب، استعدنا فيه أيام الجامعة والمطاردة ووجوه الإخوة والأخوات، وما حملناه معاً من آمال.
بعد ذلك، تنوّعت مسارات عملنا؛ تفرّغ مروان للعمل التنظيمي والسياسي، وانتُخب عضواً في أول مجلس تشريعي فلسطيني، وتفرّغت أنا للعمل في المؤسسة الأمنية الفلسطينية. ورغم اختلاف المسؤوليات، استمر حبل الود والتواصل بيننا حتى اعتقاله مجدداً عام 2002، خلال انتفاضة الأقصى.
وتواصل عطاؤه الوطني من داخل الأسر، بإسهامه في الجهد الوحدوي ووثيقة الأسرى، والدفاع عن حقوق المعتقلين. وهكذا جمعت مسيرته تجارب العمل الطلابي والشعبي والتنظيمي والبرلماني، والمطاردة والإبعاد والأسر، وظل حاضراً في وجدان أبناء شعبه.
إن مروان، بما يمتلكه من خصائص إنسانية وقدرات قيادية، وما راكمه من تكوين علمي ومعرفة سياسية وتجربة نضالية وحضور شعبي، يشكّل ذخراً وطنياً للشعب الفلسطيني، يحتاج إلى عطائه وإسهامه في توحيد صفوفه وبناء مؤسساته ومواصلة نضاله من أجل الحرية والاستقلال. ومن معرفتي به، أرى في تحرره استعادةً لحق إنسان في حياته، وعودةً لطاقة وطنية إلى ميدان العمل بين أبناء شعبه.
إن أي استهداف لمروان من جانب الاحتلال ومتطرفيه، أو مساس بحياته وصحته وسلامته، ينذر بتداعيات خطيرة تتجاوز شخصه، لما يمثله من مكانة وطنية وشعبية. وتتحمل سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن سلامته وأي أذى يلحق به، الأمر الذي يستدعي تحركاً فلسطينياً وعربياً ودولياً عاجلاً لحمايته وصون حقوقه.
وإطلاق سراح مروان، ضمن النضال من أجل حرية جميع أسرانا، يستدعي عملاً متواصلاً يضع هذه القضية في صدارة الجهد السياسي والحقوقي. ومن حقه أن يأخذ مكانه ومكانته التي تليق به بين أبناء شعبه، وأن يشارك في الحوار والعمل وتحمل المسؤولية، وفق إرادتهم الحرة.
هذه شهادة أخٍ جمعته بمروان سنوات النضال وتفاصيل الحياة؛ عرف دفء إنسانيته وشجاعته وشهامته، ويشتاق إلى لقائه حراً، وإلى ذلك البريق في عينيه كلما وُلدت فكرة تستحق العمل.
الحرية لمروان البرغوثي، ولجميع أسرانا؛ ليعودوا إلى عائلاتهم وشعبهم، ويواصلوا إسهامهم في صنع مستقبل الحرية والاستقلال.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


