العلم الفلسطيني بين قدسية الرمز وفخاخ السياسة

21.10.2026 08:35 AM

كتب إسماعيل جمعة الريماوي: لم يعد العلم الفلسطيني في شوارع العواصم الغربية مجرد راية يرفعها المتظاهرون، بل أصبح رمزاً لقضية شعب يناضل من أجل حريته وكرامته وحقه في تقرير مصيره. فمن برلين إلى باريس وستوكهولم، ومن لندن إلى عواصم أوروبية أخرى، بات رفع العلم الفلسطيني تعبيراً عن التضامن مع شعب يواجه الحرب والاحتلال، واحتجاجاً على سياسات تحصد أرواح المدنيين وتدمر البيوت وتترك وراءها جراحاً لا تمحوها السنوات.

لكن هذا الرمز الوطني يجد نفسه أحياناً في قلب جدل تثيره أعمال التخريب أو المواجهات العنيفة التي تقع خلال بعض التظاهرات المؤيدة لفلسطين او المظاهرات الطلابية او المطلبية في بعض العواصم الغربية ، وهنا يبرز السؤال: هل تخدم هذه الممارسات القضية الفلسطينية، أم تمنح خصومها فرصة لتشويه صورتها وتحويل الأنظار عن جوهر المأساة؟

لا شك أن تخريب الممتلكات العامة والخاصة، أو الاعتداء على الآخرين، أو الانخراط في مواجهات عنيفة، ممارسات لا تخدم القضية الفلسطينية، بل تمنح خصومها مادة جاهزة لاستغلالها سياسياً وإعلامياً، ففي زمن أصبحت فيه الصورة أسرع انتشاراً من الحقيقة، قد تتحول مشاهد محدودة من الفوضى إلى العنوان الرئيسي، بينما تتراجع صور الأطفال تحت الأنقاض، والعائلات التي فقدت منازلها، ومعاناة المدنيين الذين يدفعون ثمن الحرب.

كيف تستغل إسرائيل واليمين الأوروبي أخطاء المتظاهرين لتشويه التضامن مع فلسطين؟

وهنا يجد نتنياهو والحكومة الإسرائيلية والجهات المناهضة للتضامن مع فلسطين فرصة لنقل النقاش من الاحتلال وحقوق الفلسطينيين إلى سلوك المتظاهرين، وتقديم الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين باعتبارها مشكلة أمنية، بدلاً من النظر إليها بوصفها تعبيراً سياسياً وإنسانياً عن رفض الحرب والمطالبة بالعدالة.

وقد تستثمر بعض أحزاب اليمين الأوروبي المتطرف هذه المشاهد لتغذية خطابها المتشدد بشأن الهجرة والأمن والتظاهرات، أو للدفع نحو قيود أوسع على الاحتجاجات، وبدلاً من مناقشة الأسباب التي دفعت آلاف الأشخاص إلى النزول إلى الشوارع، يصبح التركيز على حوادث محدودة وسيلة لتهميش المطالب الأساسية وإضعاف حركة التضامن.

لكن الإنصاف يقتضي التأكيد أن استغلال هذه الأحداث سياسياً لا يعني أن كل انتقاد للتخريب يستهدف فلسطين، ولا أن كل الأحزاب الأوروبية تتبنى الموقف نفسه، فرفض العنف موقف مشروع، والمحاسبة على التخريب ينبغي أن تتم وفق القانون، بعيداً عن الانتقائية والتعميم، كما أن إثبات الاستغلال السياسي يتطلب النظر في التصريحات والمواقف والإجراءات الفعلية، لا الاكتفاء بالافتراضات.

وفي المقابل، لا يجوز تحميل العلم الفلسطيني أو حركة التضامن بأكملها مسؤولية تصرفات أفراد أو مجموعات محدودة، فليس كل من يرفع العلم مسؤولاً عن أعمال التخريب، وليس كل متظاهر مؤيد لفلسطين طرفاً في مواجهة عنيفة، وقد تكون لبعض هذه التصرفات دوافع محلية واجتماعية لا ترتبط مباشرة بالقضية الفلسطينية.

إن المسؤولية فردية، ولا يجوز أن يتحول خطأ شخص إلى إدانة شعب بأكمله، أو أن يصبح سلوك مجموعة محدودة ذريعة للتشكيك في كل من يطالب بحقوق الفلسطينيين، فالعلم الفلسطيني لا يصبح رمزاً للفوضى لأن شخصاً أساء التصرف وهو يحمله، كما أن حق الاحتجاج السلمي لا يسقط بسبب أخطاء ارتكبها آخرون.

وتبرز هنا مسألة ازدواجية المعايير في التعامل مع حرية التعبير، فإذا كانت الدول الأوروبية تتمسك بحرية التظاهر والتعبير، فإن هذه المبادئ ينبغي أن تُطبّق على الجميع، بصرف النظر عن القضية التي يدافعون عنها، ومن حق المواطنين الأوروبيين انتقاد سياسات حكوماتهم، والمطالبة بوقف الحرب، والدعوة إلى احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، ما داموا يلتزمون بالقانون ويحترمون حقوق الآخرين.

كما يجب التمييز بوضوح بين انتقاد الحكومة الإسرائيلية وسياساتها، وبين معاداة اليهود ككل أو التحريض عليهم، فالخلط بين هذه المفاهيم يضر بالنقاش العام، مثلما أن التساهل مع معاداة اليهود أو تبرير الاعتداء على أي جماعة يتناقض مع المبادئ الإنسانية التي يفترض أن تقوم عليها حركة التضامن.

إن المعركة الحقيقية ليست بين العلم الفلسطيني والنظام العام، ولا بين التضامن مع فلسطين واحترام القانون؛ فهذه الأمور لا تتعارض، المعركة هي من أجل إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في ضمير العالم، ومنع الأخطاء الفردية من حجب الحقائق الكبرى، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة وتقرير المصير.

فلسطين لا تحتاج إلى التخريب كي يسمع العالم صوتها، ولا إلى العنف كي تثبت عدالة قضيتها، إنها تحتاج إلى تضامن واعٍ، وتظاهرات سلمية قادرة على مخاطبة ضمير المجتمعات الغربية، وخطاب يستند إلى الحقائق ويفضح الانتهاكات من دون أن يمنح خصومه فرصة لتشويه رسالته.

وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول إدانة التخريب إلى ستار يحجب النقاش حول الاحتلال، أو إلى مبرر لتقييد التضامن السلمي مع الفلسطينيين، فكما يجب رفض العنف أياً كان مرتكبه، يجب أيضاً رفض العنصرية والتمييز في تطبيق القانون، واحترام حق الناس في الاحتجاج والتعبير.

إن العلم الفلسطيني أكبر من تصرف فرد، وأعمق من مشهد عابر، وأقوى من محاولات التشويه، فهو ليس راية للفوضى، بل حكاية شعب يريد أن يعيش حراً على أرضه، وحين يرتفع هذا العلم في شوارع أوروبا، ينبغي أن تكون رسالته واضحة: لا نريد الفوضى، بل العدالة؛ لا نطلب الشفقة، بل الحقوق؛ ولا نبحث عن كراهية أحد، بل عن عالم لا تُقاس فيه قيمة الإنسان بهويته، ولا تُترك فيه حرية شعب رهينة لمزايدات لمصالح السياسة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير