صحفيون وناشطون وباحثة قانونية يتحدثون عن نصوص فضفاضة وصلاحيات تفتيش وحجب بلا ضمانات قضائية كافية، فيما تقول وزارة العدل إنها تعمل على تعديل القانون

قانون الجرائم الإلكترونية: حين يتحول تنظيم الفضاء الرقمي إلى أداة لتقييد النشطاء والصحفيين

21.10.2026 12:46 PM

كتبت مجد حثناوي: لم يعد الفضاء الرقمي في فلسطين مساحة للتواصل الشخصي فحسب، فهو اليوم منبر لنشر الأخبار وتوثيق الانتهاكات ومناقشة السياسات العامة وتنظيم الحملات المدنية ومساءلة المسؤولين. وفي ظل صعوبة الوصول إلى المعلومات والقيود المفروضة على العمل العام، تكتسب هذه المساحة أهمية مضاعفة للصحفيين والنشطاء. غير أن تطبيق القرار بقانون رقم (10) لسنة 2018 بشأن الجرائم الإلكترونية يثير أسئلة متزايدة حول حدود التجريم، وضمانات التحقيق، وحماية الخصوصية، ومصير حرية الرأي والتعبير.

ويقول صحفيون وناشطون وباحثون قانونيون تحدثوا إن المشكلة لا تكمن في وجود قانون يواجه الابتزاز والاختراق والاحتيال، بل في نصوص واسعة الصياغة وصلاحيات تفتيش وضبط وحجب قد تحوّل النقد والتعبير السلمي إلى مدخل للاستدعاء والتحقيق والملاحقة.

عبارات قابلة لكل التأويلات

تنتقد جهات حقوقية وائتلافات مدنية ورود مصطلحات مثل «النظام العام» و«السلم الأهلي» و«الأمن القومي» و«الآداب العامة» دون تعريفات دقيقة وحدود قابلة للقياس، ووفق هذه الجهات، تسمح هذه العبارات بتأويلات متباينة من جهة إلى أخرى، وتجعل من الصعب على المواطن أن يعرف أين ينتهي النقد المسموح وأين تبدأ الجريمة.

وفي حالة الصحفي أو الناشط، قد ينقل هذا الغموض النقاش من مضمون المنشور وأهميته العامة إلى تقييم سياسي أو أمني فضفاض، فيصبح الحديث عن قضية فساد أو انتقاد أداء مسؤول موضع مساءلة، حتى عندما لا يتضمن المنشور تهديدًا أو تحريضًا مباشرًا على العنف.

ويؤكد النص القانوني نفسه، بحسب التغطية المنشورة لنقاشات ائتلاف «أمان»، حرية الرأي والتعبير، لكن نصوصًا أخرى فيه قد تقيّد هذا الحق أو تجرّم أفعالًا مرتبطة بالنشر الرقمي، ويلفت المنتقدون كذلك إلى أن استخدام الوسيلة الإلكترونية قد يصبح سببًا لتشديد المعاملة القانونية على فعل كان سيُعامل بصورة مختلفة لو وقع خارج الإنترنت.

"مسلّط على رقابنا" شهادات من الميدان

يقول الناشط الحقوقي ومنسق حركة «شباب ضد الاستيطان» عيسى عمرو، الذي اتُّهم بموجب القانون بالإخلال بـ«النظام العام» بسبب منشورات على «فيسبوك» تنتقد السلطة الفلسطينية، إضافة إلى تهم «إثارة النعرات» و«إهانة السلطات العليا»، إن السلطة وأجهزتها الأمنية تستخدم القانون لحماية الفاسدين والمتنفذين، وإن في تطبيقه انتقائية جعلت النشطاء والصحفيين يشعرون بأنه "مسلّط على رقابهم".

ويرى عمرو أن ذلك قلّص حرية العمل والانتقاد وأسكت كثيرين عن الحديث عمّا يجري حولهم، ووصف القانون بأنه «سيئ وفضفاض وعام، ويمكن استخدامه ضد أي تصريح يكتبه أو يقوله أو يمارسه أي شخص»، معتبرًا أنه وُضع «لمعاقبة حرية الرأي والتعبير ومنعها".

وأضاف أن مجموعات كبيرة على «واتساب» و«تيليغرام» و«فيسبوك» تشهّر بالنشطاء، وأنه عانى شخصيًا من التشهير و«قتل الشخصية» وتقدم بشكاوى إلى الأجهزة الأمنية ضد من قاموا بذلك، لكن قانون الجرائم الإلكترونية لم يُطبّق عليهم، ولا القانون العادي كذلك، وطالب بنصوص واضحة تحترم حرية الرأي وتعترف بالنشطاء مدافعين عن حقوق الإنسان وتوفر لهم الحماية.

من سائل إلى متهم

أما الصحفي عقيل عواودة فيروي أن أصل قضيته، من واقع تجربته الشخصية، كان مرتبطًا بما ينشره ويقوله على مواقع التواصل الاجتماعي، لا بواقعة جنائية منفصلة، وبينما دار التحقيق حول منشورات ومواقف نقدية، كانت التهم، بحسب قوله، واسعة مثل "إثارة النعرات" و"الذم الواقع على السلطة" و"إطالة اللسان".

ويرى عواودة أن خطورة هذه التهم تكمن في إمكانية تفسيرها على نحو فضفاض، ما يجعل أي نقد لمسؤول أو مؤسسة عرضة للتحول إلى قضية أمنية أو جنائية، ويشدد على ضرورة التمييز بين الإساءة الشخصية أو التهديد وبين انتقاد مسؤول بسبب أدائه أو قراراته أو تصريحاته، فالنقد الصحفي، كما يقول، موجّه للأداء العام لا للشخص.

ويحذّر من أن الرقابة الذاتية من أخطر نتائج هذه الملاحقات، إذ لا تتطلب دائمًا قرارًا رسميًا بمنع الكتابة، فمجرد استدعاء صحفي أو توقيفه بسبب منشور يجعله يفكر قبل كل كلمة، ويمتد الأثر إلى الجسم الصحفي كله حين يرى الزملاء أحدهم يُعتقل بسبب منشورات.

الهاتف: أكثر من جهاز شخصي

يشكل الهاتف المحمول سجلًا واسعًا للحياة الشخصية والمهنية، رسائل وصور ومواقع جغرافية وحسابات وملفات تخص أشخاصًا آخرين، ولذلك لا يشبه تفتيشه تفتيش غرض عادي، إذ قد يطال الحق في الخصوصية وسرية الاتصالات وسلامة مصادر الصحفيين.

ويقول عواودة، متحدثًا عن تفتيش الأجهزة الرقمية للصحفي لدى الأجهزة الأمنية، إن الهاتف يضم اتصالات ومصادر ومحادثات وملاحظات لأشخاص تواصلوا مع الصحفي على أساس الثقة والسرية، وبالتالي فإن تفتيشه «لا يمس خصوصيته وحده» بل يمتد إلى خصوصية المصادر، ويضيف أن الأثر لا ينتهي بانتهاء التوقيف، إذ يبقى الصحفي يتساءل عمّا إذا كان المصدر سيظل واثقًا بالتواصل معه.

وتتصل المخاوف بحماية المصادر، وهي أساس الصحافة الاستقصائية، خصوصًا في قضايا الفساد وإساءة استخدام السلطة وانتهاكات الحقوق، فإذا أمكن كشف بيانات الهاتف أو الحسابات بسهولة خلال التحقيق، فقد يمتنع المصدر عن التواصل، وقد يعجز الصحفي عن ضمان سرية المواد التي بحوزته، وقد عبّرت الصحفية فاطمة عبد الكريم، في جلسة نظمها «أمان»، عن قلقها من التوسع في صلاحيات الكشف عن المصادر وأثره على العمل الصحفي والتعددية، مشيرة إلى أن كشف المصدر قد يعرّض شخصًا عاديًا للضغط أو الانتقام.

الحجب قبل الحكم

يمكن لحجب موقع إلكتروني أو منصة إعلامية أن يوقف الوصول إلى أرشيف كامل من الأخبار والوثائق ويمنع الجمهور من الاطلاع على معلومات تتعلق بالشأن العام. ولذلك تقول الملاحظات الحقوقية إن الحجب، حتى حين يصدر بقرار قضائي، ينبغي أن يكون استثنائيًا ومتناسبًا ومحددًا، مع إتاحة حق الطعن.
وتعرب هذه الملاحظات عن مخاوف من إجراءات حجب سريعة خلال مسار التحقيق، ومن استخدام عبارات عامة لتبريرها، بحيث يتحول إجراء مؤقت إلى عقوبة فعلية تسبق المحاكمة، ويفقد الموقع جمهوره ومورده قبل أن تتضح مسؤولية أحد.

كما تؤكد مداخلات «أمان» أهمية حصر الجهات المخولة بالضبط والتحقيق بدل تركها موزعة أو متداخلة بين أجهزة متعددة، فكلما اتسعت دائرتها زادت احتمالات اختلاف التفسير وتكرار الإجراءات أو استخدامها لأغراض لا تتناسب مع طبيعة الجريمة.

قراءة قانونية: مواد بعينها

تقول الباحثة عنان جبعيتي إن القانون يتضمن مواد تحد من حرية التعبير ولا تنسجم مع المعايير الدولية، وتحدد منها، المادة (59) تمنح النيابة والضبط القضائي صلاحيات واسعة لحجب المنصات بدواعٍ فضفاضة مثل «الأمن القومي والآداب العامة»، والمادة (65): تفتح الباب لتطبيق نصوص عقابية سابقة بصياغات واسعة عبر الوسائل الإلكترونية، كما أن المادة (29): تفرض عقوبات مشددة تصل إلى حل المؤسسات الإعلامية والأهلية، وتضاف اليها المادة (66): تخالف مبدأ إتاحة المعلومات بفرض السرية على الإجراءات، ما يهدد العمل الصحفي والحقوقي.

كمل أن المواد (51–54): تثير إشكالات تمس الحق في الخصوصية وسرية الاتصالات المكفولة دستوريًا، إذ تُلزم مزودي الخدمة بالاحتفاظ بالبيانات ثلاث سنوات، وتوسّع صلاحيات التفتيش والمراقبة والضبط دون رقابة قضائية مسبقة أو تحديد واضح للنطاق والمدة.

وتحذّر جبعيتي من أن ذلك قد يدفع الصحفيين والناشطين والمؤسسات الحقوقية والمواطنين إلى الرقابة الذاتية والامتناع عن نشر الآراء النقدية أو المعلومات ذات الصلة بالشأن العام خوفًا من التفتيش أو الملاحقة أو الحجب، وتشير إلى أن تقارير حقوقية فلسطينية ودولية وثّقت حالات حُجبت فيها مواقع إخبارية استنادًا إلى القانون، وترى أن أثر هذه الصلاحيات لا يقتصر على تقييد محتوى بعينه، بل قد يمتد إلى إضعاف الثقة بالفضاء الرقمي بوصفه مجالًا للمشاركة والرقابة المجتمعية والمساءلة.

معايير للتمييز بين الجريمة والتعبير

وتقترح جبعيتي على المشرّع الفلسطيني اعتماد عدة معايير تفصل بين الشرعية والوضوح على  أساس قانوني محدد للجريمة، دون عبارات فضفاضة تسمح بتجريم النقد أو النقاش في الشأن العام، كما يجب حل اشكالية جدية الدلائل حيث يجب قبل اللجوء إلى التفتيش أو النفاذ إلى الأجهزة والبيانات، يجب أن يكون الفعل الجرمي محدد وأدلة أو دلائل جدية.
ومن ضمن المعايير أيضا الضرورة، حيث لا يجب أن يُلجأ إلى تفتيش الأجهزة أو مراقبة الاتصالات أو ضبط نظام معلومات كامل إلا عند غياب وسيلة أقل تقييدًا للحقوق، كما يفضل حصر الوصول والضبط بالبيانات المرتبطة مباشرة بالجريمة محل التحقيق، وألا يؤدي ضبط نظام كامل إلى الاطلاع على مراسلات لا صلة لها بالتحقيق.

وتؤكد على أهمية أن تتناسب شدة الإجراء أو العقوبة مع خطورة الفعل والضرر الفعلي، مع التمييز بين المحتوى الإجرامي والنقد السياسي والصحفي والحقوقي.
لتكميم الأفواه: رواية ناشط آخر

يرى الناشط فايز السويطي أن حرية الرأي والتعبير حق مكفول بالدستور الفلسطيني والمواثيق الدولية التي وقّعت عليها السلطة، وأن القانون «جاء لتكميم الأفواه» بعدما لم يبقَ للمواطن سوى منصات التواصل للتعبير، ويقول إنه كان أحد من طالتهم تطبيقاته، إذ استُدعي واستُجوب نحو عشر مرات من أجهزة أمنية، وتم تحريك خمس قضايا ضده أمام المحاكم لم ينتهِ بعضها حتى الآن.
ويشير السويطي إلى كتابه «الفساد تحت المجهر.. جهود ثلاثين عامًا في محاربة فساد السلطة الوطنية.. تجارب موثقة وحلول إصلاحية»، الذي يقول إنه يوثّق بالأسماء والملفات إخفاء كبار الموظفين في الهيئة ملفات فساد مهمة، ويرى أن الوضع الحالي يجسد حالة استبداد، وأن هذا الواقع لن يدوم أمام إصرار الشعب على انتزاع حريته بالوسائل الديمقراطية، وفي مقدمتها صندوق الاقتراع.

ماذا تقول الجهات الرسمية؟

بحسب تقرير ائتلاف «أمان» المنشور في 23 أيلول/سبتمبر 2026، قالت المستشارة القانونية في وزارة العدل إن الوزارة تعمل على تعديل قانون الجرائم الإلكترونية بتوجيهات من مجلس الوزراء وفي إطار مسار إصلاحي، وإنها منفتحة على إدخال التعديلات اللازمة وتصويب أي نص قد يشكّل انتهاكًا للحقوق أو يكون قابلًا للاستغلال، وأشارت الوزارة، وفق التقرير، إلى أن الصيغة الحالية جاءت بعد تلقي ملاحظات من مكونات المجتمع المدني، وأن الهدف الوصول إلى نصوص أكثر وضوحًا وتوازنًا.

وتبقى أهمية هذا التعهد، بحسب المتابعين، مرتبطة بمدى إدراج الضمانات في النص النهائي، وبشفافية عملية التشاور، ونشر الصيغة المقترحة وإتاحة وقت كافٍ لمراجعتها من الصحفيين والمحامين ومؤسسات حقوق الإنسان.

يرى المعنيون أن القانون الجيد يميّز بين الجريمة الرقمية الحقيقية والرأي أو النقد أو نشر المعلومات ذات المصلحة العامة، وأن العقوبة لا ينبغي أن تتحدد بالوسيلة المستخدمة وحدها، بل بطبيعة الفعل وضرره وقصد مرتكبه، وفق مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب.

ويلخّص عواودة الفكرة بقوله: «مكافحة الجريمة الإلكترونية ضرورة.. لكن النقد ليس جريمة، والصحفي الذي يسأل المسؤول ويحاسبه على أدائه لا ينبغي أن يتحول من صاحب سؤال إلى متهم.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير