من الحرب إلى الانتخابات.. 7 أكتوبر يفتح معركة الحساب السياسي في "إسرائيل"

كتب اسماعيل الريماوي: بعد ثلاث سنوات على هجوم السابع من أكتوبر، لا تزال إسرائيل تعيش تحت ثقل ذلك اليوم الذي غيّر صورتها عن نفسها وعن أمنها وعن علاقتها بالمنطقة ، فالهجوم الذي قُتل فيه نحو 1200 إسرائيلي وأُخذ خلاله 251 شخصًا رهائن إلى قطاع غزة، لم يكن مجرد حدث أمني عابر، بل تحول إلى نقطة فاصلة في التاريخ السياسي الإسرائيلي الحديث، وما زالت تداعياته حاضرة في كل نقاش يتعلق بالحرب والجيش والحكومة والأمن ومستقبل الدولة ، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر، يعود السابع من أكتوبر إلى قلب المعركة السياسية، لا باعتباره ذكرى مؤلمة فقط، بل باعتباره سؤالًا انتخابيًا مفتوحًا حول المسؤولية والفشل والمحاسبة.
هذه المرة يدخل الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع وهم يحملون تجربة ثلاث سنوات من الحرب، والخسائر، والرهائن، والعمليات العسكرية، والأزمة السياسية الداخلية، وفي مقدمة كل ذلك سؤال لم يُحسم بعد: كيف تمكنت حركة حماس من تنفيذ هجوم بهذا الحجم، واجتياز الحدود، والوصول إلى المستوطنات والقواعد العسكرية، وقتل هذا العدد من الإسرائيليين وأسر هذا العدد من الرهائن رغم منظومة الأمن والاستخبارات والجيش التي طالما قدمت نفسها باعتبارها واحدة من أكثر المنظومات تطورًا في العالم؟
هذا السؤال لم يعد محصورًا في لجان التحقيق أو النقاشات الأمنية، بل أصبح جزءًا من الحملة الانتخابية ، وتشير نتائج استطلاع نشرته «تايمز أوف إسرائيل» إلى أن أحداث السابع من أكتوبر ما زالت عاملًا مركزيًا في قرار عدد كبير من الناخبين، الأمر الذي يعكس استمرار حضور الصدمة في الحسابات السياسية الإسرائيلية بعد ثلاث سنوات.
لكن جوهر المعركة لا يتعلق فقط بما حدث في ذلك اليوم، وإنما بما إذا كانت الدولة ستعرف من يتحمل المسؤولية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم وساهمت في عدم منعه.
منذ الساعات الأولى بعد الهجوم، بدأت الأسئلة حول أداء الحكومة والجيش وأجهزة الاستخبارات، وحول التقديرات التي سبقت الهجوم، وحول السياسات التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه قطاع غزة وحماس ، ومع مرور السنوات، بقيت هذه الأسئلة من دون إجابة نهائية من خلال لجنة تحقيق رسمية شاملة.
وهنا دخلت القضية في مواجهة مباشرة بين الحكومة والمعارضة وعائلات القتلى والرهائن.
فالعائلات التي فقدت أبناءها أو أقاربها في السابع من أكتوبر، إلى جانب محتجين ومنظمات مدنية، تطالب منذ فترة طويلة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة تتمتع بصلاحيات واسعة، باعتبار أن حجم الكارثة يتطلب تحقيقًا لا يخضع لمن قد يكونون أنفسهم موضوعًا للتحقيق. وفي سبتمبر، أرجأت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارها بشأن الالتماسات المطالبة بإجبار الحكومة على تشكيل مثل هذه اللجنة إلى ما بعد الانتخابات، ومنحت الحكومة مهلة حتى 15 يناير 2027 لتقديم تحديث بشأن كيفية التحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر.
المفارقة أن المدعي العام الإسرائيلي نفسه قال إن الكارثة تستحق لجنة تحقيق رسمية على أعلى مستوى، لكنه رأى أن تشكيلها ينبغي أن يترك للحكومة المقبلة بسبب قرب الانتخابات ، وهكذا أصبحت قضية التحقيق نفسها معلقة بين القضاء والسلطة التنفيذية والانتخابات.
أما بنيامين نتنياهو، فقد رفض تشكيل لجنة الدولة بالصورة التي تطالب بها المعارضة وعائلات الضحايا، معتبرًا أن اللجنة التي يختار أعضاءها رئيس المحكمة العليا قد لا تكون محايدة تجاه حكومته ، وفي المقابل، دعمت حكومته مشروعًا لإنشاء لجنة يكون تشكيلها أكثر ارتباطًا بالعملية السياسية والكنيست.
وهنا تحديدًا تتحول قضية التحقيق إلى قضية سياسية تتجاوز مجرد معرفة ما حدث. فالسؤال أصبح: من يملك حق كتابة الرواية الرسمية للسابع من أكتوبر؟
الحكومة تريد إطارًا أوسع للتحقيق يشمل، وفق المشروع الذي دفعته، أحداثًا وسياسات تمتد إلى ما قبل حكومة نتنياهو الحالية، بما في ذلك اتفاقات أوسلو، والانسحاب من غزة عام 2005، والاحتجاجات ضد التعديلات القضائية ، أما المعارضة فتطالب بلجنة مستقلة تركز على الإخفاقات التي سبقت الهجوم وعلى المسؤوليات المباشرة لمؤسسات الدولة والحكومة والجيش والأجهزة الأمنية.
وبين الروايتين تقف عائلات القتلى التي لا تريد أن تتحول الكارثة إلى ورقة في صراع الأحزاب ، بالنسبة إلى كثير من هذه العائلات، القضية أبسط وأكثر قسوة: كيف حدث ما حدث، ومن المسؤول، وكيف يمكن ضمان ألا يتكرر؟
ولهذا لم يعد السابع من أكتوبر مجرد ذكرى سنوية ، إنه أصبح اختبارًا لمفهوم المسؤولية السياسية في إسرائيل.
ففي الديمقراطيات، لا تتوقف المساءلة عند سؤال من نفذ الهجوم، بل تمتد إلى سؤال آخر: هل أخطأت مؤسسات الدولة في تقدير الخطر؟ وهل تجاهلت تحذيرات؟ وهل كانت السياسات المتبعة تجاه غزة وحماس جزءًا من البيئة التي سمحت بتراكم الخطر؟ ومن اتخذ القرارات التي شكلت هذه السياسات؟ هذه أسئلة لا يمكن حسمها بالشعارات، وإنما تحتاج إلى تحقيق مستقل وموثق يستطيع فحص الوثائق والشهادات والقرارات والأجهزة الأمنية والعسكرية والسياسية.
لكن الانتخابات المقبلة تجعل الوصول إلى إجابات موضوعية أكثر تعقيدًا، لأن كل إجابة محتملة يمكن أن تكون لها نتائج سياسية مباشرة.
إذا حمل التحقيق مسؤولية سياسية على الحكومة، فسيكون لذلك أثر كبير على مستقبل نتنياهو وحزبه ، وإذا ركز التحقيق على إخفاقات الجيش والاستخبارات، فستتغير خريطة المسؤولية داخل المؤسسة الأمنية ، وإذا امتد إلى سياسات حكومات سابقة، فإن القضية ستتحول من مسؤولية حكومة بعينها إلى نقاش أوسع حول العقيدة الأمنية الإسرائيلية والسياسة تجاه غزة وحماس.
ولهذا فإن تأجيل التحقيق إلى ما بعد الانتخابات لا يعني أن القضية اختفت؛ بل يعني أن السؤال الأكبر سيبقى حاضرًا في الحملة الانتخابية من دون إجابة رسمية نهائية.
واللافت أن السابع من أكتوبر دخل الانتخابات من أبواب متعددة ، هناك عائلات فقدت أبناءها وتخوض الانتخابات، وهناك عسكريون سابقون أصبحوا لاعبين سياسيين، وهناك معارضة تطرح التحقيق والمحاسبة، وهناك حكومة تؤكد أن الأولوية هي الأمن والقوة والقدرة على مواجهة التهديدات ، وقد انضم ما لا يقل عن تسعة أشخاص تأثروا مباشرة بأحداث السابع من أكتوبر إلى السباق الانتخابي، بحسب رويترز، في مؤشر على أن الصدمة الوطنية بدأت تتحول أيضًا إلى مشاركة سياسية مباشرة.
وفي المقابل، يقدم نتنياهو رواية مختلفة للمسألة ، فهو يركز على ما يعتبره إنجازات إسرائيل العسكرية وعلى قدرتها على مواجهة التهديدات الإقليمية، بينما يرفض تحميله وحده مسؤولية الإخفاق الذي سبق هجوم حماس، ويلقي جزءًا من المسؤولية على المؤسسة الأمنية.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الانتخابات الإسرائيلية أهمية: الناخب الإسرائيلي لا يصوت فقط على ما إذا كان نتنياهو سيبقى في الحكم أو يغادره، بل يصوت أيضًا، بصورة غير مباشرة، على الطريقة التي تريد إسرائيل أن تفهم بها السنوات الثلاث الماضية.
هل كانت الحرب نتيجة ضرورية لإعادة بناء الردع والأمن؟ أم أن حجم الخسائر والدمار وطول الحرب يفرض مراجعة أعمق للسياسات التي سبقتها؟ هل المطلوب الاستمرار في النهج نفسه أم إعادة النظر في العلاقة مع غزة والضفة والمنطقة؟ وهل يمكن استعادة الثقة بين المواطن والمؤسسة السياسية والعسكرية من دون كشف كامل لما حدث؟
هذه الأسئلة لن تجيب عنها صناديق الاقتراع وحدها، لكنها ستحدد البيئة السياسية التي ستتحرك فيها إسرائيل بعد الانتخابات.
والأهم أن قضية 7 أكتوبر لا تنفصل عن مستقبل الحرب في غزة ، فبعد ثلاث سنوات، لا تزال تداعيات الحرب حاضرة بقوة، فيما تشير تقارير حديثة إلى أن أهدافًا أساسية من ترتيبات وقف إطلاق النار، مثل نزع سلاح حماس، والانسحاب الإسرائيلي الكامل وإعادة إعمار القطاع، ما زالت موضع خلاف ولم تتحقق بصورة كاملة ، كما أن إسرائيل ما زالت تسيطر على أجزاء واسعة من غزة، بينما يبقى مستقبل القطاع السياسي والأمني غير محسوم.
وبذلك يصبح السابع من أكتوبر نقطة التقاء بين الماضي والمستقبل: الماضي الذي يريد الإسرائيليون معرفة كيف وقع، والحاضر الذي ما زالت الحرب وآثارها تشكله، والمستقبل الذي ستحدده الانتخابات المقبلة.
ربما لهذا تبدو الانتخابات الإسرائيلية المقبلة مختلفة عن انتخابات عادية ، فالمنافسة ليست فقط بين أحزاب وبرامج وشخصيات، وإنما تدور أيضًا حول سؤال المسؤولية عن حدث هز الدولة من الداخل وأعاد تشكيل علاقتها بالمنطقة.
إن نتنياهو يدخل هذه المعركة وهو يواجه سؤالًا سياسيًا لن تختفي أهميته بمجرد انتهاء الانتخابات: من يتحمل مسؤولية الإخفاق الذي سمح بوقوع السابع من أكتوبر؟
وقد يستطيع السياسي تأجيل التحقيق، وقد تستطيع الحكومة نقل الملف إلى الحكومة المقبلة، وقد تستطيع الانتخابات تغيير الوجوه داخل السلطة، لكن السؤال نفسه سيبقى قائمًا.
فالسابع من أكتوبر لم ينتهِ بانتهاء ذلك اليوم، ولم ينتهِ بانتهاء الحرب، ولن ينتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
إنه أصبح اختبارًا إسرائيليًا مفتوحًا للثقة والمساءلة والمسؤولية السياسية، وربما يكون مستقبل نتنياهو جزءًا من الإجابة، لكنه بالتأكيد ليس الإجابة الوحيدة.
فالمعركة الحقيقية بعد ثلاث سنوات ليست فقط حول من يحكم إسرائيل، بل حول من سيكتب الرواية الرسمية لفشل السابع من أكتوبر، ومن سيدفع ثمنه السياسي، ومن سيضمن ألا يتكرر.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


