تشظي الدولة العميقة في "إسرائيل"

كتب: المحامي أنس الكسواني
توصف الدولة العميقة بانها دولة داخل دولة، الاولى هي الدولة العميقة وهي مجموعة غير رسمية لكنها صاحبة نفوذ كبير وتكون ثابتة ومستقرة؛ والثانية هي الدولة الرسمية الظاهرة المتغيرة، وتمثل الدولة العميقة ضمانة لبقاء شكل الدولة وتوجهاتها بحيث تتدخل لإنتاج الدولة الظاهرة او الرسمية بما لها من نفوذ في اربع مراكز رئيسية وهي الجيش والمخابرات والقطاع المالي والإعلام..
الدولة العميقة في "اسرائيل"..
تعود الدولة العميقة في الكيان بجذورها إلى الوكالة اليهودية التي نشأت كمخرج لمؤتمر بازل عام ١٨٩٧ وذراعها المالي صندوق كيرين كيميت (الصندوق القومي اليهودي) الذي بدأ عمليات شراء الأراضي في فلسطين منذ بدايات القرن العشرين ثم انتقل إلى عملية انشاء (الكيبوتس) بشكل رسمي في عام ١٩٢٦ والذي كان يتم استقبال المهاجرين فيه ليتم تعليمهم اللغة العبرية والقيم الصهيونية والزراعة وتنمية مواهبهم العلمية وقدراتهم العسكرية، وبقي الحال على ما هو عليه إلى حين تحرير الاقتصاد الاسرائيلي؛ وقد نتج عن هذه الكيبوتسات التي تطورت إلى مجتمعات زراعية وبعضها إلى بلدات ومدن التشكيل الاول للعصابات الصهيونية مثل هجانا وشتيرن وبالماخ التي شكلت عصب الجيش الصهيوني في حرب ١٩٤٨ والتي تحولت لتصبح الجيش الاسرائيلي لاحقاً،، ومع الزمن اصبح قادة هذه العصابات وزراء ورؤساء وزراء وقادة امن واقتصاديين ومفكرين شكلوا مع الوقت الدولة العميقة لإسرائيل التي حددت عقيدتها الامنية والعسكرية والاقتصادية..
بعد حرب ١٩٤٨ نشأ ما يعرف باتفاق الوضع القائم بين اليهود المتدينين والعلمانيين، بحيث يُعفى المتدين من الخدمة العسكرية والواجبات المدنية مقابل عدم اعتراض التيار الديني على نشوء الدولة لمخالفته فكرة قيام الدولة على يد المسيح، ثم بعد العام ١٩٦٧ حدثت هجرات داخلية في الكيان ليتركز اليهود المتدينين في القدس ومستعمرات الضفة الغربية..
"اسرائيل" الجديدة..
ظهر هذا المصطلح بعد حدوث تحول عميق في توجه المتدينين؛ بدأه مايير كهانا في السبعينات وتم بلورته سياسياً على يد الحاخام شتورك في التسعينات بحيث تمكن البعض من انشاء تيار صهيوني ديني بالرغم من التعارض العميق مع الفكر الصهيوني العلماني وهو ما يعرف بالصهيونية الدينية فرسانها المعلنين هما بن جفير وسموترتش، صعود هذا التيار رافق صعود التيار الديني القوي لاقى دعماً وسنداً بصعود التيار اليميني الديني في الولايات المتحدة الأمريكية، فتعاظم قوة المتطرفين هناك ساعد في تعاظم قوتهم هنا، ومع الوقت تغلغل التيار الديني في المؤسسة الصهيونية الحاكمة ووصل إلى مراكز صنع قرار حساسة فيها، ادت إلى تغير شكل الدولة مع الوقت لتنتج إسرائيل الثانية، هذه الاسرائيل تمكنت من السيطرة على إسرائيل الاولى انتخابياً لكن لم تستطع بعد الغاء وجودها..
اليوم نحن آمام إسرائيلتان، دولتان عميقتان ونظام حكم واحد لم يعد ينتج عن دولة عميقة مستقرة بل متنافرة ومتشظية،،، من جهة الدولة القديمة تضم العلماء والمفكرين والصناعيين والجيش، والدولة الجديدة تضم المتطرفين دينياً الذين يرون في الدولة القديمة حماراً يركبون عليه للوصول لاهدافهم الدينية، بالإضافة لقادة عسكريين جدد وسياسيين تنتجهم الدولة الجديدة بما يخدم مشروعهم الديني العنصري..
هذه التوليفة المعقدة غير قادرة على الصمود طويلاً كمنظومة حكم مستقرة، وهذا التنافر سيؤدي مع الوقت إلى تضارب المصالح واختلاف السياسات، وتشظي الدولة ذاتها، وقد نشهد على المدى القريب الإعلان عن دولة جديدة لمالكي إسرائيل الجديدة في الضفة الغربية او تخلي إسرائيل القديمة عن الدولة الجديدة لتحمل وحدها وزر الاحتلال وحروب المستقبل، ممكن تشبيه الحالة بعربة يجرها حصان يمسك برسنه شخصان، احدهما يريد الذهاب بها يميناً والآخر يساراً،، فينتهي الأمر بالعربة وقد سقطت من فوق الجبل..
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


