بحر الصين الجنوبي وعجلة السياسة العالمية

11.07.2021 10:33 PM

كتبت حنان بركات

 

تتعزز أهمية بحر الصين الجنوبي من خلال عدة عناصر تعمل على إضفاء مزيد من القيمة الاستراتيجية له، ولا سيما تلك التي تتعلق بحقيقة كونه أقصر الطرق التي تصل بين المحيطين الهادئ والهندي، فضلاً عن كونه يمتاز بوجود أكثر خطوط الملاحة ازدحاماً بحركة السفن في العالم. مما جعل هذا البحر يحظى باهتمام الدول الكبرى كما هي الحال مع الصين التي ترى ضرورة حماية هذا البحر من أي قوة أخرى. كما جعله نقطة توتر ساخنة "جيوسياسيا" دوليا بين الصين وأمريكا من جهة، وبين الصين والدول المجاورة إقليميا (الفلبين وفيتنام وماليزيا واندونيسيا وتايوان وبروناي) من جهة أخرى. إن المتتبع للأحداث الدائرة في منطقة البحر الصيني الجنوبي يلاحظ تصاعد وتيرة التهديدات والخلافات وخصوصا بين الصين وأمريكا، فالصين تريد تأكيد سيادتها على المنطقة وبسط هيمنتها أمام المحاولات الأمريكية بتعطيل ذلك، وأمريكا تريد ضمان المرور المجاني لسفنها التجارية وعدم هيمنة منافسها الاقتصادي على منطقة من أهم مناطق العالم جغرافيا واقتصاديا.
يعود هذا التصارع الجنوني على منطقة بحر الصين بين هذه الدول لعدة أسباب، على راسها الأهمية الجغرافية والاستراتيجية لهذه المنطقة. يربط بحر الصين الجنوبي العالم البحري للشرق الأوسط بمنطقة شبه القارة الهندية بشمال شرق آسيا، ويساوي النفط القادم من المحيط الهندي عبر مضيق ملقا باتجاه شرق آسيا مرورًا ببحر الصين الجنوبي حوالي ثلاثة أضعاف الكمية التي تعبر من خلال قناة السويس، وحوالي 15 مرة مقارنة بالكمية التي تعبر قناة بنما. أضف إلى ذلك أن حوالي ثلثي إمدادات الطاقة لكوريا الجنوبية و60% لليابان وتايوان و80% من واردات الصين النفطية تأتي عبر بحر الصين الجنوبي. وبالإضافة إلى مركزية الموقع التي يتمتع بها، يحتوي بحر الصين الجنوبي على حوالي 7 مليارات برميل نفط كاحتياطي مؤكد، وحوالي 900 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، فيما يعتقد الصينيون أن باطنه يحتوي على كميات من النفط تفوق أية منطقة في العالم باستثناء السعودية، وهو الأمر الذي إذا ما ثبتت صحته (هناك شكوك حوله)، فإنه يجعل منطقة بحر الصين الجنوبي بمثابة منطقة الخليج العرب، ومقارنة بالخليج العربي الذي يعتبر ممرًا لنقل الطاقة إلى العالم، فإن بحر الصين الجنوبي لا يعد معبرًا لإمدادات الطاقة فحسب، بل هو أيضًا ملتقى لخطوط التجارة البحرية الدولية الأكثر ازدحامًا في العالم.
إن تمتع هذه المنطقة بهذه الكنوز الطبيعية والموقع الاستراتيجي جعلها مسرحا للنزاعات الإقليمية بين الصين وكل من الفلبين وتايوان وماليزيا وبروناي وفيتنام وحليفتهم أمريكا. هذه الدول تطالب بمناطق إقليمية هناك وبحقها في السيادة على 200 ميل حسب قانون البحار الدولي الموقع في الأمم المتحدة. إلا ان الصين لا تلقي بالا لذلك وتصر على أحقيتها بالهيمنة على 80% من البحر بدعوى أنه امتداد للجرف القاري البحري للصين وأن هذا البحر جزء من ممتلكات الصين منذ عصور قديمة ورثته عن أسلافها وعلى الحكومة الصينية الحفاظ عليه لكل الأجيال. وفي عام 1949 قامت الصين بوضع خط التسع فواصل على شكل حرف Uلفرض أحقيتها وهيمنتها عليه وتمهيدا للسيطرة على مقدراته الاقتصادية، وبدأت عام 2014 بإنشاء جزر اصطناعية فوق جزر سبراتلي وتكديس الرمال على الشعاب المرجانية الموجودة لتوسيع مساحة الجزر بحجة حماية الملاحة البحرية ولعمليات الانقاذ، إلا أنها سرعان ما حولتها لمناطق عسكرية تضم منشآت عسكرية وأنظمة أسلحة متطورة وطائرات مقاتلة وصواريخ جو أرض.
حاولت الفلبين عدم الرضوخ للسياسة الصينية المتصلبة تجاه بحر الصين. في عام 2013 رفعت الفلبين قضية على الصين في محكمة لاهاي الدولية تطالب المحكمة برفض مطالب الصين في البحر الجنوبي، وفي عام 2016 أصدرت المحكمة حكما برفض المطالب الصينية، معتبرة أنه لا يوجد أساس قانوني للصين للسيادة على المناطق داخل خط التسع فواصل. ومن جهتها رفضت الصين القرار وزادت توسيع منشآتها والقيام بتدريبات ومناورات عسكرية هناك، بل وزادت من التضييقيات على السفن الفلبينية والتايوانية هناك.
في عام 2020 تصاعدت حدة التوترات بين الصين وأمريكا، خرج وزير الخارجية الأمريكي ووجه اتهامات لاذعة بعبارات حادة وأشاد بالمعارضة العالمية لسلوكيات الصين في بحر الصين والتي تتعامل أنه أحد ممتلكاتها. عمدت أمريكا إلى إرسال سفن حربية بشكل متكرر لبحر الصين الجنوبي بعد المضايقات الصينية لسفن الصيد والتنقيب عن النفط التابعة لفيتنام وتايوان، ونشرت حاملتي طائرات في البحر وقامت بتدريبات مع سفن أسترالية هناك. من جهتها قامت الصين بإطلاق صواريخ قادرة على ضرب الوجود الأمريكي بالبحر الصيني، وكأنها تريد إرسال تهديدات غير مباشرة للحكومة الأمريكية وتحذيرها من التدخل بالسيادة الصينية هناك. إن الوضع في البحر الصيني في الآونة الأخيرة يشهد غليان مرعب فالصين تراقب الولايات المتحدة هناك والولايات المتحدة تراقب الصين هناك.
هذه الأحداث الحاصلة هناك والتي برزت أيضا في الآونة الأخيرة بعد تولي جو بايدن رئاسته للولايات المتحدة، حيث منذ توليه زادت التحركات الأمريكية في البحر، تقود لعدة تفسيرات مطروحة أمام القادة السياسيين لرسم سياستهم العالمية الجديدة تماشيا مع المجريات. يرى محللون أن استمرار الصين بتعنتها تجاه أحقيتها بالبحر، واستمرارها بالتضييق على جيرانها الإقليميين، وإصرار الولايات المتحدة على وضع يد والتحكم بالملاحة هناك وإقامة مناورات عسكرية، سيؤدي حروب بالوكالة، حيث إن امتلاك كلا القوتين الصين وامريكا لسلاح نووي وجيوش عظيمة رنانة يشكل نوعا من الردع للحرب المباشرة بين الطرفين، فوقوع صدام مباشر بينهما سيؤدي إلى نتائج وخيمة هم بغنى عنها، لذلك تلجأن إلى حروب بالوكالة. فيما يرى أخرون أن سياسة الردع النووي والحروب بالوكالة قد تفشل أمام التصاعد والتنافس العسكري في ساحة بحر الصين، فقد تؤدي هذه التطورات إلى الوقوع في براثن الحرب المباشرة لإنهاء نظام ثنائي القطبية والتوجه نحو النظام الأحادي لصالح إحدى القوتين العظيمتين. في حين يرى محللون آخرون أن الحال سيبقى كما هو الآن وتستمر المنافسات والمناورات بين الأطراف المتنازعة، محاولة كل دولة إبراز قدراتها ومجالات التفوق عندها، دون الدخول بصدامات عسكرية. أمام هذه الاحتمالات يظهر بشكل واضح دور المصالح في رسم السياسات الخارجية للبلدان للتعامل مع النزاعات الإقليمية والدولية على حد سواء، ويظهر أن توازن القوى يفرض قواعد اللعبة ويرسم تلك السياسات لصالح الطرف الأقوى.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير