مهمات السفر والإيفاد الخارجي تحت المجهر
ائتلاف "أمان" لـوطن: غياب سقف لمهمات السفر الخارجي يفتح الباب أمام مخاطر الفساد، ونطالب بضوابط ومساءلة أكثر صرامة
وطن للأنباء: في وقت تواجه فيه المالية العامة الفلسطينية أزمة مالية متفاقمة، تتزايد أهمية إخضاع أوجه الإنفاق الحكومي لمعايير الشفافية والرقابة، بما يضمن توجيه المال العام نحو الأولويات الوطنية، والحد من الهدر ومخاطر الفساد.
وتُعدّ مهمات السفر الخارجي والدورات التدريبية للموظفين العموميين من أوجه الإنفاق الحكومي التي تتطلب ضوابط واضحة، تضمن تحقيق الفائدة المرجوة منها، وتكافؤ الفرص في اختيار المشاركين، وترشيد النفقات.
مؤتمر الموازنة العامة لعام 2026، الذي عقده الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة العامة، ناقش تقريراً حول مخاطر الفساد المرتبطة بالإيفاد الخارجي، وسبل تعزيز الرقابة على نفقات السفر وربطها باحتياجات المؤسسات الحكومية وأولوياتها.
وفي هذا السياق تقول مديرة وحدة الدراسات والرصد في ائتلاف أمان، صمود البرغوثي، إن الدراسة تهدف إلى تحديد الثغرات المُحتملة التي قد تشكل مدخلاً لمخاطر الفساد في مهمات السفر الخارجي، واقتراح تدابير وقائية تسهم في تعزيز منظومة الحوكمة وترشيد الإنفاق العام.
- شح البيانات المالية يضعف الرقابة على المال العام
وتوضح البرغوثي في حديث لبرنامج "شد حيلك يا وطن"، ويُبث عبر شبكة وطن الإعلامية، أن الدراسة واجهت صعوبة في الحصول على بيانات مالية مكتملة حول مهمات السفر الخارجي، مشيرة إلى أن شح الأرقام المتاحة، والمسؤولية عن هذه النفقات التي تقع على عاتق وزارة المالية، شكّلا تحدياً أمام تحديد الكلفة الإجمالية بصورة دقيقة.
وتضيف أن الدراسة استندت إلى البيانات المتاحة والمعلومات التي جرى استخلاصها من العاملين في الجهات المعنية، إلى جانب التحليل والاستنباط، مؤكدة أن إتاحة المعلومات المتعلقة بمهمات السفر الخارجي تُعدّ من أساسيات الحكم الرشيد، وتعزز الشفافية والرقابة على المال العام.
وبيّنت أيضاً أن الدراسة تناولت قرار مجلس الوزراء الصادر عام 2024، القاضي بوقف الإيفاد إلى الدورات التدريبية الخارجية غير مكتملة الاستضافة، باعتباره قراراً ينسجم مع متطلبات الإصلاح المالي وترشيد الإنفاق.
- خلال العام الأخير.. التكلفة التقديرية لمهمات السفر والإيفاد الخارجي لموظفين في القطاع العام بلغت نحو 50 مليون شيكل
وكشفت الدراسة، وفق البرغوثي، أن عدد مهمات السفر الخارجي للوزارات والمؤسسات العامة المرتبطة بديوان الموظفين العام، والبالغ عددها 84 وزارة ومؤسسة، وصل خلال العام الماضي 2025 إلى 2784 مهمة لموظفي الوظيفة العامة المدنية المشمولين بالدراسة.
وتشير إلى أن الكلفة التقديرية للإيفاد الخارجي بلغت نحو 50 مليون شيكل، موضحة أن الدراسة لم تشمل مهمات السفر والإيفاد الخارجي للعاملين في الوظيفة العسكرية.
وتلفتُ البرغوثي إلى أن هناك جهات رقابية رسمية، من بينها ديوان الرقابة الإدارية والمالية، تراقب الانحراف في الأداء العام، إلا أن نفقات السفر والإيفاد الخارجي لا تُدرج ضمن بند واضح في الموازنة العامة، الأمر الذي يصعّب تحديد حجم الإنفاق ومتابعته بصورة تفصيلية.
- من 10 إلى 15 مهمة سفر سنوياً لبعض الموظفين.. "أمان" يكشف مخاطر الإيفاد الخارجي
وفيما يتعلق بمخاطر الفساد، توضح البرغوثي أن أبرز الثغرات تتمثل في الضوابط والشروط المنظمة للمشاركات الخارجية، ولا سيما غياب سقف محدد لعدد مرات الإيفاد، مشيرة إلى رصد حالات سافر فيها بعض الموظفين ما بين 10 و15 مرة خلال العام الواحد.
وتُضيف: من بين المخاطر التي رصدتها الدراسة ازدواجية الصرف، في ظل وجود حالات تُغطى فيها تكاليف السفر من قبل الدولة المضيفة، ومن قبل الحكومة الفلسطينية في الوقت ذاته.
وتؤكد البرغوثي أهمية المشاركات الخارجية التي تتيح للموظف تمثيل فلسطين في المحافل الدولية، وتساهم في رفع كفاءته وتطوير قدراته، لكنها تشدد في الوقت ذاته على ضرورة ضبط عدد المشاركات، وربطها بمبررات واضحة واحتياجات فعلية، بما يضمن عدم تحولها إلى باب للهدر في المال العام.
وتشير إلى أن السلطة التقديرية الواسعة الممنوحة للوزير أو رئيس الوزراء، إلى جانب وجود فراغ تنظيمي في إجراءات الترشح للإيفاد الخارجي، والتدقيق والمتابعة والتقييم، تعدُ مُجتمعة من أبرز مداخل مخاطر الفساد.
وتُضيف أن التعليمات الناظمة لهذه المهمات ليست مشمولة في وثيقة واحدة معممة، ما يؤثر في مستوى الشفافية واليقين القانوني، ويحد من القدرة على ضمان تكافؤ الفرص والتوزيع العادل للمشاركات الخارجية.
- نطالب بتحديد سقف لمهمات السفر والإيفاد الخارجي وتعزيز الرقابة
وفي إطار التوصيات، تدعو البرغوثي إلى إجراء تعديل على اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية، بما يضمن تحديد سقف أعلى لمهمات السفر الخارجي، بحيث لا يتجاوز الموظف ثلاث مهمات سفر خلال السنة الواحدة، مع إتاحة تجاوز هذا الحد بموافقة استثنائية مسببة من رئيس الوزراء، بناءً على تنسيب من الوزير المختص.
وتوصي بإنشاء نظام إلكتروني محوسب مرتبط ببيانات الموظفين، يصدر تنبيهات عند تجاوز عدد المهمات المسموح به، إلى جانب اعتماد نموذج موحد للأنشطة الخارجية يتضمن بيانات تفصيلية حول الجهة المضيفة وتكاليف السفر، وإجراء تقييم سنوي للمشاركات الخارجية ومدى تحقيقها للأهداف المرجوة.
وتشدد البرغوثي على ضرورة تعزيز الرقابة على النفقات، وضمان تكافؤ الفرص في اختيار الموظفين، بما يحقق الاستفادة المؤسسية من المشاركات الخارجية، ويحد من مخاطر الفساد والهدر.
- الأصل في المعلومات هو الإتاحة وليس التقييد، ونستغرب عدم تعاون وزارة المالية في دراستنا لملف الإيفاد الخارجي
وفيما يتعلق بإتاحة المعلومات للرأي العام، تؤكد البرغوثي أن الأصل في المعلومات هو الإتاحة، والاستثناء هو التقييد بنص قانوني، مشيرة إلى أن المعلومات المتعلقة بمهمات السفر الخارجي لا تمس الأمن القومي أو المصلحة العليا للشعب الفلسطيني.
وتعرب عن استغرابها من عدم تعاون وزارة المالية في الدراسة، وعدم إتاحة المعلومات المتعلقة بهذا الملف للرأي العام والجمهور، مؤكدة أن نشر البيانات التفصيلية حول المهمات الخارجية وتكاليفها من شأنه تعزيز الشفافية والمساءلة، وضمان الرقابة على أوجه الإنفاق العام.


