أدوية على دفعات ومعلومات متفرقة.. كيف يصل العلاج إلى المريض؟
ائتلاف أمان لـوطن: الربط الإلكتروني والإفصاح عن المخزون الدوائي مدخل لتعزيز الشفافية وحماية حق المرضى بالحصول على الدواء
وطن للانباء: بين أزمة مالية حادة تواجه وزارة الصحة، ونقص في بعض الأصناف الدوائية، يجد مرضى أنفسهم أمام رحلة بحث عن العلاج بين المراكز الصحية والمستشفيات، قد تنتهي بالاضطرار إلى شراء الدواء على نفقتهم الخاصة، وفي ظل هذه الظروف، تبرز الحاجة إلى تعزيز شفافية إدارة المخزون الدوائي، وضمان عدالة توزيع الكميات المتاحة، وإتاحة المعلومات التي تمكّن المواطنين من معرفة أماكن توفر أدويتهم.
وتتجاوز التحديات المرتبطة بتوفر الأدوية مسألة الكميات المتاحة، لتشمل آليات تحديد الاحتياجات، وإجراءات التوريد والتوزيع، ومدى قدرة المؤسسات الصحية على تبادل المعلومات بشأن المخزون، بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، ويحدّ من الأعباء التي يتحملها المرضى.
وفي هذا السياق، تناول الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان)، في ورقة بحثية أعدّها زكريا سرهد، آليات وإجراءات توزيع الأدوية على المراكز الصحية الفلسطينية، والتحديات المرتبطة بالتخطيط والشفافية والرقابة، إلى جانب توصيات لتعزيز الربط الإلكتروني والإفصاح عن المخزون الدوائي.
- إجراءات لضبط التوزيع.. لكن النقص يفرض تحديات إضافية
معدّ الورقة البحثية زكريا سرهد يقول إن مراجعة الإجراءات والأدلة الإجرائية التي تتبعها وزارة الصحة في توريد الأدوية إلى المراكز الصحية أظهرت وجود مجموعة من الإجراءات المطبقة في مختلف المحافظات، بما يساهم في الحد من المخاطر المتعلقة بعدالة التوزيع.
ويوضح في حديثه لبرنامج "شد حيلك وطن"، ويُبث عبر شبكة وطن الإعلامية أن طلبات توريد الأدوية تُقدّم كل شهرين، وتتولى الإدارة العامة للصيدلة في وزارة الصحة مسؤولية هذه العملية، مشيراً إلى أن النقص في الأصناف الدوائية يجري التعامل معه، من خلال توزيع الكميات المتاحة بنسب متناسبة على المراكز الصحية.
ويُضيف أن بعض المراكز الصحية قد تتعرض لتأخير في وصول الكميات المطلوبة نتيجة المعوقات الإسرائيلية، في حين تفرض الأزمة الراهنة تحديات إضافية على عمليات التوريد، التي باتت تتم بصورة جزئية.
ويُِشير إلى أن التوريد بكميات غير اعتيادية وعلى دفعات، في ظل الظروف الحالية، يؤدي إلى نفاد الأدوية بسرعة، ويجعل متابعة الكميات التي تصل تباعاً أكثر صعوبة، خاصة في ظل عدم توفر معلومات محدثة بصورة كافية لدى الجهات المعنية بشأن وصول الدفعات اللاحقة.
- غياب نظام الربط الإلكتروني يدفع إلى حلول فردية
وفيما يتعلق بتأثير نقص البيانات وضعف الربط الإلكتروني على إدارة المخزون، يوضح سرهد أن عمليات التوريد الجزئية تدفع المراكز الصحية إلى تقديم طلبات بصورة دورية ومتكررة لاستكمال النقص، فيما يعتمد الحصول على بعض الكميات المتاحة أحياناً على جهود فردية من العاملين في القطاع الصحي.
وبيّن أن الصيادلة المسؤولين في المراكز الصحية يتبادلون المعلومات بشأن الأدوية المتوفرة أو الفائضة عبر تطبيق «واتساب»، وقد يبادر بعضهم إلى التنقل لتأمين الأدوية لمراكز أخرى، في ظل غياب منظومة إلكترونية متكاملة تتيح معرفة المخزون المتاح وتحديثاته بصورة واضحة.
ويلفت إلى أن هذه الممارسات، رغم ما تعكسه من مبادرات لتلبية احتياجات المرضى، لا تشكل بديلاً عن وجود نظام مؤسسي يضمن تدفق المعلومات، ويتيح للعاملين في مختلف المراكز الصحية الاطلاع على الكميات المتوفرة في المستودعات المركزية والفرعية، والأدوية التي جرى توريدها حديثاً.
ويؤكد سرهد أن وجود نظام للربط الإلكتروني والإفصاح عن المخزون الدوائي، من شأنه تعزيز العدالة والشفافية والمساءلة، وتوفير إمكانات أفضل للمراقبة والمتابعة، بما يساعد على تحديد الاحتياجات وتوجيه الكميات المتاحة وفقاً لها.
- أزمة نقص الأدوية تُهدد استمرارية حصول المرضى على العلاج
وفي معرض حديثه عن انعكاسات الأزمة على المرضى، يُشير سرهد إلى أن المشكلة الراهنة ترتبط أساساً بنقص الأدوية، إلى جانب التحديات المتعلقة بإدارة هذه الأزمة، وما تفرضه من صعوبات على المراكز الصحية في تلبية احتياجات المراجعين.
ويوضحُ أن تداعيات النقص تصبح أكثر خطورة عندما تطال أدوية الأمراض المزمنة، إذ قد يفقد المريض جدوى مراجعة المركز الصحي إذا تكرر عدم حصوله على الدواء، وصولاً إلى مرحلة اليأس من مراجعة المراكز والعيادات والاضطرار إلى شرائه على نفقته الخاصة.
ويضيف أن محدودية الكميات المتاحة قد تجعل الحصول على الدواء مرتبطاً بتوقيت وصول المريض؛ فمن يصل أولاً قد يتمكن من الحصول عليه، فيما قد لا يجده من يأتي لاحقاً، حتى في حال حاجته الماسة إليه.
ويُشدد على أن هذه الظروف تعزز أهمية توفير معلومات دقيقة ومحدثة عن المخزون، بما يساعد المرضى على معرفة أماكن توفر العلاج، ويحد من التنقل غير الضروري بين المؤسسات الصحية، وما يترتب عليه من أعباء مالية وصحية.
- وجود إجراءات لضبط التوزيع لا يلغي الحاجة إلى تطوير منظومة إدارة المخزون والإفصاح عنه
وفي المقابل، يشير سرهد إلى أن مراجعة الأدلة الإجرائية أظهرت وجود إجراءات رقابية تتبعها وزارة الصحة في توزيع الأدوية على المراكز الصحية، تشمل سندات الاستلام والتسليم، والرقابة الدورية، والزيارات الميدانية، ومطابقة المخزون الفعلي بالكميات الواردة وإيصالات الدفع.
ويضيف أن الإجراءات المعتمدة تستهدف ضمان النزاهة في توزيع الأدوية وحماية حقوق المرضى، موضحاً أنه لم يلمس، في إطار مراجعة هذه الإجراءات، تمييزاً بين المراكز الصحية الطرفية وتلك الموجودة في المدن.
غير أن وجود إجراءات لضبط التوزيع لا يلغي، وفق ما تطرحه الورقة، الحاجة إلى تطوير منظومة إدارة المخزون والإفصاح عنه، بما يضمن قدرة المؤسسات الصحية على متابعة الكميات المتوفرة، وتبادل المعلومات بشأن النقص والفائض، والاستجابة بصورة أكثر فاعلية للاحتياجات المتغيرة.
ويشير سرهد إلى أن تحديث الأنظمة يجري بوتيرة بطيئة منذ سنوات، ما يستدعي تسريع هذه العملية وتفعيلها بصورة أكبر، لا سيما في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها عمليات التوريد وتوفر الأدوية.
- المطلوب تطوير نظام وطني يتيح للمواطن معرفة مكان توفر الأدوية
وفيما يتعلق بالتوصيات، يؤكد سرهد أهمية إنشاء قاعدة بيانات متكاملة للمخزون الدوائي، باعتبارها شرطاً أساسياً لتطوير نظام وطني يتيح معرفة الأدوية المتوفرة وأماكن الحصول عليها.
ويوضحُ أن وزارة الصحة تعمل حالياً على استكمال مشروع الربط الإلكتروني ليشمل جميع المراكز الصحية، بما يتيح الإفصاح عن المخزون الدوائي في المستودعات المركزية والفرعية.
ويلفت إلى أن استكمال هذا الربط يمكن أن يساعد العاملين في المؤسسات الصحية على الاطلاع على الكميات المتاحة والموردة حديثاً، وتحسين التنسيق في تحويل الأدوية وتلبية الاحتياجات، بدلاً من الاعتماد على الاتصالات الفردية والمعلومات المتداولة بين الصيادلة.
ويشدد على أن نجاح هذه الخطوة يتطلب قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة، وآليات واضحة للإفصاح عن المخزون، إلى جانب ضمان وصول المعلومات إلى الجهات التي تحتاج إليها، وصولاً إلى تمكين المواطنين من معرفة أماكن توفر أدويتهم.
- الحلول الممكنة.. تكامل أدوار المؤسسات الصحية لتجاوز أزمة الأدوية
وفي سياق الحلول المُمكنة، يدعو سرهد إلى تعزيز التنسيق بين المؤسسات العاملة في القطاع الصحي، وتشكيل ائتلاف أو شبكة للتكامل تضم وزارة الصحة ومؤسسات المجتمع المدني ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والقطاعات الأخرى ذات الصلة.
ويوضح أن مواجهة أزمة الأدوية تتطلب تعاوناً بين مختلف الجهات، بما يساعد على البحث عن حلول مشتركة لتلبية الاحتياجات الدوائية وتخفيف معاناة المرضى، مؤكداً أن توفير الدواء يرتبط بالحق في الحياة، ويشكّل أحد الحقوق الأساسية التي تستدعي تضافر الجهود، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة.
ويختم سرهد بالتأكيد على ضرورة تحويل رسائل المؤسسات الصحية وأهدافها، إلى خطوات عملية تعزز التعاون وتضمن استمرارية حصول المرضى على العلاج، معتبراً أن المرحلة الحالية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة هذه المؤسسات على التنسيق والاستجابة للاحتياجات الصحية المتزايدة.


