واشنطن وطهران على حافة المواجهة: هل تتحول التهديدات العسكرية إلى حرب مفتوحة؟

كتب د. حسين الديك: لا تقتصر دلالات تصاعد التهديدات الأميركية ضد إيران، بما فيها التلويح باستخدام قنبلة «أم القنابل»، على استعراض التفوق العسكري، بل تعكس استراتيجية متعددة المستويات تسعى من خلالها واشنطن إلى رفع كلفة الرفض الإيراني، ودفع طهران إلى تقديم تنازلات في الملفات النووية والصاروخية ودورها الإقليمي، مع إبقاء الخيار العسكري حاضراً في حسابات الضغط والتفاوض. غير أن الانتقال من التهديد إلى التنفيذ يظل قراراً سياسياً واستراتيجياً تحكمه حسابات الردع ومخاطر التصعيد وتكاليف الحرب.
التهديد العسكري بوصفه أداة تفاوض
يمكن قراءة التصعيد الأميركي من خلال ثلاثة مستويات مترابطة: الحرب النفسية، والضغط الاستراتيجي، والاستعداد لاحتمال استخدام القوة. فعلى المستوى الأول، تستهدف واشنطن التأثير في حسابات القيادة الإيرانية وإظهار أن رفض المطالب الأميركية قد يقود إلى مواجهة أشد كلفة من العقوبات والحصار البحري والجوي. وعلى المستوى الثاني، تحاول الإدارة الأميركية تحويل التفوق العسكري إلى ورقة ضغط لانتزاع تنازلات سياسية وأمنية. أما المستوى الثالث، فيتعلق بإبقاء الخيارات العسكرية جاهزة في حال تعثر المسار التفاوضي.
وفي هذا السياق، تحدثت تقارير أميركية نُشرت في 15 و16 أكتوبر/تشرين الأول عن بحث خيارات عسكرية واسعة، بينها احتمال استخدام قنبلة MOAB، المعروفة باسم أم القنابل. لكن تداول هذه الخيارات لا يعني اتخاذ قرار نهائي باستخدامها، بل يعكس مستوى التصعيد في الخطاب السياسي والعسكري الأميركي.
وتكمن أهمية هذه القنبلة في قدرتها التدميرية الكبيرة بوصفها سلاحاً تقليدياً، لا نووياً، مصمماً لإحداث انفجار واسع فوق سطح الأرض. ومع ذلك، فإن استخدامها لا يضمن تدمير المنشآت النووية الإيرانية الأشد تحصيناً والمدفونة في أعماق الجبال. فالتفوق في القوة النارية لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف الاستراتيجية، كما أن إلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية لا يضمن تغيير سلوك النظام أو إنهاء قدراته النووية.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المواجهة
يتوقف مسار الأزمة على قدرة واشنطن وطهران على الموازنة بين الضغوط ومخاطر الحرب. ويمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
أولاً، التصعيد المحسوب: مواصلة التهديدات وتعزيز الضغط العسكري والاقتصادي، مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة. ويمنح هذا السيناريو واشنطن فرصة لاختبار مدى استعداد إيران لتقديم تنازلات من دون تحمل تكاليف حرب واسعة.
ثانياً، الضربة العسكرية: قد تلجأ الولايات المتحدة إلى هجوم محدود أو واسع إذا اعتبرت أن أدوات الضغط لم تحقق أهدافها. غير أن نجاح الضربات في تدمير منشآت أو إضعاف قدرات عسكرية لا يعني بالضرورة إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو تغيير توجهات القيادة. وقد يؤدي الهجوم، بدلاً من ذلك، إلى تعزيز النزعة التصعيدية داخل إيران وتوسيع دائرة المواجهة.
ثالثاً، الحرب الإقليمية المفتوحة: وهو السيناريو الأكثر خطورة، إذ قد ترد إيران عبر ساحات متعددة، بما يهدد أمن المنطقة والممرات البحرية وأسواق الطاقة، ويفتح الباب أمام مواجهة طويلة تتجاوز حدود الضربة الأولى. وعلى الرغم من التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي والقدرة على إلحاق دمار واسع بإيران، فإن حسم الحرب سياسياً يظل أكثر تعقيداً من تحقيق مكاسب عسكرية أولية.
نتنياهو بين الحسابات الأمنية والاستحقاق الانتخابي
لا يمكن فصل التصعيد مع إيران عن الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، خصوصاً مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، والانتخابات النصفية الأميركية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني. وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات بشأن احتمال توظيف بنيامين نتنياهو المواجهة الخارجية لتعزيز موقعه الانتخابي وإعادة ترتيب أولويات الناخبين.
وقد أشار تقرير نشره موقع «أكسيوس» في 13 أكتوبر/تشرين الأول إلى بحث نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب إمكانية استئناف العمليات العسكرية. وفي المقابل، نفى مكتب نتنياهو ما ورد في التقرير، فيما أعلن ترامب عدم رغبته في استئناف الهجمات قبل الانتخابات النصفية الأميركية. وتكشف هذه المواقف عن تباين محتمل في الحسابات السياسية، حتى مع استمرار التنسيق بين الحليفين.
كما اتهم زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد نتنياهو باستثمار التهديدات الأمنية في المنافسة الانتخابية، وهو موقف يعكس احتدام الصراع الداخلي، لكنه لا يشكل بحد ذاته دليلاً على أن الحرب باتت وشيكة.
ويمكن تفسير دوافع نتنياهو المحتملة من خلال ثلاثة اعتبارات. أولها، تحويل مركز النقاش الانتخابي من مساءلة الحكومة عن إخفاقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والأوضاع الاقتصادية وأزمة التجنيد، إلى القضايا الأمنية والتهديد الإيراني. وثانيها، إعادة توحيد معسكر اليمين عبر تقديم المواجهة مع إيران باعتبارها قضية تتجاوز الخلافات الحزبية. وثالثها، تعزيز صورته بوصفه شريكاً مؤثراً في واشنطن، مستفيداً من علاقته بترامب في مواجهة منافسين، من بينهم غادي آيزنكوت.
الخلاصة: حدود القوة ومخاطر الحسابات الخاطئة
تواجه واشنطن معادلة دقيقة: استخدام التهديد العسكري لانتزاع تنازلات من إيران من دون الانزلاق إلى حرب يصعب التحكم في مآلاتها. وفي المقابل، يواجه نتنياهو إغراء توظيف التوتر الإقليمي لتعزيز موقعه الداخلي، لكن أي تصعيد قد يفرض تكاليف أمنية واقتصادية وسياسية لا يمكن ضمان احتوائها.
وعليه، فإن السؤال المركزي ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك القدرة على توجيه ضربة مدمرة، بل ما إذا كانت هذه الضربة ستحقق أهدافها السياسية، أم ستفتح مساراً تصعيدياً جديداً. فالتفوق العسكري قد يحدد شكل المعركة الأولى، لكنه لا يضمن نتائجها النهائية؛ وقد تتحول استراتيجية الضغط، إذا أسيء تقدير ردود الفعل، من وسيلة لفرض التنازلات إلى مدخل لحرب إقليمية واسعة
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


