يونس العموري يكتب لوطن: واحة الديمقراطية المزعومة... دولة تقترع للاحتلال

تسوّق إسرائيل نفسها للعالم باعتبارها ( واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط)، وتحرص على تقديم انتخاباتها الدورية بوصفها الدليل الأبرز على اختلافها عن محيطها، وعلى انتمائها إلى منظومة الدول الديمقراطية التي تحترم إرادة الشعوب وحقوق الإنسان. لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هنا ليس ما إذا كان الإسرائيليون يذهبون إلى صناديق الاقتراع، ولا ما إذا كانت الأحزاب تتنافس على مقاعد الكنيست، وإنما ما إذا كانت هذه المظاهر الانتخابية كافية لمنح الدولة صفة الديمقراطية، بينما تقوم بنيتها السياسية على الاحتلال والتمييز والإقصاء، وتنتهج سياسات تنتهك أبسط حقوق شعب آخر في الحرية والكرامة وتقرير المصير.
أي ديمقراطية هذه التي تتغنى بصناديق الاقتراع، فيما تحرم شعبا كاملا من حقه في تقرير مصيره، وتفرض عليه الاحتلال العسكري، وتتحكم في أرضه وحركته وحياته ومستقبله؟ وأي ديمقراطية يمكن أن تتعايش مع منظومة من القمع والاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم المنازل وتهجير السكان، ومع اقتحام المدن والقرى والمخيمات، والقتل والاعتقال والحصار، وتحويل حياة ملايين الفلسطينيين إلى معاناة يومية مفتوحة؟ هل يمكن فصل الانتخابات الإسرائيلية عن السياسات التي تنتجها الحكومات المتعاقبة، أم أن صناديق الاقتراع نفسها أصبحت جزءا من منظومة تمنح الاحتلال غطاء سياسيا، وتعيد إنتاجه تحت لافتة الشرعية الديمقراطية؟
إن جوهر التناقض لا يكمن في وجود انتخابات من عدمه، بل في حدود الديمقراطية التي تتباهى بها إسرائيل، وفيمن تشملهم هذه الديمقراطية ومن تستثنيهم. فالديمقراطية ليست مجرد آلية لتداول السلطة بين أحزاب تتنافس على الحكم، وليست صندوقا يختار من خلاله المواطنون حكومتهم، ثم تنتهي مسؤولية الدولة عند حدودهم. إنها، قبل كل شيء، منظومة حقوق متساوية، ومواطنة لا تميز بين البشر على أساس هويتهم القومية أو الدينية، ومبدأ لا يجيز لشعب أن يحتكر الحرية لنفسه فيما يسلبها من شعب آخر.
ومن هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحا .. هل يتوافق تعريف إسرائيل لنفسها بوصفها (دولة يهودية) مع ادعائها أنها دولة ديمقراطية كاملة الحقوق؟ وكيف يمكن التوفيق بين دولة تجعل تقرير المصير القومي حقا حصريا للشعب اليهودي، وبين مبدأ المساواة الذي يفترض أن يكون أساس النظام الديمقراطي؟ إن قانون القومية الذي أقره الكنيست عام 2018 لم يكن مجرد نص قانوني عابر، بل عبّر بوضوح عن طبيعة التناقض القائم في بنية الدولة، حين كرّس الطابع القومي اليهودي للدولة، ومنح تقرير المصير القومي فيها للشعب اليهودي وحده، من دون أن يضع المساواة الكاملة لجميع المواطنين في المكانة التي تقتضيها دولة تدعي الديمقراطية.
فإذا كانت الديمقراطية تعني المساواة في الحقوق والانتماء، فكيف يمكن أن تستقيم مع تعريف قومي حصري للدولة؟ وإذا كان المواطن الفلسطيني داخل إسرائيل مواطنا يتمتع بحقوق متساوية، فلماذا يظل انتماؤه القومي موضع انتقاص، ولماذا تستمر الفجوات والتمييزات في مجالات الأرض والتخطيط والإسكان والموارد والفرص؟ أليست المواطنة المتساوية جوهر الديمقراطية، أم أن المطلوب من الفلسطيني أن يقبل بمواطنة منقوصة، وأن يتعايش مع دولة تطلب منه الولاء لهوية قومية لا تعترف به شريكا متساويا في تحديدها؟
ولا يتوقف هذا التناقض عند حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بل يمتد إلى الداخل الإسرائيلي نفسه، إلى البلدات العربية في المثلث والجليل والنقب، حيث يواجه الفلسطينيون تمييزا في التخطيط وتخصيص الأراضي والموارد، وتتعرض قرى بدوية لتهديد الهدم والاقتلاع، فيما تتواصل السياسات التي تضيق على الوجود العربي وتتعامل معه بوصفه مشكلة ينبغي احتواؤها، لا مكونا أصيلا من مكونات المجتمع له حقوقه القومية والمدنية الكاملة.
إن ما يجري في النقب، وما تواجهه البلدات العربية من تمييز وتضييق، وما يحيط بالوجود الفلسطيني من محاولات للمصادرة والتهجير، ليس تفصيلا خارج الصورة التي تسعى إسرائيل إلى تسويقها للعالم. إنه جزء من السؤال الأساسي حول طبيعة الدولة وحدود المساواة فيها. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بحق المواطن في التصويت، بل أيضا بحق الجماعة القومية في الوجود الآمن، وفي الأرض، وفي اللغة والثقافة والهوية، وفي المشاركة المتساوية في تقرير مستقبل البلاد التي يعيش أبناؤها عليها... ويأتي الاعتداء العنصري الذي تعرض له شبان دروز في تل أبيب، وفق ما تداولته التقارير الصحفية، بعد التحدث باللغة العربية، ليكشف جانبا آخر من هذه المفارقة. فحين يصبح التحدث بلغة عربية سببا للاستهداف والإهانة والاعتداء، وحين يجد مواطنون أنفسهم عرضة للعنف بسبب هويتهم أو لغتهم، فإن المسألة لا تعود حادثة أمنية معزولة يمكن تجاوزها ببيان إدانة، بل تطرح أسئلة جدية حول مناخ العنصرية والإقصاء، وحول الحدود الفعلية للمواطنة التي تزعم الدولة أنها تمنحها بالتساوي .... والمفارقة هنا أن الفلسطيني لا يواجه هذا الإقصاء في مكان واحد أو ضمن وضع قانوني واحد، فهناك فلسطيني يعيش تحت الاحتلال العسكري، وآخر يحمل الجنسية الإسرائيلية لكنه يواجه أشكالا من التمييز القومي والمدني، وثالث في القدس يتعرض للتهجير ومصادرة حقه في المدينة، ورابع في النقب مهدد بفقدان أرضه وبيته. تختلف الأدوات والظروف القانونية، لكن السؤال الذي يجمع هذه الوقائع هو .. كيف يمكن لدولة أن تقدم نفسها بوصفها نموذجا للديمقراطية، بينما تتوزع سياساتها بين الاحتلال والتمييز والإقصاء، وتظل الهوية الفلسطينية في مختلف مواقعها هدفا لسياسات تنتقص من حقوقها ووجودها؟
ولا تنقذ هذه الصورة الإشارة إلى وجود أصوات إسرائيلية تعارض الاحتلال أو تنتقد سياسات الحكومة. فالسؤال ليس ما إذا كان هناك أفراد أو مجموعات ترفع صوتها ضد الظلم، بل أين تقف هذه الأصوات في ميزان القوة السياسية، وما حجم تأثيرها في القرارات التي تصنع الواقع، وأي تغيير استطاعت فرضه على سياسات الاستيطان والاحتلال والتمييز؟ إذا كانت هذه الأصوات موجودة، فلماذا يستمر التوسع الاستيطاني؟ ولماذا تتواصل عمليات القتل والتهجير وهدم المنازل؟ ولماذا تتعاقب الحكومات، بمختلف تركيباتها، من دون أن يتوقف الاحتلال أو تتراجع منظومة السيطرة على الفلسطينيين؟ ..إن وجود معارضين لسياسات الدولة لا يمنح الدولة صكا بالديمقراطية، كما أن الاعتراض على بعض الممارسات لا يلغي المسؤولية عن منظومة تنتجها وتحميها وتعيد إنتاجها. فالديمقراطية لا تُقاس بما يقوله أفراد على هامش القرار، وإنما بما تفعله مؤسسات الدولة، وبطبيعة القوانين والسياسات التي تحكم حياة الناس، وبمدى قدرتهم على انتزاع حقوقهم كاملة من دون تمييز أو إخضاع.
وليس المقصود من هذا النقد إنكار الفروق بين الأنظمة السياسية في المنطقة، أو الادعاء بأن كل أشكال الحكم متطابقة، بل رفض استخدام هذه المقارنات لتبرير الاحتلال أو تخفيف وطأته أو منح إسرائيل استثناء أخلاقيا وسياسيا لا تستحقه. فحقوق الفلسطينيين ليست أقل قيمة لأن إسرائيل تجري انتخابات، وحقهم في الحرية لا يصبح قابلا للتأجيل لأن الأحزاب الإسرائيلية تتنافس على تشكيل الحكومات، كما أن جرائم الاحتلال لا تفقد طبيعتها لأن مرتكبيها يصلون إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع.
إن أخطر ما في الرواية الإسرائيلية ليس ادعاء الديمقراطية وحده، بل محاولة تحويل هذا الادعاء إلى درع يحمي الدولة من المساءلة، وإلى وسيلة لتقديم الاحتلال باعتباره شأنا منفصلا عن طبيعة النظام السياسي، وكأن ما يجري للفلسطينيين خارج حدود المواطنة الإسرائيلية لا علاقة له بالصورة الديمقراطية التي تروّجها إسرائيل عن نفسها. والحقيقة أن الاحتلال ليس هامشا في هذه الصورة، ولا استثناء مؤقتا يمكن عزله عن بنية الدولة، بل هو واقع ممتد تديره مؤسساتها، وتحميه حكوماتها، ويستفيد منه مشروعها الاستيطاني، وتستمر آثاره في حياة الفلسطينيين جيلا بعد جيل.
إن الديمقراطية التي تتوقف عند حدود جماعة قومية واحدة، وتسمح لها باحتكار تقرير المصير، فيما تحرم شعبا آخر من الحرية والسيادة على أرضه، ليست ديمقراطية مكتملة، مهما تعددت أحزابها وتكررت انتخاباتها. والدولة التي تطالب العالم بالاعتراف بخصوصيتها اليهودية، ثم تستخدم هذه الخصوصية لتبرير التمييز والإقصاء، لا تستطيع أن تتجاهل السؤال عن التناقض بين هويتها الحصرية ومبادئ المساواة التي تدعي تمثيلها.
وفي النهاية، لا يحتاج الفلسطيني إلى أن يثبت للعالم أن الاحتلال يناقض الديمقراطية ، فهذه حقيقة تكشفها الوقائع اليومية، من الاستيطان ومصادرة الأرض إلى القتل والاعتقال والتهجير، ومن التمييز داخل إسرائيل إلى حرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره. لكن ما يحتاجه العالم هو أن يتوقف عن التعامل مع الانتخابات الإسرائيلية بوصفها دليلا كافيا على ديمقراطية الدولة، وأن ينظر إلى ما وراء صناديق الاقتراع، إلى الإنسان الذي يُحرم من حريته، والأرض التي تُصادر، والبيت الذي يُهدم، والشعب الذي يُطلب منه أن يتعايش مع إنكار حقوقه.
فأي معنى للديمقراطية حين تكون حرية طرف قائمة على إخضاع طرف آخر؟ وأي قيمة لصندوق اقتراع يختار حكومة تواصل الاحتلال، فيما يظل الشعب الواقع تحت هذا الاحتلال محرومًا من أبسط حقوقه السياسية والوطنية؟ وأي ديمقراطية تلك التي تطلب من العالم أن يصفق لصناديقها، بينما تغلق في وجه شعب آخر أبواب الحرية وتقرير المصير؟
تلك هي المسألة التي ينبغي أن تواجه العالم .. ليست إسرائيل ديمقراطية لمجرد أنها تنتخب حكوماتها، وليست الانتخابات براءة سياسية وأخلاقية من جرائم الاحتلال. فالديمقراطية لا تُختبر فقط في حق من يصوّت، بل في حق من يُحرم من التصويت على مصيره، ولا تُقاس فقط بما تمنحه الدولة لمواطنيها، بل أيضا بما تسلبه من شعب آخر. وما دامت إسرائيل تواصل احتلال الأرض الفلسطينية، وتكرّس التمييز والإقصاء، وتتنكر لحق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير، فإن وصفها بأنها (واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط ) لن يكون سوى شعار سياسي يتهاوى أمام حقيقة الواقع.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


