د.فادي أبو بكر يكتب لوطن: الكل استفاد من تأجيل الانتخابات.. إلا الشعب الفلسطيني!

12.10.2026 09:41 AM

  تتمثل الأسباب المعلنة لتأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية وفقاً للمرسوم الرئاسي في استمرار الظروف السياسية والأمنية الصعبة، بما يشمل الاعتداءات الإسرائيلية والتوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين وقيود الحركة واحتجاز أموال المقاصة. كما استند المرسوم إلى الأوضاع الإنسانية والأمنية الصعبة في قطاع غزة، وعدم توافر الظروف الملائمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة. وأُعلن أن التأجيل يهدف أيضاً إلى إتاحة الفرصة لإجراء حوار وطني شامل يعزز الوحدة الفلسطينية ويعالج العقبات التي تواجه العملية الانتخابية، مع تكليف لجنة الانتخابات المركزية بالتحضير للاستحقاقات المقبلة والإشراف عليها.

ومع الإقرار بجدية هذه التحديات وأهمية الحوار الوطني، يبقى السؤال الأساسي: من استفاد من التأجيل، ومن تحمّل كلفته السياسية والديمقراطية؟ فبينما استمر غياب المجلس التشريعي المنتخب، بقي المواطن الفلسطيني محروماً من حقه في اختيار ممثليه ومحاسبة قياداته عبر صناديق الاقتراع.


الاحتلال الإسرائيلي.. المستفيد الأول من إلغاء الانتخابات الفلسطينية

لا جدال في كون الاحتلال الإسرائيلي المستفيد الأول من إلغاء الانتخابات الفلسطينية باعتبارها إحدى تجليات السيادة الوطنية ومظهراً من مظاهر ممارسة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره واختيار ممثليه وإدارة شؤونه عبر مؤسسات ديمقراطية منتخبة. فالانتخابات هي إحدى أهم خطوات ترسيخ الكيان السياسي الفلسطيني بما يعزز مقومات الدولة الفلسطينية التي تسعى السياسات الإسرائيلية إلى تقويض فرص قيامها وشطب إمكانية تجسيدها على أرض الواقع.

وفي هذا السياق، كان من الممكن أن يتحول الإصرار على إجراء الانتخابات رغم القيود والعقبات الإسرائيلية إلى معركة سياسية ودبلوماسية تضع إسرائيل أمام مسؤولياتها عن عرقلة العملية الانتخابية، وتدفع المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط فعلية لضمان مشاركة الفلسطينيين في اختيار ممثليهم، بما في ذلك في غزة والقدس. غير أن تأجيل الانتخابات أتاح لإسرائيل فرصة تجنّب جانب من هذه المواجهة، ونقل مركز النقاش من القيود التي تفرضها على الفلسطينيين إلى قرار القيادة الفلسطينية بالتأجيل ومسؤوليتها عنه.

وقد تجلّى هذا التوجه في تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي "جدعون ساعر" عقب المرسوم الرئاسي القاضي بتأجيل الانتخابات، والذي أكد فيه أن "إسرائيل لا تتحمل مسؤولية تأجيل الانتخابات". وبذلك لم يقتصر الموقف الإسرائيلي على التنصل من المسؤولية، بل أسهم في تحويل النقاش إلى سجال حول قرار القيادة الفلسطينية بدلاً من تركيزه على العوائق الإسرائيلية وتداعياتها على الحق الفلسطيني في ممارسة العملية الديمقراطية.

الفصائل الفلسطينية.. تجنّب اختبار الإرادة الشعبية خشية المحاسبة

استفادت بعض الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية من تأجيل الانتخابات، إذ جنّبها مواجهة استحقاق انتخابي كان من الممكن أن يكشف عن حجم شعبيتها الفعلية، ومدى ثقة المواطنين بقياداتها وبرامجها، فضلاً عن إخضاع أدائها السياسي والتنظيمي للمحاسبة الشعبية. فالانتخابات هي آلية ديمقراطية لتقييم أداء القوى السياسية ومساءلة قياداتها عن خياراتها وقراراتها.

إن توافق فصائل متنافسة ومتنافرة على مدى سنوات طويلة على تأجيل الانتخابات يثير تساؤلات جدية حول مدى استعدادها للاحتكام إلى الإرادة الشعبية وقبول نتائجها، خصوصاً إذا كانت تلك النتائج قد تهدد مواقعها ونفوذها. ويطرح ذلك احتمال أن يكون الخوف من خسارة المكاسب القائمة أو مواجهة المحاسبة الشعبية أحد العوامل التي تجعل إجراء الانتخابات عبئاً على بعض القوى، بدلاً من اعتباره استحقاقاً ديمقراطياً لا غنى عنه. وهكذا أسهم التأجيل في إبقاء موازين القوى القائمة وأرجأ إعادة تشكيل المشهد السياسي على أساس التمثيل الشعبي والمساءلة، فيما ظل المواطن الفلسطيني محروماً من حقه في اختيار ممثليه ومحاسبة قياداته عبر صناديق الاقتراع.


الاتحاد الأوروبي.. بين دعم الديمقراطية والاستفادة من تأجيل الانتخابات

قد لا يكون الاتحاد الأوروبي مسؤولاً عن قرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية، لكنه قد يكون أحد المستفيدين عملياً من استمرار هذا التأجيل، وإن لم تكن هذه الاستفادة ظاهرة أو معلنة. فغياب مجلس تشريعي منتخب يحدّ من الرقابة على السلطة التنفيذية، ويمنح المانحين الأوروبيين مساحة أوسع للتأثير في أجندة الإصلاحات المؤسسية والإدارية والمالية من خلال شروط الدعم والمساعدات، بعيداً عن رقابة تشريعية تستند إلى تفويض شعبي. ورغم إعلان فرنسا أسفها لتأجيل الانتخابات ودعوتها إلى استئناف المسار الانتخابي، فإن جدية الموقف الأوروبي لا تُقاس بالتصريحات وحدها، بل بمدى الاستعداد لممارسة ضغط سياسي فعلي لمعالجة العقبات التي تحول دون إجراء الانتخابات، وضمان مشاركة الفلسطينيين في غزة والقدس ، والضغط على الاحتلال الإسرائيلي لإزالة العوائق المفروضة على العملية الانتخابية.

وتتضح أبعاد هذه الاستفادة في ملفات جوهرية، أبرزها المناهج التعليمية ومخصصات الأسرى وعائلات الشهداء وأولويات الإنفاق الاجتماعي. فإجراء الانتخابات قد يفرز مجلساً تشريعياً يتمسك بالسياسات الفلسطينية في هذه المجالات، ويرفض تعديلها استجابةً لشروط المانحين أو ضغوطهم، بما يجعل التأثير الأوروبي في هذه الملفات أكثر تعقيداً، ويخضع أي تغييرات فيها للنقاش والتشريع والرقابة. أما استمرار غياب المجلس، فيُبقي السلطة التنفيذية أمام نفوذ أوسع للجهات الممولة، ويحدّ من قدرة مؤسسة منتخبة على مساءلتها بشأن مدى استجابتها للأولويات الوطنية والشعبية. ولا يعني ذلك أن الاتحاد الأوروبي يتعمد تعطيل الانتخابات، بل إن الوضع القائم قد يحقق له هامشاً أوسع للتأثير، من دون مواجهة مباشرة مع

مجلس تشريعي يمتلك شرعية شعبية وصلاحيات رقابية وتشريعية. وهنا يبرز السؤال: هل يقبل الاتحاد الأوروبي نتائج الانتخابات عندما تفرز مؤسسات وتشريعات لا تتوافق مع تفضيلاته، أم أن دعمه للديمقراطية يظل مرتبطاً بمدى انسجام مخرجاتها مع رؤيته السياسية؟.

إن الاختبار الحقيقي للموقف الأوروبي لا يكمن في إعلان الأسف على تأجيل الانتخابات، بل في الاستعداد لتحويل الخطاب الديمقراطي إلى ضغط سياسي ملموس يضمن إجراءها، واحترام استقلال القرار الفلسطيني، وقبول نتائجها مهما كانت توجهاتها. كما أن المطالبة الأوروبية بالشفافية والإصلاح المالي لا تمنح الأوروبيين حق تحديد الخيارات السياسية والتشريعية للفلسطينيين أو تجاوز إرادتهم الشعبية. فالمفارقة التي تستحق المساءلة هي أن الاتحاد الأوروبي قد لا يكون الطرف الذي يعطّل الانتخابات، لكنه قد يستفيد من استمرار غياب مجلس تشريعي منتخب يحدّ من نفوذه ويخضع سياسات السلطة للمساءلة. فالديمقراطية لا تتجسّد في إجراء الإنتخابات فحسب، بل بقبول نتائجها أيضاً حتى عندما تتعارض مع مصالح المانحين وتفضيلاتهم.


الشعب الفلسطيني.. الخاسر الوحيد

يبقى الشعب الفلسطيني الطرف الذي تحمّل الخسارة المباشرة والأعمق. فقد حُرم المواطنون من فرصة تجديد الشرعية السياسية واختيار ممثليهم ومحاسبة قياداتهم، واستمر غياب المجلس التشريعي بما يترتب عليه من إضعاف الرقابة على السلطة التنفيذية وتعطيل إحدى أهم آليات المساءلة الديمقراطية. ولم تقتصر الخسارة على حرمان المواطنين من ممارسة حقهم الانتخابي، بل امتدت إلى إضعاف ثقتهم بقدرة النظام السياسي على تجديد نفسه والاستجابة لمطالبهم وإتاحة المجال أمام التغيير السلمي عبر صناديق الاقتراع.

كان الأجدر التعامل مع العقبات التي تحول دون إجراء الانتخابات من خلال استراتيجية وطنية شاملة، تحوّل القيود الإسرائيلية إلى قضية دولية واضحة، وتحشد الضغط السياسي والقانوني لإزالتها، وتعمل على توفير الضمانات اللازمة لمشاركة الفلسطينيين في جميع أماكن وجودهم، بدلاً من أن يتحمل المواطنون وحدهم نتائج استمرار تعطيل مؤسساتهم المنتخبة.

وفي المحصلة، استفاد الاحتلال الإسرائيلي من تجنّب جانب من الضغوط السياسية والدبلوماسية المرتبطة بالعملية الانتخابية، واستفادت بعض الفصائل من تأجيل اختبار الإرادة الشعبية والمحاسبة، فيما أتاح غياب المجلس التشريعي استمرار العلاقة بين السلطة الفلسطينية والجهات المانحة في ظل رقابة غائبة. أما الشعب الفلسطيني فلم يجنِ من التأجيل مكسباً ديمقراطياً ملموساً، بل خسر فرصة تجديد الشرعية ومساءلة قياداته والمشاركة في تحديد مستقبل قراره الوطني.

إن الخطر الأكبر في تأجيل الانتخابات لا يقتصر على تأخير تشكيل مجلس تشريعي جديد، بل يمتد إلى تعميق فجوة الثقة بين المجتمع والقوى السياسية، وتكريس شعور المواطنين بأن القرار الوطني يُدار بعيداً عن إرادتهم. وكلما طال غياب صناديق الاقتراع، تراجعت فرص تجديد الحياة السياسية على أسس ديمقراطية وتعددية، وازدادت صعوبة استعادة الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم السياسية.

إن استمرار التهميش السياسي وتراجع الثقة بالمؤسسات في ظل غياب القنوات الديمقراطية التي تتيح للمواطنين التعبير عن إرادتهم والمشاركة في صنع القرار، قد يؤدي إلى تصاعد الاحتقان الشعبي واتساع الخطابات المتطرفة وتزايد مخاطر العنف الداخلي والاقتتال، بما يهدد النسيج الاجتماعي الفلسطيني ويضعف القدرة على مواجهة التحديات الوطنية.

وفي ظل استمرار الانقسام وتعطّل المساءلة وانسداد آفاق التغيير السلمي، يصبح تأجيل الانتخابات أكثر من مجرد تعطيل لاستحقاق ديمقراطي. وقد يتحول إلى عامل إضافي في تعميق أزمة الثقة والشرعية، وتوسيع الفجوة بين الشعب وقياداته. ومن هنا، فإن استعادة المسار الانتخابي هي ضرورة سياسية ووطنية ملحّة لتجديد الشرعية وإعادة بناء الثقة وتعزيز الشراكة الوطنية وضمان حق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه ومحاسبة قياداته، بما يحصّن المجتمع من مخاطر الانقسام والاضطراب، ويفتح أمامه أفقاً للتغيير والتجديد على أساس الإرادة الشعبية.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير