د. أحمد رفيق عوض يكتب لوطن: القاع

هناك، بعيدًا وعميقًا، في الدرك الأسفل، تتساوى الأشياء وتتوازى، ولا فضل لأحد على أحد. لا فرق بين الحكمة والجبن، ولا تمييز بين الشجاعة والتهور. ففي القاع ما يكفي من الظلام والإظلام، والضلال والإضلال، ما يقود إلى العمى والعجز والخور والانكشاف، ويجعل الحدود والحمى واللحم والدم والزيت والعسل جميعها مباحة، لا حرمة لشيء منها ولا قيمة.
الذين ينحدرون إلى القاع يفقدون القدرة على القرار والمبادرة، ويتخلون عن الجميل والأصيل، ويقتلون الأيائل والظباء، ثم يقذفون بالظبى بعيدًا، كأنهم ينتقمون من كل ما يذكّرهم بالحياة. إنهم يفقدون القدرة على الاستنباط والاستنتاج والقياس والمقارنة، ويستسلمون للنقار والنقاش الشبيه بالقوقأة، ويدخلون فراغًا لا يتردد فيه سوى الصدى، ولا يُتخيَّل فيه سوى الإنجاز.
المنحدرون إلى القاع يستعيضون عن الواقع بالانفصال عنه، وعن الفعل بالتغني به، وعن القرار الصائب بالتحذير منه. يتمسكون بمواقفهم كأنها أصنام تُعبد، ويرفضون الانطلاق إلى الغابة خوفًا من وحوش لا وجود لها إلا في مخيلتهم. وحين يفيقون، أو يظنون أنهم أفاقوا، يكتشفون أنهم في القاع؛ حيث لكل شيء اسم مختلف، وحيث تختلط الأسماء بالقيم، والأفعال بالمرجعيات، حتى يصبح الصواب موضع ريبة، والخطأ وجهة نظر، والتناقض دليلًا على المرونة.
ذلك أن وعي القاع ليس كوعي السطح. إنه وعي قاصر وقامع وقاهر، انتهازي وفهلوي ومتقلب، منافق ومتناقض واستحواذي. إنه وعي مريض لا يدرك مرضه، ولا يرغب في التداوي منه. يدّعي امتلاك كل شيء، ونقيض كل شيء؛ فهو ليبرالي وحداثي وما بعد حداثي ورقمي ورقميّ أكثر مما يحتمل الرقم، وهو تقليدي وتقليديّ أكثر مما يحتمل التقليد. يرفع الشعارات حين تخدمه، ويتخلى عنها حين تصبح عبئًا عليه. لا تشد إيدي ولا تشد إيدك؛ فالمهم ألّا يتحمل أحد مسؤولية الوصول إلى القاع.
والذين يصلون إلى القاع لا يبلغونه دفعة واحدة، بل ينحدرون إليه بالتدريج. يتخلون أولًا عن المشتركات، ثم عن المناهج، فالوسائل، فالتعريفات. وبعد ذلك يلجؤون إلى التسويق والتبرير والتزويق والترقيع والتأليف، حتى يصبح التخيل بديلًا عن الحقيقة، ويغدو الانفصال عن الواقع انتصارًا عليه. وهكذا، خطوة بعد خطوة، يرتطمون بأرض القاع الرطبة اللزجة، حيث تتكاثر الزواحف والكائنات الخرافية، بأفواه محشوة بالأسنان، تنزّ منها السوائل المقرفة، فيما يتوهم الساقطون أنهم بلغوا قمة الحكمة، وأن الآخرين هم الذين لم يفهموا الطريق.
لكن، هل من نقطة ضوء في هذا القاع المحيط والشامل؟ هل ثمة ما يستحق أن نتمسك به وسط هذا الظلام الذي يبتلع المعايير، ويخلط الحقيقة بالوهم، ويجعل الانحدار موقفًا، والعجز حكمة، والاستسلام واقعية؟
بالتأكيد، ثمة ضوء. ضوء لا يأتي من القاع نفسه، ولا من أولئك الذين اعتادوا عتمته حتى صارت جزءًا من بصيرتهم العمياء. إنه ضوء التذكير بأن الأحوال لا تدوم، وأن موازين القوة ليست قدرًا أبديًا، وأن ما يبدو اليوم ثابتًا قد يتغير غدًا، وأن القاع، مهما اتسع، ليس نهاية التاريخ.
ولا أرى هذا الضوء إلا في قول العليم الحكيم: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


