خطر الحذف والإزالة الذي يتهدد "خربة دير سمعان" الفلسطينية

كتب: عوني شوامرة
مختص في علم الآثار
توضيح
تردد في وسائل الإعلام المحلية والعربية، في الأسبوع الأخير اسم خربة "دير سمعان" الأثرية، بعد أن أخطرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الطرف الفلسطيني بتاريخ 5 أيلول 2020م، بقراره الاستيلاء عليها، ونشرت إعلاناً مكتوباً باللغة العبرية يفيد بالاستيلاء على الموقع المذكور؛ وتبلغ مساحتها ستة دونمات و57 مترا مربعا مسجلة حسب المالية بقطعة رقم 2 تحت اسم خربة "دير سمعان"، وذلك بهدف توسيع المستعمرات القريبة من الخربة، والتأسيس لإنشاء مستعمرة جديدة ستعرف باسم (ليشيم) على أراضي قريتي دير بلوط وكفر الديك في محافظة سلفيت.
الموقع الجغرافي:
تقع خربة دير على بعد كيلومترين شرق قرية دير بلوط وإلى الغرب من كفر الديك، وترتفع حوالي 360م عن سطح البحر، وهي تقع بدورها بالقرب من الطريق الروماني الذي كان يربط السهل الساحلي الفلسطيني مع الجبال الوسطى، فيبدأ منطقة رأس العين (Antipatris) على الساحل الفلسطيني ويمر عبر وادي دير بلوط وبمحاذاة دير قلعة يتفرع الطريق إلى اتجاهين، أحدهما باتجاه قرية عابود، والآخر باتجاه كفر الديك- سلفيت وصولا إلى نابلس، يتمتع المكان بإطلالة مميزة أكسبته بعداً استراتيجيا لأغراض المراقبة والسيطرة العسكرية.
.jpg)
خارطة تظهر دير سمعان والأديرة المحيطة بها 1943
تم توثيق وتسجيل الموقع لأول مرة من خلال المسح البريطاني ( مسح غرب فلسطين ) في نهاية القرن التاسع عشر. ثم تلاه مسوحات أخرى وحفريات غير شرعية من قبل سلطة الآثار الإسرائيلية بهدف دارسة الموقع قبل وأثناء أنشاء المستوطنة المسماة ( عاليه زاهاف - Alei Zahav (عليه، حيث اقيمت المستوطنة بعد مصادر الأرضي من مالكيها من قرتي كفر الديك ودير بلوط.
.jpg)
أعمال التجريف والتدمير لمحيط خربة دير سمعان الجهة (الشمالية الشرقية) بهدف بناء المزيد من المباني في المستوطنة
تاريخ الموقع :
كشفت التنقيبات الأثرية بدورها عن ثلاث مراحل استيطان مختلفة تعاقبت على الموقع.
المرحلة الأولى: الفترة الرومانية المتأخرة، حيث شيدت على الموقع قلعة ذات شكل مستطيل تقريبا أبعادها(39× 36.5)متراً، وللقلعة فناء مركزي رصفت أرضيته بالفسيفساء غير الملونة، ويحيط بالفناء العديد من الغرف، وكانت القلعة مزودة بالتحصينات والأبراج الدفاعية، بغرض تعزيز دورها الاستراتجي المتمثل في حماية الطريق الروماني، علما أن الدراسات السابقة للموقع قد خلصت أن الموقع يعود للفترة الرومانية المتأخرة، وقد أستخدم كعزبة زراعية.
المرحلة الثانية: الفترة البيزنطية، بعد أن هجر الموقع خلال فترة وجيزة أعيد استخدامه كدير خلال القرن السادس الميلادي، وقد تميزت هذه الفترة بتبني اعتناق المسيحية، واعتباره الدين الرسمي للدولة البيزنطية، حيث شهدت فلسطين بشكل عام حركة عمرانية مميزة طوال الفترة البيزنطية، فقد شيدت مئات الكنائس والأديرة فيها، ويعد دير سمعان واحد من سلسلة من الأديرة التي أقيمت في تلك منطقة مثل، دير دقلة، دير المير، دير قلعة، ويتطابق دير سمعان من حيث الشكل والتخطيط مع تلك الأديرة، حيث كانت زراعة الكرمة والزيتون هما أهم المقومات الإقتصادية لها.
شُيد دير سمعان على أنقاض أساسات القلعة الرومانية مع بعض التعديلات والإضافات التي طالت النظام المائي للموقع بشكل عام، من آبار وأحواض وبرك مقطوعة في الصخر، ضم الدير كنسية رُصفت أرضيتها بالفسيفساء الملونة، علاوة على العديد من الغرف السكنية والخدماتية التي كانت تخص الرهبان، تنتشر العديد من الحجارة التي يظهر عليها الصلبان المنحوتة، إلى جانب ذلك وجود العديد من معاصر العنب، والتي تدل على انتشار واسع لزراعة الكرمة في محيط الموقع، وقد كانت تلك الزراعة إحدى أهم المقومات الإقتصادية التي يقوم عليها اقتصاد الدير بشكل عام. عثر في الموقع على قطع نقدية(عملة) تعود أقدمها إلى فترة قسطنطينوس جالوس "Constantius Gallus" (351- 354)م وبعض القطع الأخرى تعود لنهاية القرن الرابع الميلادي.
المرحلة الثالثة: الفترة الإسلامية، مع نهايات الفترة البيزنطية تعرضت فلسطين بشكل عام للاحتلال الفارسي عام (614)م، حيث أقدم الاحتلال الفارسي وبالتعاون مع بقايا اليهود على حرق وتدمير الكنائس والأديرة، وارتكاب أبشع المجازر فيها، حينها هجرت الغالبية العظمى من دور العبادة المسيحية بسبب هذا القتل والتدمير، ثم أعيد ترميم واستخدم بعضها بعد أن استطاع هرقل الانتصار على الفرس عام (629)م، ومع مطلع (631)م تعرضت فلسطين لهزة أرضية قوية دمرت المساكن ودور العباد، وبالتالي هُجِرت دير سمعان لسنوات عديدة، ثم أعيد استخدامه في الفترة الأموية، وقد أضيفت في تلك الفترة الكثير من معاصر الزيتون في الموقع، والتي لازالت ماثلة للعيان، تم العثور على بقايا فخارية في الموقع ترجع للعهدين الأموي والعباسي، ومنذ العهد العباسي هُجِر المكان بشكل كامل وفي الفترة اللاحقة استُخدم المكان كعزبة لأغراض الزارعة والرعي من قبل بعض العائلات الفلسطينية.
.jpg)
إعادة تصور لدير سمعان
تصنيف الموقع أثريا:
تصنف خربة دير سمعان من قبل قطاع الآثار والتراث الثقافي الفلسطيني – وزارة السياحة والآثار ضمن المواقع الرئيسية والمهمة. علماً أن المناطق التي احتلت من فلسطين عام 1967 تضم وحدها (6963) موقعاً ومعلماً أثرياً، وحسب اتفاق أوسلو، فقد تم تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق(أ+ ب+ج)، وبالتالي أصبحت الغالبية الساحقة من المواقع الأثرية تقع ضمن المنطقة(ج) حسب الاتفاق وقد نص على عدم وجود أي نوع من السيطرة أو الإدارة الفلسطينية على تلك المواقع، فأصبحت لقمة سائغة للاحتلال بالتصرف بالموقع وفق رؤية الاستيطانية وروايته الدينية المزعومة.
.jpg)
جدول يظهر نسبة المواقع الأثرية الواقعة ضمن(أ+ ب + ج)
التنقيبات الأثرية من قبل الاحتلال والاتفاقيات الدولية:
ما قام به الاحتلال الصهيوني من تجريف وتخريب ومصادرة أو حتى تنقيبات أثرية في خربة دير سمعان أو أي موقع أثري آخر يعتبر خرقا فاضحا لكافة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتراث والممتلكات الثقافية الفلسطينية، ومنها: اتفاقية لاهاي لعام 1954م والتي ركزت على ضرورة الحفاظ على الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، ومنع المحتل من العبث بتراث الأرض الواقعة تحت احتلاله، كذلك اتفاقية اليونسكو في عام 1972م التي تعتبر من أهم التوصيات الدولية واشملها في مجال حفظ التراث الثقافي وحمايته.
تم الاعتراف بدولة فلسطين كعضو كامل في اليونسكو في عام 2011، علاوة على ذلك منحت فلسطين صفة مراقب غير عضو من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2012، وقد انضمت فلسطين إلى عدد كبير من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتراث الثقافي، بما في ذلك اتفاقية لاهاي 1954 واتفاقية التراث العالمي لعام 1972. ولعل انضمام فلسطين كعضو دائم في اليونسكو يساهم في طرح كافة القضايا التي تحاول تدمير المواقع الأثرية وتسهم في فضح الممارسات الإسرائيلية بحق التراث الثقافي الفلسطيني أمام العالم بأسره، وبالتالي إماطة اللثام عن وجه الاحتلال الحقيقي الذي طالما يتم تجميله إقليمياً وعالمياً. إلى جانب ذلك أصبح من الضروري نشر الوعي بالموروث الثقافي الفلسطيني وإبراز أهمية محليا وإقليميا ودوليا كرمز أصيل للهوية الوطنية الفلسطينية، الذي يسعى الاحتلال دوما لطمسها واختلاق تاريخ مختلق ومفترض، ومحو الذاكرة الفلسطينية المرتبطة بالمكان بهدف السيطرة على الأرض.


