تأجيل الانتخابات الفلسطينية: تقاطع المصالح أم بوابة لإنهاء الانقسام وتجديد الشرعية؟

14.10.2026 05:30 PM

كتبت: تمارا حداد

إن التقارب في المواقف بين الرئاسة الفلسطينية وحركة حماس بشأن تأجيل الانتخابات يجب أن يُقرأ في سياق الضغوط السياسية والميدانية التي يعيشها الفلسطينيون، وليس بالضرورة باعتباره مؤشراً على تفاهم استراتيجي جديد. فالإتفاق على التأجيل لا يعني التوصل إلى رؤية مشتركة لإعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة والديمقراطية.

قد يكون هذا التقارب تقاطعاً في المصالح فرضته طبيعة المرحلة؛ فالسلطة الفلسطينية تواجه تحديات تتعلق بالشرعية والضغوط الإسرائيلية، بينما تواجه حماس تحديات مرتبطة بالحرب على غزة ومستقبل إدارة القطاع وإعادة الإعمار. وقد يجد الطرفان أن تجنب المواجهة السياسية يخدم حساباتهما الآنية، دون تجاوز الخلافات العميقة بينهما.

السؤال الجوهري هو: هل سيتحول هذا التقاطع إلى مسار وطني شامل؟ يتطلب ذلك الانتقال من التفاهم على تأجيل الانتخابات إلى الاتفاق على قواعد جديدة للعمل السياسي، تشمل الشراكة في اتخاذ القرار، وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وتعزيز المؤسسات المنتخبة، وضمان التداول الديمقراطي للسلطة.

إن المشكلة لا تكمن في التأجيل وحده، بل في غياب أفق سياسي واضح يحدد متى وكيف ستُستعاد الحياة الديمقراطية. فالإعلان عن موعد جديد لا يكفي ما لم تصاحبه ضمانات تمنع تكرار التأجيل واستمرار إدارة الأزمة بدلاً من معالجة جذورها.

ولا يمكن إنكار أن الظروف الميدانية تشكل عائقاً أمام الانتخابات الشاملة. فالقدس الشرقية تواجه قيوداً إسرائيلية على مشاركة الفلسطينيين، والضفة الغربية تشهد اقتحامات وتوسعاً استيطانياً وقيوداً على الحركة، فيما تعاني غزة تداعيات الحرب والدمار والأزمة الإنسانية، فضلاً عن غياب الترتيبات اللازمة لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة. وقد حُدد الحادي عشر من سبتمبر 2027 موعداً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن.

لكن الاعتراف بهذه العقبات لا يعفي القيادة الفلسطينية من مسؤولية الإجابة عن سؤال الشرعية الديمقراطية. فهناك فرق بين تأجيل الانتخابات بسبب استحالة إجرائها فعلياً، وتحويل الظروف الاستثنائية إلى مبرر مفتوح لتعطيل الاستحقاقات السياسية.

من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة مزدوجة تقوم على مواجهة الاحتلال الذي يعيق ممارسة الفلسطينيين حقوقهم السياسية، ومساءلة المؤسسات الفلسطينية لضمان عدم تحول هذه العوائق إلى حالة دائمة من تعطيل الديمقراطية. فالقدس جزء أساسي من معركة السيادة والهوية الفلسطينية، لكن تعذر إجراء الانتخابات فيها لا ينبغي أن يؤدي إلى تعليق حق الفلسطينيين في اختيار قيادتهم إلى أجل غير محدد.

أما المعارضة الفلسطينية، فإن قدرتها على التأثير ترتبط بامتلاك أدوات سياسية وشعبية تحول الاعتراض إلى ضغط فعلي. فالرفض وحده لا يكفي، بل المطلوب برنامج يدافع عن الحق في الاقتراع، ويطالب بضمانات زمنية وقانونية، ويراقب التحضيرات الانتخابية.

ويمكن للقوى المعارضة التحرك عبر ثلاثة مسارات: الحوار الوطني الشامل للتوصل إلى اتفاق بشأن الانتخابات وإصلاح المؤسسات؛ والضغط الشعبي والإعلامي السلمي للمطالبة بتنفيذ الاستحقاقات؛ والمسار القانوني والمؤسسي، من خلال المطالبة بضمانات مكتوبة وآليات متابعة شفافة للتحضيرات.

ويتمثل التحدي أمام المعارضة في بناء موقف وطني موحد، فيما تقع على السلطة مسؤولية إثبات أن موعد 2027 التزام قابل للتنفيذ، وليس مجرد إعلان جديد. ويتطلب ذلك اتخاذ خطوات عملية منذ الآن، بدلاً من انتظار اقتراب الموعد لمناقشة العقبات نفسها.

يمثل الحوار الوطني فرصة لمعالجة الأزمة الفلسطينية، لكنه لن ينجح إذا اقتصر على إدارة الخلافات. المطلوب حوار يتناول جوهر الانقسام، ويعيد تعريف العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير والفصائل، ويضع تصوراً موحداً لمستقبل غزة والضفة الغربية والقدس.

ويتطلب نجاح هذا المسار استعداداً متبادلاً لتقديم تنازلات سياسية حقيقية. فلا يمكن تحقيق وحدة مستدامة مع استمرار احتكار القرار أو غياب المساءلة والتجديد الديمقراطي. كما تحتاج الشراكة إلى قواعد واضحة لإدارة الخلاف، واحترام نتائج الانتخابات، وتحديد مسؤوليات المؤسسات المدنية والأمنية.

وفي غزة، ينبغي أن تكون الأولوية لوقف الحرب، وتوفير المساعدات الإنسانية، وإعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الأساسية، وضمان إدارة فلسطينية موحدة تستند إلى الشرعية والكفاءة والمساءلة. كما يجب منع فصل القطاع سياسياً وإدارياً عن الضفة الغربية، لأن وحدة الجغرافيا الفلسطينية شرط أساسي للحفاظ على المشروع الوطني.

وتؤثر الضغوط الإقليمية والدولية في مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، خصوصاً في ملفات التمويل وإعادة الإعمار والترتيبات الأمنية. غير أن توحيد الموقف الفلسطيني يمنح القيادة مساحة أكبر للتفاوض والدفاع عن الأولويات الوطنية، ويحد من فرض ترتيبات تتعارض مع الإرادة الفلسطينية.

إن الشراكة الحقيقية لا تعني تقاسم فتح وحماس السلطة فحسب، بل اتفاقهما مع بقية القوى على قواعد مشتركة لإدارة النظام السياسي والخضوع لإرادة الشعب وصندوق الاقتراع. فالوحدة ليست اتفاقاً بين قيادات الفصائل فقط، بل عقد سياسي يعيد الثقة بين المواطن ومؤسساته.

لذلك، يُقاس نجاح الحوار بنتائجه العملية، من خلال إصلاح منظمة التحرير وتوسيع المشاركة فيها، وتوحيد المؤسسات الفلسطينية، ووضع جدول زمني واضح للانتخابات، وإنشاء آليات متفق عليها لإدارة المرحلة المقبلة، وضمان عدم تعطيل الاستحقاقات مجدداً دون أسباب موضوعية ومعلنة.

نحن أمام لحظة يمكن أن تصبح مدخلاً لاستعادة الوحدة الوطنية، أو أن تبقى تقاطعاً مؤقتاً بين مصالح القوى الفلسطينية. فلا يكفي أن تتفق السلطة وحماس على تأجيل الانتخابات، بل ينبغي أن تتفقا على إنهاء الانقسام وتجديد الشرعية وإعادة بناء المؤسسات ديمقراطياً.

إن التحدي الأكبر هو الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة حلها. فالشعب الفلسطيني، في ظل الحرب والاستيطان والأزمة الاقتصادية وتراجع الثقة بالمؤسسات، يحتاج إلى قيادة تستمد شرعيتها من المشاركة الشعبية، ونظام سياسي قادر على توحيد القرار وحماية الحقوق الوطنية.

ومن هنا، يجب أن يكون موعد 2027 محطة لتجديد الشرعية وإنهاء الانقسام، لا حلقة جديدة من التأجيلات، بما يعيد الثقة بين الشعب ومؤسساته.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير