بين غضب المُستهلك وخسائر اللحامين.. من يدفع ثمن جنون أسعار اللحوم الحمراء؟
نقابة أصحاب الملاحم وتجار المواشي لـوطن: مقاطعة اللحوم الحمراء لن تُنقذ جيوب الفلسطينيين.. الحل يبدأ بإنعاش الثروة الحيوانية ودعم مربي الثروة الحيوانية
وطن للأنباء: في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للأسر الفلسطينية تحت وطأة الأوضاع الاقتصادية الصعبة، لم تعد اللحوم الحمراء سلعة متاحة بيسر على موائد كثير من العائلات، بعدما وصلت أسعار كيلوغرام لحم الخروف إلى نحو 125 شيكلاً، وتجاوزت ذلك في بعض المناطق إلى 135 شيكلاً، وفق إفادات نقابة أصحاب الملاحم وتجار المواشي في فلسطين.
وفي مواجهة هذه الأسعار، أطلقت جمعية حماية المستهلك الفلسطيني ونشطاء محليون حملة «بلاها اللحمة» خلال تشرين الأول - أكتوبر 2026، بهدف مقاطعة شراء اللحوم الحمراء والضغط على المستوردين واللحامين لخفض الأسعار، في ظل اتساع الفجوة بين أسعار اللحوم ودخول المواطنين.
لكن الحملة فتحت، في المقابل، نقاشاً بشأن الجهة التي تتحمل مسؤولية ارتفاع الأسعار، وحدود دور أصحاب الملاحم، ومدى قدرة المقاطعة على إحداث تغيير مستدام في السوق، في وقت تتراجع فيه الثروة الحيوانية المحلية وتزداد الحاجة إلى حلول تتجاوز خفض الطلب مؤقتاً.
- اللحوم تغيب عن موائد الأسر الفلسطينية.. سعر كيلو الخاروف يرتفع من 90 إلى 125 شيكلاً خلال العامين الأخيرين
تعكس أسعار اللحوم الحمراء، وفق المعطيات التي أوردها ممثلو نقابة اللحامين، ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بمطلع العام 2025، حين كانت الأسعار تتراوح بين 90 و100 شيكل للكيلوغرام، قبل أن تصل إلى مستويات أعلى خلال الأشهر الأخيرة.
ويربط أصحاب الملاحم هذا الارتفاع بتراجع القدرة الشرائية، وضعف الحركة الاقتصادية، وتداعيات العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، وما رافقه من تراجع في دخل الأسر وتفاقم الأعباء المعيشية.
وفي ظل هذه الظروف، تسعى حملة «بلاها اللحمة» إلى الضغط على السوق من خلال خفض الطلب، على أمل دفع المستوردين واللحامين إلى مراجعة الأسعار، وتعزيز المنافسة بما يتيح للمستهلك الحصول على اللحوم بأسعار تتناسب مع قدرته الشرائية.
وتترافق الحملة مع مطالب بإعادة تنظيم حصص استيراد اللحوم، وتشديد الرقابة على الملاحم، والتمييز بين اللحوم البلدية والمستوردة من خلال أختام واضحة، إلى جانب تحرك الجهات الرسمية لمعالجة الأزمة.
- النبالي: كيلو لحم الخروف يجب ألّا يتجاوز 70 شيكلاً .. واللحامون لا يتحملون مسؤولية الارتفاعات الجنونية على الأسعار
رئيس نقابة أصحاب الملاحم وتجار المواشي في فلسطين، عمر النبالي، يرى أن أزمة أسعار اللحوم ليست وليدة اللحظة، بل تراكمت على مدار سنوات، رغم وجود حلول ممكنة، وفق قوله، إلا أن الجهات المختصة لم تتخذ إجراءات كافية لمعالجتها.
ويقول النبالي خلال حديثه لبرنامج "شد حيلك يا وطن"، ويُبث عبر شبكة وطن الإعلامية، إن سعر كيلو لحم الخاروف ينبغي ألا يتجاوز 70 شيكلاً، في حين وصل السعر حالياً إلى نحو 125 شيكلاً، وتجاوز 135 شيكلاً في بعض المناطق، معتبراً أن هذه الأسعار لا تتناسب مع واقع دخل الأسرة الفلسطينية.
وفي تعليقه على حملة «بلاها اللحمة»، يؤكد النبالي أن النقابة لا تعارض التحركات الشعبية والمجتمعية الهادفة إلى خفض الأسعار، لكنه يرفض تحميل أصحاب الملاحم كامل المسؤولية عن الارتفاعات، مشيراً إلى أن اللحامين أنفسهم بادروا في فترات سابقة إلى التوقف عن الذبح احتجاجاً على الأوضاع القائمة.
ويضيف أن اللحامين يمثلون حلقة وصل بين الموردين والمستهلكين، وأن زيادة المبيعات تصب في مصلحتهم، لكن ضعف القدرة الشرائية وتراجع حركة البيع يضعان الملاحم أمام أعباء مالية متزايدة.
- النبالي: دعم الثروة الحيوانية وتنظيم الاستيراد مفتاح خفض أسعار اللحوم
وخلال حديثه يضع النبالي إنعاش الثروة الحيوانية المحلية في صدارة الحلول المطلوبة، معتبراً أن خفض الأسعار بصورة مستدامة يحتاج إلى زيادة الإنتاج المحلي، ودعم مربي المواشي، وتوفير مدخلات الإنتاج بأسعار أقل.
ووفق الأرقام التي أوردها، تراوح عدد رؤوس الأغنام في فلسطين، قبل نحو عشر سنوات، بين 850 ألفاً ومليون رأس، فيما تراجع العدد بنحو 150 ألف رأس خلال الفترة الأخيرة، في مؤشر، إلى حجم التراجع الذي أصاب القطاع.
ويحذّر من أن استمرار هذا المسار سيضعف قدرة السوق المحلية على تلبية احتياجاتها، ويزيد الاعتماد على الاستيراد، بما قد ينعكس على الأسعار والأمن الغذائي.
ويؤكد أن دعم المزارعين ومربي المواشي، وتوفير الأعلاف بإعفاءات ضريبية أو بضرائب صفرية، يمثلان مدخلاً أساسياً لتقليل كلفة الإنتاج وتشجيع الاستثمار في تربية الأغنام.
كما يدعو إلى فتح المجال أمام الشباب لإقامة مشاريع جديدة في قطاع الثروة الحيوانية، بما يوفر فرص عمل، ويعزز الإنتاج المحلي، ويحد من الاعتماد المتزايد على اللحوم المستوردة.
عضو نقابة اللحامين علاء سرطاوي: «اللحامون بين المطرقة والسندان.. والملاحم تواجه أعباء مالية وخسائر متزايدة»
من جهته، يقول علاء سرطاوي، وهو لحام من قرية سرطة بمحافظة سلفيت ويمتلك ملحمة في بلدة بديا بمحافظة سلفيت، وعضو في نقابة اللحامين، إن الأزمة تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تبدأ بدعم المزارع الفلسطيني، ولا تنتهي عند تنظيم الاستيراد ومراقبة الأسعار.
ويشير سرطاوي إلى أن مربي المواشي يواجهون ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج، في ظل غياب الدعم الكافي للأعلاف ومدخلات الإنتاج، مطالباً الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة الزراعة، بدراسة إعفاء الأعلاف من الضرائب أو تخفيفها، ومساندة المزارعين الذين يواجهون ظروفاً اقتصادية صعبة.
ويحمّل سرطاوي وزارة الاقتصاد الوطني مسؤولية متابعة تنظيم الاستيراد وتحديد هوامش الربح ومراقبة الأسعار، معتبراً أن اللحامين أصبحوا في مواجهة مباشرة مع غضب المستهلكين، رغم أن كلفة شراء المواشي وتشغيل الملاحم تحدّ من قدرتهم على خفض الأسعار.
ويقول إن الاعتقاد بأن اللحام يحقق أرباحاً تعادل 100% من سعر الكيلوغرام لا يعكس، واقع العمل في القطاع، موضحاً أن الملاحم تتحمل نفقات تشغيلية وخسائر مرتبطة بتراجع المبيعات وتلف اللحوم غير المباعة.
ويلفت إلى أن بعض المتاجر الكبرى تعرض كيلوغرام لحم الخروف بأسعار تصل إلى نحو 75 شيكلاً، بينما يجد أصحاب الملاحم صعوبة في منافسة هذه العروض في ظل التكاليف التي يتحملونها، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يدفع مزيداً من الملاحم إلى الإغلاق.
- عضو نقابة اللحامين أمير عودة: الملاحم تخسر مع تراجع القدرة الشرائية، و«إذا استمر تراجع الثروة الحيوانية، سيزيد الاعتماد على اللحوم المستوردة وسترتفع الاسعار
بدوره، يقول أمير عودة، وهو لحام من بلدة كفر ثلث في محافظة قلقيلية وعضو في نقابة اللحامين، إن أصحاب الملاحم يتكبدون خسائر كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار المواشي وضعف القدرة الشرائية للمواطنين.
ويشير إلى أن سعر كيلو لحم الخروف في قلقيلية يبلغ نحو 110 شواكل، معتبراً أن هذا السعر يأتي في ظل ضعف ومحدودية الحركة الشرائية، موضحاً أن الملحمة الصغيرة تحتاج إلى مصروفات تشغيلية لا تقل عن 500 شيكل يومياً، ما يجعل استمرار العمل صعباً عندما تتراجع المبيعات وتتراكم الالتزامات المالية.
ويستشهد عودة بتراجع أعداد الأغنام في بلدته كفر ثلث، قائلاً إن البلدة كانت تضم نحو 12 ألف رأس من الأغنام في عامي 2007 أو 2008، بينما لا يتجاوز العدد حالياً، وفق تقديره، 500 رأس.
ويحذّر من أن استمرار تراجع الثروة الحيوانية قد يؤدي إلى اختفاء مزيد من المزارعين، وزيادة الاعتماد على اللحوم المستوردة، الأمر الذي قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى تصل، وفق توقعه، إلى 150 شيكلاً للكيلوغرام.
- كوتا الاستيراد والرقابة.. اتفاقات لم تدخل حيز التنفيذ
إلى جانب دعم الإنتاج المحلي، يطالب رئيس نقابة أصحاب الملاحم وتجار المواشي في فلسطين عمر النبالي وزارة الاقتصاد الوطني بمتابعة ملف كوتا استيراد اللحوم، بما يضمن تعزيز المنافسة وعدم استفادة المستوردين وحدهم من الإعفاءات الجمركية.
ويشير إلى وجود نحو 50 ألف رأس ضمن كوتا معفاة من الرسوم الجمركية، معتبراً أن المطلوب هو التأكد من انعكاس التسهيلات على الأسعار النهائية التي يدفعها المستهلك، لا أن تقتصر فائدتها على المستوردين.
كما يتحدث عن اتفاقات جرى التوصل إليها مع وزارة الاقتصاد خلال اجتماع لخلية أزمة في نيسان/أبريل 2026، تضمنت، تنظيم المنافسة بين الملاحم والمتاجر الكبرى، وتمييز اللحوم البلدية عن المستوردة باستخدام أختام مختلفة، إلى جانب متابعة أسعار اللحوم المجمدة.
ويقول النبالي إن هذه التفاهمات لم تدخل حيز التنفيذ حتى الآن، رغم أهميتها في مساعدة المستهلك على معرفة نوع اللحوم التي يشتريها، والحد من المنافسة غير المتكافئة بين الملاحم والمتاجر الكبرى.
ويضيف أن تعديلات أُجريت على كوتا اللحوم المجمدة، وأن اتفاقاً مع الشركات المستوردة تضمن، وفق قوله، ألا يتجاوز سعر كيلوغرام اللحوم المستوردة 30 شيكلاً، مشدداً على ضرورة متابعة تنفيذ الاتفاقات والتحقق من انعكاسها على السوق.
- هل تتحمل الملاحم مسؤولية الغلاء؟
ورغم اعتراض ممثلي النقابة على تحميل اللحامين كامل المسؤولية، فإن النقاش حول الأسعار يطرح أسئلة بشأن حلقات سلسلة التوريد، بدءً من كلفة تربية المواشي والأعلاف، مروراً بالاستيراد والضرائب وهوامش الربح، وصولاً إلى السعر الذي يدفعه المستهلك.
ويشير النبالي إلى أن سعر كيلوغرام الخروف القائم يتراوح بين 44 و45 شيكلاً، فيما يصل سعر كيلوغرام القص إلى نحو 55 شيكلاً، ويقول إن بيع اللحم بسعر 110 شواكل قد يحقق هامشاً محدوداً في الأيام الأولى، لكن بقاء اللحوم دون بيع لأيام إضافية قد يحول العملية إلى خسارة، بسبب التلف وتكاليف التشغيل.
غير أن هذه الأرقام، كما يعرضها ممثلو النقابة، تفتح الباب أمام الحاجة إلى بيانات تفصيلية وشفافة توضح كلفة الإنتاج والاستيراد والنقل والذبح والتشغيل، وهوامش الربح في كل مرحلة، حتى تتضح حصة كل طرف من السعر النهائي، ويصبح بالإمكان تحديد المسؤوليات على أساس معلومات قابلة للتحقق.
- رسالة النقابة لحملة بلاها اللحمة: «طالبوا معنا بدعم المزارعين للنهوض بالثروة الحيوانية، بدلاً من الاكتفاء بمقاطعة اللحوم»
ولا يرى النبالي أن مقاطعة اللحوم وحدها قادرة على معالجة جذور الأزمة، داعياً القائمين على حملة «بلاها اللحمة» إلى توجيه جزء من مطالبهم نحو دعم المزارعين ومربي المواشي، والضغط من أجل تنفيذ إجراءات عملية للنهوض بالثروة الحيوانية.
ويطالب وزارة الزراعة بوضع خطة عاجلة لدعم القطاع، تشمل تخفيف الضرائب عن الأعلاف، وتوفير التمويل بشروط ميسرة، وتشجيع المشاريع الجديدة، إلى جانب دعوة وزارة الاقتصاد إلى تنظيم الاستيراد، وضبط هوامش الربح، ومراقبة الأسعار، وتنفيذ الاتفاقات المتعلقة بتمييز اللحوم البلدية والمستوردة.
كما يعترض على فرض فوائد على التمويلات الصغيرة التي تقدمها مؤسسة الإقراض الزراعي لمربي الثروة الحيوانية، داعياً إلى مراجعة آليات التمويل بما يساعد المزارعين على الاستمرار وتوسيع الإنتاج.
وبينما ترفع حملة «بلاها اللحمة» مطلب خفض الأسعار عبر المقاطعة، يطرح أصحاب الملاحم والنقابة مساراً موازياً يقوم على دعم الإنتاج المحلي وإعادة تنظيم السوق.
ويبقى التحدي أمام الجهات الرسمية هو تحويل المطالب والتفاهمات إلى إجراءات قابلة للقياس، تضمن منافسة عادلة، وتوضح كلفة اللحوم وهوامش الربح، وتساعد على استعادة الثروة الحيوانية قدرتها على تلبية احتياجات السوق.
ففي نهاية المطاف، لا تتعلق أزمة اللحوم بسعر الكيلوغرام وحده، بل بقدرة الأسر على تأمين غذائها، واستمرار المزارعين واللحامين في العمل، ومدى قدرة السياسات الاقتصادية على حماية المستهلك والإنتاج المحلي معاً.


