تأجيل الانتخابات الفلسطينية.. فرصة لإعادة بناء النظام السياسي أم تكريس لأزمة الشرعية؟
الباحث القانوني علي أبو حبلة لـوطن: تأجيل الانتخابات يجب ألا يتحول إلى نهج دائم لإدارة الأزمة، وفترة التأجيل يجب أن تتحول إلى فرصة وطنية
وطن للأنباء: يضع تأجيل الانتخابات الفلسطينية النظام السياسي أمام أسئلة تتجاوز تحديد موعد جديد للاقتراع، لتطال مستقبل الشرعية الديمقراطية، وحدود الصلاحيات الدستورية، وقدرة المؤسسات الفلسطينية على تجاوز الانقسام واستعادة ثقة المواطنين، وبين القيود الإسرائيلية التي تعترض إجراء الانتخابات، والأزمة الداخلية الممتدة، تبرز الحاجة إلى تحويل فترة التأجيل إلى مسار وطني واضح لإعادة بناء المؤسسات وتجديد الشرعيات.
وفي هذا السياق، يرى المحامي والباحث القانوني علي أبو حبلة، رئيس تحرير مجلة «آفاق الفلسطينية»، أن الانتخابات حق أصيلٌ للشعب الفلسطيني وأداة أساسية لتجديد الشرعيات وإعادة الاعتبار للإرادة الشعبية، ويحذر من أن تتحول عملية التأجيل إلى نمط دائم في التعامل مع الأزمات السياسية، بما يؤدي إلى استمرار حالة الجمود وتعليق الاستحقاق الديمقراطي دون ضمانات واضحة.
وكان الرئيس محمود عباس قد أصدر، في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2026، مرسوماً يقضي بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالتزامن في 11 أيلول/سبتمبر 2027، بدلاً من موعد الانتخابات التشريعية وكان مقرراً في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026.
- تأجيل الانتخابات بين الواقعية السياسية والالتزام الدستوري
ويؤكد أبو حبلة خلال حديثه لبرنامج "شد حيلك يا وطن"، ويُبث عبر شبكة وطن الإعلامية، أن الموقف الوطني المسؤول يقتضي الجمع بين الواقعية السياسية والالتزام الدستوري، من خلال تشخيص العقبات التي تحول دون إجراء الانتخابات، والعمل على معالجتها، بدل الاكتفاء بتأجيل الاستحقاق الديمقراطي.
ويشير إلى أن الواقع الفلسطيني يتأثر بمتغيرين أساسيين: أولهما القيود الإسرائيلية والتدخلات التي تعرقل إمكانية إجراء انتخابات شاملة، وثانيهما الانقسام الفلسطيني وما أفرزه من ازدواجية في المؤسسات وتعطيل لمسارات الإصلاح السياسي.
ويشدد على أن الاعتراف بوجود هذه العقبات، لا يعفي القيادة والقوى السياسية من مسؤولياتها في وضع خطة وطنية لمعالجتها، كما لا يبرر إبقاء الانتخابات معلقة دون ضمانات أو جدول زمني واضح.
وفي هذا الإطار، يدعو إلى تحميل الأطراف الدولية، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي، مسؤولياتها في الضغط على إسرائيل لعدم عرقلة العملية الانتخابية، وضمان مشاركة الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، بما فيها القدس وقطاع غزة، إلى جانب مواجهة التحولات الجغرافية والديمغرافية التي تؤثر في الواقع الفلسطيني.
- مشروعية المرسوم وحدود صلاحيات الرئيس، ما هي؟
وعلى المستوى القانوني، يرى أبو حبلة أن التعامل مع قرار التأجيل يتطلب فحص المرسوم الرئاسي في ضوء القانون الأساسي الفلسطيني وقانون الانتخابات العامة النافذ، وتحديد نطاق الاختصاص الرئاسي، وطبيعة الظروف التي استند إليها القرار، ومدى اتساقه مع الضمانات القانونية للحقوق السياسية.
ويؤكد ضرورة التمييز بين صلاحية إصدار القرار، ومشروعية مضمونه، وإمكانية إخضاعه للرقابة القضائية، باعتبارها مسائل قانونية متمايزة ينبغي بحث كل منها وفق الأطر القانونية ذات الصلة.
ويلفت إلى أن الحقوق الانتخابية لا تقتصر على حق المواطنين في الاقتراع، بل تشمل أيضاً حق الترشح والمشاركة السياسية، بما يجعل ضمان البيئة الديمقراطية جزءً أساسياً من أي معالجة قانونية لملف الانتخابات.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش، وفق أبو حبلة، لا ينبغي أن يُختزل في تأييد التأجيل أو رفضه، بل يجب أن يمتد إلى بحث أسبابه وحدوده والضمانات التي تحول دون تحوله إلى حالة مفتوحة بلا أفق زمني واضح.
- موعد جديد أم اختبار جديد للجدية؟
ويحذر أبو حبلة من أن الإعلان عن موعد جديد للانتخابات لا يكفي بحد ذاته لمعالجة أزمة الشرعية، ما لم يقترن بخطوات عملية تجيب عن أسئلة جوهرية: هل ستُعالج الأسباب التي حالت دون إجراء الانتخابات؟ وهل ستُوحّد المؤسسات الفلسطينية؟ وكيف ستُضمن مشاركة القدس؟ وهل ستتوفر الحريات السياسية اللازمة لمشاركة المواطنين والمرشحين؟
ويشدد على أن صعوبة الظروف السياسية والأمنية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لاستمرار حالة الجمود السياسي وتعطيل الإصلاح المؤسسي، معتبراً أن المطلوب هو خطة وطنية محددة المراحل، تتضمن تشخيص العقبات، والوسائل القانونية والسياسية المتاحة لمعالجتها، وتحديد المسؤوليات والالتزامات ضمن جدول زمني واضح.
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في ظل تكرار تأجيل الانتخابات العامة، إذ أُرجئت انتخابات المجلس التشريعي في العام 2021 قبل أن تُجرى، فيما يعود آخر اقتراع تشريعي عام إلى العام 2006.
- خُطة الأحد عشر شهراً لإعادة بناء الثقة .. ما تفاصيلها؟
وفي قراءته للمرحلة المقبلة، يرى أبو حبلة أن الفترة الفاصلة حتى الموعد المعلن للانتخابات ينبغي أن تُعامل باعتبارها فرصة محددة لإعادة بناء النظام السياسي، لا مجرد فترة انتظار لموعد انتخابي جديد.
ويطرح في هذا السياق برنامجاً وطنياً يقوم على التوافق، وتحديد المسؤوليات، والالتزام بجدول زمني واضح، على أن يتضمن حواراً شاملاً يضم القوى والفصائل السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، والشخصيات المستقلة، بدل حصر النقاش في التفاهمات الفصائلية وحدها.
ويشير إلى أهمية توسيع قاعدة المشاركة في الحوار الوطني، بما يضمن تمثيلاً أوسع للمجتمع الفلسطيني، وينقل النقاش من ترتيبات تقاسم السلطة إلى البحث في مستقبل المؤسسات والحقوق السياسية وآليات المساءلة، كما يدعو إلى إعداد برنامج عملي لمعالجة ازدواجية المؤسسات بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتعزيز استقلال القضاء، وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطات، بما يهيئ الأرضية اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة.
ويؤكد أن نجاح هذه المرحلة ينبغي أن يُقاس بما يتحقق من إصلاحات فعلية، وما يُنجز من خطوات لتوحيد المؤسسات وتوفير الحريات السياسية، وليس بمجرد استمرار الإعلان عن مواعيد انتخابية جديدة.
- المطلوب الآن .. مغادرة مربع المحاصصة إلى الشراكة الوطنية
وفي معرض حديثه عن طبيعة الإصلاح المطلوب، ينتقد أبو حبلة نظام المحاصصة، معتبراً أنه ساهم في تعميق الأزمة الفلسطينية وإضعاف الشراكة الوطنية.
ويؤكد أن إعادة بناء النظام السياسي تتطلب الانتقال من التفاهمات القائمة على توزيع المواقع والنفوذ إلى شراكة سياسية حقيقية، تستند إلى التمثيل الديمقراطي والكفاءة والاستقلالية والمساءلة.
وفي هذا السياق، يتناول دور المجلس الاستشاري المقترح، موضحاً أن وظيفته ينبغي أن تظل مساندة للعملية الإصلاحية، من خلال تقديم المشورة القانونية، ومراجعة السياسات العامة، ومتابعة تنفيذ الإصلاحات، وإعداد تقارير بشأن ما تحقق وما تعثر.
ويشدد على ضرورة تحديد صلاحيات المجلس بصورة واضحة، بحيث تبقى استشارية، وأن يخضع تشكيله لمعايير معلنة تتعلق بالكفاءة والاستقلالية والخبرة، بما يمنع تحوله إلى إطار إضافي لتكريس المحاصصة أو تجاوز المؤسسات الدستورية.
- دعوات للانتقال من منطق إدارة سلطة الحكم الذاتي إلى بناء مؤسسات دولة تحت الاحتلال
ويربط أبو حبلة بين استمرار الأزمة الداخلية والواقع السياسي الذي تفرضه إسرائيل على الأرض، محذراً من أن يؤدي استمرار الوضع القائم إلى تكريس حالة من الجمود تتداخل فيها القيود الخارجية مع الاختلالات الداخلية.
ويدعو إلى الانتقال من منطق إدارة سلطة الحكم الذاتي إلى بناء مؤسسات دولة فلسطينية، قادرة على أداء وظائفها على أسس قانونية وديمقراطية، بما ينسجم مع مكانة دولة فلسطين والاعترافات الدولية بها.
ويؤكد أن هذا التحول لا يتحقق بالاعترافات السياسية وحدها، بل يتطلب مؤسسات موحدة وفاعلة، ومرجعية وطنية واضحة، وقضاء مستقلاً، وآليات ديمقراطية لتجديد الشرعيات ومحاسبة المسؤولين.
وفي ختام قراءته، يشدد أبو حبلة على أن إعادة الاعتبار للإرادة الشعبية الفلسطينية تتطلب مراجعة جادة من القيادة والنخب والقوى السياسية، واستعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات، وإطلاق مسار وطني يعيد الاعتبار للمشاركة الشعبية بوصفها أساساً لبناء النظام السياسي.
وبين اختبار الشرعية وفرصة الإصلاح، تبقى القضية الأساسية هي ما إذا كانت الفترة الفاصلة حتى أيلول/سبتمبر 2027 ستشهد خطوات ملموسة لمعالجة أسباب الأزمة وتهيئة الظروف للانتخابات، أم ستبقى موعداً مؤجلاً آخر في مسار سياسي لم ينجح حتى الآن في تجديد شرعياته وتوحيد مؤسساته.


