من الغربة إلى الأرض.. مراد الخفش يعيد إحياء الزراعة العضوية شمال سلفيت
وطن للأنباء: بعد نحو عقدين من الحياة في الولايات المتحدة، قرر مراد الخفش العودة إلى قريته مردة شمال محافظة سلفيت، حاملاً معه فكرة تتجاوز البحث عن الاستقرار الشخصي، وتتمثل في إعادة الإنسان الفلسطيني إلى أرضه، وتحويل الزراعة إلى مصدر رزق وفرصة للتمكين الاقتصادي والاجتماعي.
وفي عام 2006، بدأ الخفش مشروعه بإنشاء مزرعة مردة للزراعة المستدامة، التي تحولت مع مرور الوقت إلى مركز للإنتاج الزراعي والتدريب ونشر ثقافة الزراعة العضوية والمستدامة. واستقبلت المزرعة مزارعين وطلبة هندسة زراعية ومتطوعين وطلاب جامعات، بهدف تدريبهم على أساليب الزراعة المستدامة، والاستفادة المثلى من المساحات الزراعية المتاحة.
.png)
ويقول الخفش، مدير مزرعة مردّة للزراعة المستدامة، لوطن للأنباء، إن المزرعة تمثل "مركز مشاهدة وتدريب" يستهدف المزارعين والطلاب والمتطوعين الأجانب وطلبة الجامعات، موضحًا أن التدريب يركز على كيفية استغلال كل شبر من الأرض بما يحقق فائدة اقتصادية للمزارع والمستهلك على حد سواء.
ويضيف أن المزرعة تعتمد في إنتاجها على الأسمدة والعلاجات الطبيعية، بعيداً عن استخدام المواد الكيميائية، مع التركيز على إمكانية زراعة أكثر من محصول في المساحة نفسها، بما يرفع إنتاجية الأرض ويعزز دخل المزارعين.
ويؤكد الخفش أن الهدف الأساسي من عودته من الولايات المتحدة كان إنشاء نموذج عملي يشجع الشباب على العودة إلى الزراعة واستثمار الأرض بأكبر قدر ممكن، من خلال زراعة الخضروات والأشجار والمحاصيل التي يمكن أن توفر مصدر دخل مستدامًا للأسر.
.png)
ويقول: "هدفي الأساسي عندما عدت من أمريكا عام 2006 أن أقيم هذه المزرعة لأشجع الشباب على العودة إلى الأرض واستغلالها بأكبر قدر ممكن، من خلال زراعة الخضروات والأشجار التي تدر دخلاً للمواطنين والمزارعين، وتوفير غذاء طبيعي بعيداً عن المواد الكيميائية".
ولا تقتصر رؤية المزرعة على الإنتاج التجاري، إذ يسعى الخفش إلى تعزيز مفهوم الاكتفاء الذاتي داخل المنازل الفلسطينية، من خلال تدريب الأسر والمزارعين على استغلال الحدائق والأسطح في زراعة الخضروات باستخدام أساليب الزراعة المكثفة، والاستفادة من المساحات الصغيرة المتاحة.
ويشير الخفش إلى أن المزرعة تدرب أصحاب الحدائق المنزلية على إنتاج جزء من احتياجاتهم الغذائية بأنفسهم، بما يقلل اعتمادهم على شراء الخضروات من الأسواق الخارجية أو الإسرائيلية.
.png)
ويقول إن الفكرة تقوم على تحويل الحديقة المنزلية إلى مساحة إنتاجية تعتمد على الأسمدة العضوية، بحيث يصبح بإمكان الأسرة توفير جزء من احتياجاتها الغذائية، إلى جانب إمكانية تحقيق دخل إضافي من فائض الإنتاج.
وتحاول المزرعة، من خلال هذا النهج، تقديم نموذج للزراعة لا يقتصر على الحقول الكبيرة، بل يمكن تطبيقه في الحدائق المنزلية والأسطح والمساحات المحدودة، بما يعزز قدرة الأسر على إنتاج غذائها والاستفادة من مواردها المتاحة.
ويضع الخفش الزراعة العضوية في صميم فلسفة مشروعه، انطلاقاً من قناعته بأهمية توفير غذاء صحي وتقليل التعرض للمبيدات والمواد الكيميائية في العملية الزراعية.
ويرى أن نشر الوعي حول طرق الزراعة الآمنة لا يقل أهمية عن الإنتاج نفسه، مؤكداً ضرورة تعزيز ثقافة الغذاء الصحي وتشجيع المزارعين على استخدام البدائل الطبيعية في التسميد ومكافحة الآفات.
.png)
وفي هذا السياق، يربط الخفش بين استخدام المواد الكيميائية في الزراعة وانتشار عدد من الأمراض، ومن بينها السرطان، معتبرًا أن تقليل استخدام المبيدات والمواد الكيميائية في إنتاج الغذاء يمثل خطوة مهمة لحماية صحة الإنسان والبيئة.
إلى جانب أهدافها الزراعية والبيئية، تسعى مزرعة مردّة إلى خلق فرص عمل وتعزيز مشاركة الشباب والنساء في النشاط الزراعي، في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه المجتمع الفلسطيني.
وبالنسبة للخفش، لا تمثل الزراعة مجرد مهنة أو نشاط اقتصادي، وإنما وسيلة لتعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي وتقليل الحاجة إلى الأسواق الخارجية، فضلًا عن كونها وسيلة للحفاظ على العلاقة بين الإنسان والأرض.
.png)
ومن خلال التدريب والإنتاج ونشر المعرفة، يحاول مشروع مزرعة مردّة تقديم نموذج مختلف للزراعة؛ نموذج يجمع بين الاستدامة والأمن الغذائي والصحة والتمكين الاقتصادي.
وهكذا، تحولت المزرعة من مجرد مشروع زراعي في قرية مردّة إلى تجربة تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع الأرض، عبر تشجيع الناس على زراعتها واستثمارها، وتحويلها إلى مصدر للغذاء والعمل والدخل، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مواردها للأجيال المقبلة.
.png)


