د.عرابي: الترويج للمرحلتين الأولى والثانية من وقف إطلاق النار في غزة محاولة لبيع "وهم جديد" للفلسطينيين
جوهر الصراع ليس مع حماس وفكر المقاومة بحد ذاته وإنما مع وجود الفلسطيني على أرضه
التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال الساعات الماضية لا تساوي الدماء التي نزفت في غزة خلال الـ24 ساعة الماضية
الاحتلال يعمل على إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي من خلال توسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض
الاحتلال يهدف من خلال إجراءاته على الأرض إلى إعادة هندسة جغرافية وسياسية بما يخدم مشروع التهجير
استهداف المخيمات يرتبط، بمحاولة تفكيك الهوية الوطنية للاجئين الفلسطينيين، الذين ما زالوا يتمسكون بحقهم في العودة إلى مدنهم وقراهم الأصلية
إسرائيل تسعى إلى إفشال أي اتفاق لأنها، تعتبر أن صمود الفلسطيني على أرضه هو ما يشكل مصدر القلق الحقيقي لإسرائيل أكثر من القدرات العسكرية المحدودة للمقاومة.
استمرار عمليات القصف والهدم والاستهداف في جنوب لبنان يهدف، إلى ممارسة ضغوط على الحاضنة الشعبية الداعمة للمقاومة
المشروع الإسرائيلي، يتجاوز الأراضي الفلسطينية ليشمل طموحات إقليمية أوسع.
الرهان على المفاوضات أو على "المناطق التجريبية" أو أي ترتيبات مرحلية لن يؤدي، في نهاية المطاف، إلى تحقيق مكاسب للبنان
يرى عرابي أن العدوان على غزة والضفة الغربية، بالتوازي مع الضغوط المتواصلة على لبنان، يندرج في إطار مساعٍ إسرائيلية لإعادة صياغة عقيدتها الأمنية والعسكرية بما يتيح لها فرض معادلات جيوسياسية جديدة في المنطقة.
وطن للأنباء: قال رئيس معهد وطن لأبحاث الإعلام ودراسات المستقبل، الدكتور معمر عرابي، في لقاء على قناة الميادين، اليوم الاثنين، إن جوهر الصراع، لا يقتصر على حركة حماس، بل يتعلق بالشعب الفلسطيني بأكمله وبفكرة المقاومة، معتبراً أن الهدف الحقيقي للاحتلال هو استئصال هذه الفكرة، وهو ما يفسر، حجم الدمار الذي تتعرض له غزة، والذي وصفه بأنه "إبادة جماعية".
وأضاف أن الحديث المتكرر عن المرحلة الأولى والانتقال إلى المرحلة الثانية، وما يرافقه من حديث عن خارطة طريق، لا يعدو كونه "وهماً جديداً" يُحاول الاحتلال، بدعم من الدول الغربية، تسويقه للشعب الفلسطيني.
وأشار عرابي إلى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي تحدث فيها عن "حق سكان غزة في التنقل والعيش في دول أخرى"، معتبراً أن هذه التصريحات تعكس، في جوهرها، مشروع تهجير يستهدف سكان القطاع، ويجسد ما وصفه بـ"فكر الاستئصال والتهجير" بحق الفلسطينيين، مؤكداً أنه لا ينبغي المبالغة في التفاؤل بشأن وجود خارطة طريق حقيقية للحل.
وتابع أن الوسطاء تحدثوا عن خطوات إيجابية تشمل انسحاباً إسرائيلياً، وقضايا تتعلق بسلاح المقاومة، وضمان عدم شن هجمات جديدة على غزة، إلا أن التطورات الميدانية، وفق قوله، جاءت مغايرة تماماً، حيث شهد القطاع هجمات جديدة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، في ظل استمرار الحصار والتجويع.
وأعرب عرابي عن تحفظه على وصف الأطراف الراعية للمفاوضات بـ"الوسطاء"، معتبراً أنهم يعملون بالتنسيق مع إسرائيل والولايات المتحدة لتحقيق هدف يتمثل، في إنهاء فكرة المقاومة والقضاء على روحها لدى الشعب الفلسطيني.
وأكد أن القضية لا ينبغي اختزالها في حركة حماس، لأن المشكلة، تتعلق بالشعب الفلسطيني الذي اختار البقاء والصمود في قطاع غزة رغم ما تعرض له من قتل ودمار.
وقال إن ما يُطرح من تفاهمات أو خرائط طريق لا ينسجم مع الواقع الميداني، معتبراً أن التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال الساعات الماضية لا تساوي الدماء التي نزفت في غزة خلال الـ24 ساعة الماضية.
وأضاف أن السلطة الوطنية الفلسطينية، التي نشأت نتيجة اتفاقيات أوسلو عام 1993، لم تسلم هي الأخرى من السياسات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن إسرائيل، تعمل على إضعاف السلطة بشكل متواصل، رغم أنها جاءت بموجب اتفاقات موقعة بين الطرفين.
وأوضح عرابي أن مفهوم السلام، من وجهة نظر الإسرائيلية، شهد تحولات متتالية، بدءاً من مبدأ "الأرض مقابل السلام"، مروراً بـ"السلام مقابل السلام"، ثم "السلام مقابل التطبيع" و"السلام مقابل الأمن"، ثم "السلام مقابل الترحيل".
واعتبر أن اختزال الأزمة في فصائل المقاومة يمثل، "وهماً جديداً"، مؤكداً أن جوهر المشروع الصهيوني، يستند إلى فكر استيطاني إحلالي يهدف إلى تهجير الفلسطينيين وتقويض قدرتهم على الصمود.
وأشار إلى أن ما يجري في قطاع غزة لا يمكن فصله عن التطورات في الضفة الغربية، حيث قال إن الاحتلال يعمل على إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي من خلال توسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ولفت إلى أن أعداد المستوطنين في الضفة الغربية ارتفعت، من عشرات الآلاف في بداية مرحلة أوسلو إلى أكثر من مليون مستوطن حالياً، بالتوازي مع توسع المستوطنات إلى 300 مستوطنة وانتشار الحواجز والبوابات العسكرية التي تجاوزت 1000 بوابة وحاجز التي تحد من حركة الفلسطينيين بين المدن والقرى والمخيمات، معتبراً أن هذه الإجراءات تهدف إلى إعادة هندسة المشهدين الجغرافي والسياسي بما يخدم مشروع التهجير.
وأضاف أن الفلسطينيين، باتوا أكثر إدراكاً لهذه السياسات نتيجة التجارب التاريخية منذ عامي 1948 و1967، مشيراً إلى عمليات تهجير جديدة في عدد من مخيمات شمال الضفة الغربية، إلى جانب الحديث عن إجراءات مماثلة في مخيمات أخرى مثل الجلزون وقلنديا .
ويرى عرابي أن استهداف المخيمات يرتبط، بمحاولة تفكيك الهوية الوطنية للاجئين الفلسطينيين، الذين ما زالوا يتمسكون بحقهم في العودة إلى مدنهم وقراهم الأصلية، رغم مرور عقود على النكبة، حيث ما زال الطفل اللاجيء يعرف عن نفسه من صفد ويافا وأرض أجداده.
قال معمر عرابي إن المراهنة على المجتمع الدولي، مبالغ فيها، رغم وجود تحول ملحوظ في مواقف الرأي العام العالمي تجاه الحرب في غزة. وأشار إلى أن قطاعات واسعة في الولايات المتحدة وأوروبا باتت أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، كما برزت أصوات في الأوساط السياسية والإعلامية الغربية تتحدث عن الإبادة، لكن هذا التحول الشعبي، لم ينعكس حتى الآن على المواقف الرسمية.
واعتبر أن المجتمع الدولي لا يزال منحازاً لإسرائيل، بل إن أمريكا والدول الأوروبية، لا تكتفي بالانحياز، وإنما تشارك بصورة مباشرة في دعم الابادة من خلال تزويد إسرائيل بالسلاح والدعم السياسي والدبلوماسي، إلى جانب النظام العربي البائس.
ويرى عرابي أن التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر، وما رافقها من مواجهات على عدة جبهات، إضافة إلى الهجمات الصاروخية من إيران وفصائل مسلحة في غزة ولبنان واليمن والعراق، أحدثت، تحولاً عميقاً في النظرة الإسرائيلية إلى مفهوم الأمن القومي.
واعتبر أن "إسرائيل" واجهت، للمرة الأولى منذ قيامها، أزمة تتعلق بصورة الدولة التي كانت تقدم نفسها باعتبارها الأكثر أمناً واستقراراً، مشيراً إلى أن وصول الصواريخ إلى مدن إسرائيلية، أثار حالة من القلق والارتباك داخل إسرائيل، ودفع وسائل الإعلام ومراكز الدراسات الإسرائيلية إلى مناقشة تداعيات ذلك على مفهوم الأمن القومي ومستقبل الدولة. معتبراً أن الدعم، الغربي لا يكفي لضمان شعور الإسرائيليين بالأمن أو استعادة الصورة التي كانت قائمة قبل الحرب.
ويرى أن المواقف الرسمية العربية والدولية والإقليمية لا تزال، منحازة لإسرائيل وداعمة لها سياسياً وعسكرياً في محطات متعددة من الصراع.
وقال عرابي إن إسرائيل تدرك، أن قدرات فصائل المقاومة العسكرية لا تقارن بالإمكانات العسكرية التي تمتلكها، مشيراً إلى أن قطاع غزة واجه العدوان بإمكانات محدودة في ظل حصار طويل، بينما تمتلك إسرائيل ترسانة عسكرية متطورة.
ويرى عرابي أن التركيز على ملف السلاح لا يعكس جوهر الصراع، بل يهدف، إلى استهداف فكرة المقاومة ذاتها، مؤكداً أن إسرائيل تسعى إلى إفشال أي اتفاق لأنها، تعتبر أن القضية تتجاوز جمع الأسلحة أو تدميرها.
وأشار إلى أن الأسلحة التي طورتها فصائل المقاومة صُنعت، في ظروف الحصار وبإمكانات بدائية، معتبراً أن من استطاع إنتاجها في تلك الظروف قادر على إعادة إنتاجها مستقبلاً، وهو ما يجعل المشكلة، لا تتعلق بالسلاح بحد ذاته.
وأكد أن القضية الأساسية، من وجهة نظره، تكمن في تمسك الفلسطينيين بالبقاء على أرضهم رغم الحرب والدمار، معتبراً أن هذا الصمود هو ما يشكل مصدر القلق الحقيقي لإسرائيل أكثر من القدرات العسكرية المحدودة للمقاومة.
وأضاف أن بقاء الفلسطينيين في قطاع غزة، واستمرارهم في التمسك بأرضهم رغم حجم الدمار، يمثل، الرسالة التي تخشاها إسرائيل، أكثر من خشيتها من الأسلحة التي يصفها بأنها محدودة وبسيطة.
وفيما يتعلق بالشان اللبناني، قال إن مسار المفاوضات بشأن الملف اللبناني، لا يحمل فرصاً حقيقية لتحقيق تقدم، معتبراً أن إسرائيل تمتلك خطة واضحة ومستقلة عن أي مسار تفاوضي، وأنها لا تعتزم تقديم تنازلات للبنان.
وأضاف أن استمرار عمليات القصف والهدم والاستهداف في جنوب لبنان يهدف، إلى ممارسة ضغوط على الحاضنة الشعبية الداعمة للمقاومة، وإضعاف التأييد المجتمعي لها، مشيراً إلى أن ربط ملفات الانسحاب وإعادة الإعمار بشروط سياسية وأمنية، إلى جانب استهداف البنية التحتية والمؤسسات المالية، يندرج، ضمن استراتيجية تهدف إلى التأثير على المزاج الشعبي اللبناني ودفعه إلى التخلي عن خيار المقاومة.
ويرى عرابي أن إسرائيل لم تقدم، في السابق، تنازلات حقيقية للفلسطينيين أو للبنانيين، كما أنها، لم تمنح مكاسب للدول التي وقعت اتفاقيات تطبيع معها، معتبراً أن المشروع الإسرائيلي، يتجاوز الأراضي الفلسطينية ليشمل طموحات إقليمية أوسع.
وأكد أن الضغوط العسكرية والسياسية المتواصلة تستهدف، إحداث تغيير في الحاضنة الشعبية الداعمة للمقاومة، ودفع المجتمعات في لبنان ودول أخرى إلى القبول بالأمر الواقع، معتبراً أن الرهان على المفاوضات أو على ما وصفه بـ"المناطق التجريبية" أو أي ترتيبات مرحلية لن يؤدي، في نهاية المطاف، إلى تحقيق مكاسب للبنان.
وفي المقارنة بين ما يجري في جنوب لبنان وقطاع غزة، قال عرابي إن هناك اختلافات في التفاصيل الميدانية، إلا أنه يرى أن الاستراتيجية الإسرائيلية واحدة، وتقوم على استهداف فكرة المقاومة في المنطقة. وأضاف أن ما وصفه بـ"وحدة الساحات" بعد السابع من أكتوبر شكّل مصدر قلق كبير لإسرائيل، لأنها تعتبر أن ارتباط القضية الفلسطينية بعمقها العربي والإسلامي يعزز حضورها السياسي والشعبي.
واعتبر أن استهداف لبنان جاء، بحسب رأيه، نتيجة دعمه لقطاع غزة خلال الحرب، مؤكداً أن ما يجري في لبنان لا ينفصل عن التطورات في الأراضي الفلسطينية، بل يمثل جزءاً من استراتيجية أشمل تهدف إلى تقليص الدعم الإقليمي للقضية الفلسطينية وإعادة تشكيل البيئة السياسية المحيطة بها.
ويرى عرابي أن إسرائيل تسعى إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة، وإنتاج منظومة ردع جديدة تعيد ترسيخ صورتها كالقوة العسكرية المهيمنة في الشرق الأوسط، بعد التحديات التي واجهتها منذ السابع من أكتوبر.
وأضاف أن العدوان في غزة والضفة الغربية، إلى جانب الضغوط المستمرة على لبنان، تندرج، ضمن محاولة لإعادة بناء العقيدة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، بما يسمح لها بفرض معادلات جيوسياسية جديدة وتعزيز مكانتها الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.


