هاني عرفات يكتب لوطن: على أعتاب الانتخابات النصفية.. ضرورة فهم حدود وإمكانيات الفعل

لنضع موضوع التوقعات، للانتخابات النصفية الأميركية جانباً للحظة، و لنتوقف مع الأمر الأهم ، هل هذه الانتخابات مجرّد فقاعة فارغة، أو محاولة تضليل وإلهاء للرأي العام ، أم أنها تحمل في ثناياها نزعات للتغيير؟
و إن كانت كذلك، هل يسمح النظام الانتخابي بتغيير جذري أو سطحي؟ وما دور الدولة العميقة في كل ذلك وكيف تعمل إن وجدت؟
لا أظن أن هناك من يختلف، حول وجود الدولة العميقة، وهي ربما موجودة في كل بلدان العالم، الفارق هو أن الدولة العميقة للدول الكبرى، عادةّ ما يكون لها سيطرة أيضاً، على الدولة العميقة للبلد الأضعف.
لكن علينا بداية أن نحاول فهم المقصد، من الدولة العميقة في البلد المهيمن عالمياّ حالياّ ، وهي الولايات المتحدة الأمريكية.
الدولة العميقة في أميركا بتقديري، تتمثل في الطغم المالية ، التي تسيطر باضطراد على مفاصل الدولة وفروعها المختلفة.
هذه الاحتكارات الضخمة، والتي تمثل ما نسبته ١٪ من التعداد السكاني ، تمتلك حسب التقديرات أكثر مما يمتلكه ٦٠٪ من السكان الأقل حظاّ، وهذا التقدير يعود إلى عدة سنوات خلت، و يواصل هذا الأخطبوط مع الوقت، ابتلاع الشركات الأصغر حجما . و لضمان استمرارية هذا الزحف، فإن الأمر يتطلب مواصلة تعزيز السيطرة السياسية.
كلما تمدد هذا الأخطبوط، كلما إزداد عدد المتضررين، وهذا ينسجم مع التطور الطبيعي للدولة الرأسمالية، وصولاّ لأعلى درجاتها، لن استطرد في هذا و لندعه الآن جانباً ،لأصحاب الاختصاص من اقتصاديين و غيرهم.
هذه الطغمة كما ذكرنا سابقاً، تحتاج إلى ماكينة متكاملة من الأدوات، لتعزيز السيطرة مثل الإعلام والثقافة والأحزاب السياسية، و تحتاج أيضاً إلى المؤسسة الدينية ، و كذلك السيطرة على القضاء ، و قبل ذلك و بعده التعاملات المالية والبنوك …إلخ.
لكن هل تستطيع هذه الطغمة، أو الدولة العميقة إن شئت، السيطرة بسهولة وهل هي منسجمة تماماً؟ و هل تحرك كل شئ بخيوط خفية ، أو كما يدير المايسترو المتمرس فرقته الموسيقية؟
أشك في ذلك.
لا يمكن خلق حالة سكون أبدية، في أي حلقة من حلقات المجتمع، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، و يظل قانون وحدة وصراع و وحدة سيد الموقف.
و إذا ما طبقنا ذلك على الواقع في أميركا، يمكننا القول بكل ثقة، أن الصراع الدائر على السلطة، هو صراع حقيقي وليس مجرد تمثيلية.
لكن لا يجب أن نظن للحظة، أن الصراع الأساسي هنا يدور بين المؤسستين التقليديتين للحزبين، هناك بالتأكيد خلافات بينهما حول قضايا معينة، لكنها لا ترقى لدرجة الصراع الحقيقي، الذي قد يؤدي إلى تغيير جذري، هما طرفان مؤسسان و فاعلان فيه، في نفس الدولة العميقة.
لكن وفي المقابل، هناك صراع سياسي و إقتصادي واجتماعي حقيقي ، وليس من المبالغة القول بأن هذا الصراع، يتحول إلى انتفاضة على المنظومة الحاكمة للحزبين، رغم أن هؤلاء يخوضون معركتهم من الداخل، تحديداً في الحزب الديمقراطي، و سوف أحاول توضيح الموضوع أكثر.
تشير استطلاعات الرأي، إلى أن نصيب كل من الحزبين من التأييد الشعبي، لا تتجاوز ال٢٧٪ لأي منهما ، فيما يصنف ما يزيد عن ٤٠٪ من الأميركيين، أنفسهم على أنهم مستقلون، هذه نسب متدنية للحزبين الحاكمين، آخذين بعين الاعتبار حالة الانقسام الحاد ، في المجتمع الأميركي . هذا مؤشر واضح على عزوف الناس عن الحزبين، نتيجة حالة اليأس والإحباط من السياسات المتبعة والمتشابهة.
في الحزب الديمقراطي، حيث الهامش أوسع قليلاً، نستطيع أن نرى بأن عدد كبير من المرشحين، على قوائم الحزب الديمقراطي، لديهم رؤى وأفكار مختلفة تماماّ ، عن رؤية المؤسسة الديمقراطية، للسياسة والاقتصاد وقضايا المجتمع، وهؤلاء من يطلق عليهم اليوم في أميركا، التقدميين أو الجناح الاشتراكي أو اليساريين.
الأهم من كل ذلك، أن هؤلاء يرفعون شعاراّ، في حال قدرتهم على تحقيقه وإقراره، فإنهم يصيبون الدولة العميقة في مقتل، وهو شعار منع اللوبيات المتعددة والسوبرباك ، من التدخل المالي للحملات الإنتخابية، وقد لاقى هذا الشعار رواجاً و شعبية كبيرة لدى الناخبين.
رغم ذلك فإنني أعتقد، بأن انتفاضة التغيير، لا تزال في بداياتها وهي معرضة لانتكاسات قادمة ربما، و أن أساطين المال لن يسلموا الأمور بسهولة، لكنني وفي نفس الوقت أعتقد، أن الصندوق الأسود قد فتح، وأن قطار التغيير يسير إلى الأمام ببطء ربما لكن بإصرار، بالنسبة للمواطن الأميركي، فإن تعزيز الشعور بالقدرة على التغيير أمر مهم جداً، لأن البديل يتمثل في الأحباط والاستسلام للواقع.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


