اسماعيل الريماوي يكتب لوطن: وطن أمام لحظة الحقيقة.. حين تضيق الأرض وتتآكل الخيارات

02.11.2026 09:01 AM

 ثمة لحظات في تاريخ الشعوب تصبح فيها الأزمة أكبر من مجرد خلاف سياسي أو اختلاف في وجهات النظر، وتتحول إلى مأزق يمس القدرة على اتخاذ القرار وصناعة البدائل، وربما هذا هو الوصف الأقرب للحالة الفلسطينية اليوم؛ فنحن لا نواجه فقط احتلالاً يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، بل نواجه أيضاً حالة سياسية داخلية فقدت الكثير من قدرتها على المبادرة، حتى بات السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن استعادة القدرة على تغيير الواقع؟

المأزق الفلسطيني لا يكمن فقط في اتساع الاستيطان ومخاطر التهجير وتراجع فرص الحل السياسي، وإنما في أن الفلسطينيين باتوا أمام خيارات بالغة الصعوبة، فالاستمرار في المسار الحالي يعني ترك المجال لمزيد من التغييرات الجغرافية والسياسية، بينما الانتقال إلى مسار جديد يحتاج إلى توافق وطني ورؤية واضحة، في ظل الانقسام وتراجع الثقة بين المجتمع وقياداته.
وهنا تبرز مسؤولية سلطة رام الله وقيادة حركة فتح، باعتبارهما تتحملان مسؤولية سياسية وتاريخية عن المسار الذي وصلت إليه الحالة الوطنية، فمنذ اتفاق أوسلو، ارتبط المشروع السياسي بالرهان على التسوية والوعود الدولية، على أمل الوصول إلى الدولة والاستقلال، لكن السنوات مضت في اتجاه مختلف؛ توسعت المستوطنات، وتغيرت موازين القوى، وأصبحت إسرائيل أكثر قدرة على فرض شروطها، فيما لم تنجح القيادة الفلسطينية في تطوير أدواتها أو مراجعة خياراتها بما يتناسب مع التحولات.
الأكثر خطورة أن استمرار السلطة وترتيباتها الإدارية والأمنية أصبح جزءاً من معادلة يصعب تجاوزها، ومع مرور الوقت، تراجعت مساحة المبادرة السياسية والشعبية، وأصبح التغيير الداخلي نفسه محاطاً بتعقيدات ومخاطر، في ظل احتلال يستطيع استغلال أي اضطراب أو انقسام لتعزيز سيطرته وفرض وقائع جديدة.
لكن الخوف من المخاطر لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر دائم لتجميد الحياة السياسية وإبقاء الأمور على حالها، كما أن أي تحرك لا يستند إلى رؤية وطنية جامعة وحساب دقيق للنتائج قد يضيف أعباء جديدة إلى شعب أنهكته سنوات الاحتلال والانقسام، وبين هذين الخيارين تبرز الحاجة إلى طريق ثالث، يقوم على العمل الوطني المنظم، واستعادة المبادرة الشعبية، وإعادة بناء المؤسسات على أساس الشراكة والمساءلة.
لقد آن الأوان للتوقف عن التعامل مع الشعب الفلسطيني باعتباره جمهوراً مطلوباً منه الانتظار والتكيف مع القرارات، أو الاكتفاء بتلقي الوعود والتفسيرات، فالشعب الذي تحمل عقوداً من الاحتلال والتهجير والقتل يستحق أن يكون شريكاً حقيقياً في تحديد مستقبله، وأن يمتلك حق المشاركة في القرار والمحاسبة واختيار ممثليه.
إن أخطر ما أصاب الحالة الفلسطينية هو تراجع القدرة على تصور بديل سياسي مختلف، وكأن الخيارات محصورة بين استمرار السلطة بصيغتها الحالية أو الخوف من انهيارها،  بينما المطلوب هو نقاش وطني جاد حول إعادة بناء النظام السياسي، وإنهاء الانقسام، وتجديد الشرعيات، وفتح المجال أمام الشباب والمستقلين والقوى المجتمعية للمشاركة في صناعة القرار.
ولا يمكن إغفال أهمية التحولات في الرأي العام الدولي والمواقف الحقوقية تجاه القضية الفلسطينية، لكن هذه الفرص تحتاج إلى موقف فلسطيني موحد يعرف كيف يوظفها لتحويل التضامن إلى خطوات عملية تحمي الأرض والإنسان والحقوق الوطنية.
لسنا أمام أزمة عابرة يمكن تجاوزها بتغيير بعض الوجوه أو إطلاق مبادرات جديدة، بل أمام اختبار تاريخي يتطلب مراجعة شاملة للمسار السياسي، والسلطة مطالبة بأن تدرك أن الحفاظ على المؤسسات لا يكون بتجميد المجتمع، وأن الاستقرار لا يتحقق بتقييد الحياة السياسية، وأن الشرعية الحقيقية تستمد من ثقة الناس ومشاركتهم، لا من استمرار الأمر الواقع.
إن الفلسطينيين لا يحتاجون اليوم إلى مزيد من الوعود أو الدعوات إلى الانتظار، بل إلى أفق سياسي يعيد إليهم الشعور بأن مستقبلهم ليس محسوماً سلفاً، فالأرض لا تنتظر، والاستيطان لا يتوقف، والوقت الذي يمر ليس محايداً.
لقد ضاقت الخيارات، لكن ذلك لا يعني استحالة التغيير، فالشعوب قد تخسر فرصاً وجولات، لكنها لا تفقد حقها في البحث عن طريق جديد، وما نحتاجه اليوم ليس مغامرة جديدة ولا استسلاماً للواقع، بل قيادة تسمع شعبها، ومشروعاً وطنياً يجمعه، ورؤية مسؤولة تحمي تضحياته من أن تتحول إلى سجل آخر من الفرص الضائعة.
لسنا أمام أزمة سياسية عابرة يمكن تجاوزها ببعض التصريحات أو المبادرات المؤقتة، بل أمام لحظة تاريخية قد ترسم ملامح مستقبل فلسطين وأجيالها القادمة ، فالخطر لا يكمن فقط فيما ينتزعه الاحتلال من أرض، أو فيما يفرضه من وقائع على الجغرافيا، بل في أن نصل إلى مرحلة نفقد فيها القدرة على المبادرة، ونعتاد العجز حتى يصبح جزءاً من واقعنا السياسي واليومي.
لم يعد مقبولاً أن يبقى الشعب أسير حسابات السلطة، ولا أن تظل السلطة أسيرة خيارات أثبتت السنوات محدوديتها وفشل رهاناتها، فما تبقى من الوطن ان بقي، يحتاج إلى إرادة سياسية مختلفة، وإلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء ومراجعة التجربة بكل مسؤولية، بعيداً عن المكابرة وتبادل الاتهامات، فالكل مطالب بمراجعة حساباته ومساءلة نفسه، لأن المرحلة لم تعد تحتمل مزيداً من الانقسام أو التمسك بمواقف استنفدت قدرتها على حماية المشروع الوطني.
والأهم أن ندرك أن الاحتلال لا يستهدف فصيلاً دون آخر، ولا يميز في مشروعه بين هذا الطرف وذاك؛ فهو يستهدف الأرض والإنسان والوجود الفلسطيني بأكمله، بصرف النظر عن الانتماءات السياسية، ومن هنا، فإن مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تكون مسؤولية طرف وحده، بل مسؤولية وطنية جامعة تتطلب تجاوز الخلافات وإعادة بناء الثقة والشراكة.
فالأجيال القادمة لن تسألنا كم مرة رفعنا شعارات الدولة والتحرير، بل ستسألنا ماذا فعلنا عندما كانت الأرض تتآكل، والحقوق تتراجع، والفرص تضيق، والتاريخ لا يرحم من أدركوا حجم الخطر، لكنهم ظلوا أسرى الانتظار والحسابات الضيقة.
فلسطين لا تحتاج إلى مزيد من إدارة الخسارة، بل إلى مشروع وطني يعيد الأمل لشعبها، ويستعيد ثقته بنفسه وقيادته، ويمنحه حق المشاركة الحقيقية في تقرير مصيره وصناعة مستقبله ، فما زال هناك وطن يستحق أن نحميه، وشعب يستحق أن ننتصر لإرادته، وأجيال لا يجوز أن نورثها وطناً من الفرص الضائعة والخيبات المتراكمة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير