عشوائية النشر وغياب المرجعية الإعلامية يربكان المشهد الوطني

01.11.2026 04:56 PM

 كتب معمر يوسف العويوي: في اللحظات التي يحتاج فيها المواطن الفلسطيني إلى معلومة دقيقة أكثر من أي وقت مضى، يجد نفسه محاصرًا بسيل من الأخبار والتسجيلات والتصريحات والتحليلات، لا يعرف أحيانًا مصدرها، ولا مدى صحتها، ولا الغاية من تداولها. خبر ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وآخر تتناقله المجموعات العائلية، وثالث تبثه وسائل إعلام إسرائيلية، ورابع تتداوله منصات إعلامية مختلفة، فيما يبقى السؤال الأهم بلا إجابة واضحة: من يملك المعلومة الموثوقة، ومن يتحمل مسؤولية إيصالها إلى الناس؟

ما يجري اليوم في مدينة الخليل، وما تشهده مناطق مختلفة من الأراضي الفلسطينية من اعتداءات وإغلاقات وانتهاكات وتهديدات تمس حياة المواطنين وأمنهم واقتصادهم، يكشف حجم الخلل في إدارة المشهد الإعلامي الفلسطيني. فحين تتسارع الأحداث، لا يكفي أن نمتلك صحفيين ميدانيين، أو قنوات تلفزيونية، أو مئات الصفحات والمنصات الرقمية. ما نحتاج إليه هو منظومة إعلامية وطنية قادرة على جمع المعلومات والتحقق منها، وتقديمها إلى الجمهور بوضوح ومسؤولية، وتوجيه الرسائل التي تساعد المواطنين على فهم ما يجري والتعامل معه.

إن غياب وزارة إعلام مستقلة، ودمجها ضمن وزارة الثقافة، وفق الهيكل الحكومي القائم، يثيران تساؤلات مشروعة حول موقع الإعلام في أولويات الحكومة، وحول وجود سياسة إعلامية وطنية متكاملة تتناسب مع طبيعة المرحلة الفلسطينية وتعقيداتها.

المشكلة ليست في اسم الوزارة، ولا في وجود وزارة مستقلة أو مدمجة بوزارة أخرى بحد ذاته، بل في مدى وجود مرجعية واضحة، وبرنامج معلن، وأدوات تنفيذ، وآليات تنسيق بين المؤسسات الرسمية والإعلامية. فمن يتابع المشهد الفلسطيني يلمس الحاجة إلى إجابات واضحة عن أسئلة جوهرية: من ينسق الرسائل الحكومية وقت الأزمات؟ من يتولى التحقق من المعلومات المتداولة؟ من يصدر التوضيحات الرسمية؟ وكيف تصل المعلومة إلى المواطن في الوقت المناسب، قبل أن تملأ الإشاعة الفراغ؟

لا يمكن أن تترك الحكومة المجال العام بلا خطاب معلوماتي منظم، ثم تنتظر من المواطنين أن يميزوا وحدهم بين الحقيقة والتضليل، خصوصًا في بيئة تتداخل فيها الحرب النفسية مع الانتهاكات الميدانية، وتتسابق فيها المنصات على نشر الأخبار قبل التحقق منها.

إن الفراغ الإعلامي لا يبقى فراغًا؛ إذ سرعان ما تملؤه روايات الآخرين، والاجتهادات الفردية، والأخبار المجهولة المصدر.
في مجتمع يعيش تحت الاحتلال، وتحيط به المخاطر السياسية والأمنية والاقتصادية، لا تكون الإشاعة مجرد خبر غير صحيح؛ فقد تتحول إلى مصدر للخوف والارتباك، وتدفع المواطنين إلى اتخاذ قرارات خاطئة، أو تزيد الضغط على العائلات، أو تربك جهود الإغاثة والاستجابة للطوارئ.

فإذا كانت الحكومة مسؤولة عن إدارة شؤون الناس، فإن توفير المعلومة الموثوقة في أوقات الأزمات جزء أصيل من هذه المسؤولية. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: ماذا يجري في الخليل وفلسطين؟ بل أيضًا: لماذا لا يجد المواطن الفلسطيني، حتى الآن منظومة إعلامية متكاملة تجيبه بوضوح ومسؤولية؟

إن الفراغ الإعلامي ليس تفصيلًا إداريًا يمكن تأجيله؛ إنه ثغرة في جدار الصمود الوطني، وإغلاق هذه الثغرة يبدأ بإرادة سياسية تعترف بأن المعلومة حق للمواطن، وأن الحقيقة مسؤولية، وأن الإعلام في فلسطين ليس مجرد وسيلة لنقل الحدث، بل أحد ميادين حماية المجتمع وصون روايته الوطنية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير