اتحاد المحامين العرب إلى أين؟

كتب:المحامي أنس الكسواني
نشأ اتحاد المحامين العرب في العام 1944 جسماً جامعاً للعاملين في مهنة المحاماة من مختلف الدول العربية، وتجسيداً لرؤية التحرر من قيود الاستعمار وتحقيق الوحدة العربية المنشودة، وإطاراً قادراً على إحياء الفكر القانوني في العالم العربي بوصفه أحد أشكال مقاومة الاستعمار وتحقيق السيادة الوطنية، إلا أن الاتحاد بقي حبيس التجاذبات السياسية العربية، ولم ينجح في الخروج من عباءة الولاء السياسي للدول، أو في تشكيل رافعة لترسيخ سيادة القانون ودفع الدول نحو نظم ديمقراطية قادرة على تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وفكرية حقيقية.
واليوم، يمر الاتحاد بأزمة عميقة صنعتها تراكمات سنوات طويلة من غياب البناء المؤسسي الفعلي، وعدم الاضطلاع بالدور الذي أُريد له عند تأسيسه.
في الحقيقة، أزمة اتحاد المحامين العرب أعمق من مجرد خلاف على منصب أو نزاع على إدارة اجتماع. والسؤال الحقيقي: هل تستطيع النقابات العربية، المقيدة بقيود السلطات في بلدانها، أن تصنع، حين تجتمع، قراراً عربياً مستقلاً؟ وكيف لاتحاد أن يدافع عن سيادة القانون إذا كان بعض مكوناته لا يملك حرية الدفاع عنها في وطنه؟
لا يمكن فصل هذه الأزمة عن المسار الذي سلكته الدولة العربية الحديثة، فقد ارتبط العمل النقابي العربي بقضايا التحرر من الاستعمار والاستقلال والوحدة، وكانت المحاماة حاضرة في هذه المعارك بحكم صلتها بالحقوق والحريات، إلا أن السلطات العربية قدّمت تثبيت الحكم على بناء المؤسسات، وروّجت لذلك باعتباره ضرورة تبرر تأجيل الديمقراطية وتقييد الحريات، والاكتفاء، في أحسن الأحوال، بممارسة ديمقراطية شكلية. وهنا وجدت النقابات نفسها أمام سلطات تطلب منها تأييد خياراتها، وتضيق باعتراضها.
الحقيقة أن العديد من النقابات العربية خاضت معارك حقيقية دفاعاً عن الحريات، ودفع المحامون أثماناً باهظة لمواقفهم. وفي المقابل، ضاقت مساحة الاستقلال في تجارب أخرى، وتداخل التمثيل المهني مع الولاء الحزبي وحسابات السلطة. لذلك، لا يستقيم تجاهل أثر هذا الواقع في المؤسسة التي تجمع هذه النقابات.
تحتاج المحاماة، كي تكون قوية، إلى دولة تحترم حق الدفاع، وقضاء يحكم بالضمير والقانون وحدهما، ونقابة يؤخذ رأيها في التشريع وإدارة العدالة، وعندما تتجاهل الدولة هذه المتطلبات، تتراجع قدرة المهنة على أداء دورها، فيظل المحامي حاضراً في اروقة المحاكم، فيما يغيب صوته عن صناعة السياسات التي تحدد شروط العدالة نفسها.
المشكلة ليست في اشتغال المحامين بالسياسة؛ فالدفاع عن الحرية ومواجهة التعسف عمل له أثر سياسي بالضرورة. إلا أن الخلل يقع حين يصبح الموقف المهني تابعاً للولاء السياسي، وحين يُطلب من النقابة أن تبرر ممارسات السلطة التي يُفترض أن تراقب مدى احترامها للقانون. عندها، يُعاد تعريف استقلال المهنة بما يتسع لما تقبله السلطة، ويضيق عما يزعجها.
ومن هنا تتضح مشكلة اتحاد المحامين العرب؛ فهذه العلاقة تدخل مع الوفود إلى قاعة الاتحاد. وبدلاً من مناقشة الانتهاك على أساس طبيعته وخطورته، يُفتح النقاش حول الدولة المعنية وحساسيات ممثليها، وقد يجد المحامي نفسه أمام زميل يدافع عن سياسة حكومته، فيما المطلوب منهما معاً الدفاع عن الحق الذي مسّته تلك السياسة. فيصبح اتخاذ القرار مأزقاً، ويغدو الموقف المنسجم مع سيادة القانون مصدر حرج، أو سبباً لغضب وفد، أو تهديداً لتوازن داخل الاتحاد. فتبدأ المساومات على العبارة، ويُخفَّف الموقف، ويؤجَّل الحسم، حتى يخرج قرار يرضي المجتمعين ويفقد قيمته لدى أصحاب الحق. ومع تكرار ذلك، يتحول الحفاظ على التوافق إلى مبرر للعجز.
من الطبيعي، في مؤسسة يضعف اتفاق مكوناتها على وظيفتها، أن تتقدم معارك المواقع، فحين يغيب البرنامج الذي يمكن قياس نتائجه، يصبح النفوذ داخل المؤسسة هو النتيجة الأهم للمتنافسين، وتُستهلك طاقة الاتحاد في ترتيب علاقاته الداخلية، لهذا لا يجوز أن نكتفي بتبديل الأسماء لإصلاح الاتحاد؛ فالمطلوب استقلال حقيقي يمكن اختباره في المواقف الصعبة، ومعيار واحد لا يتبدل بحسب هوية السلطة أو علاقتها بالوفود.
قد لا يستطيع الاتحاد تغيير واقع الدول العربية، لكنه مسؤول عن قراره، وعن الحدود التي يقبل أن يفرضها هذا الواقع عليه، ومبرر وجوده هو أن يمنح النقابات والمحامين قدرة أوسع على الدفاع عن العدالة، وأن يسند استقلالهم حين تضيق به سلطاتهم، أما إذا حملت مكونات الاتحاد سقوف السلطات التي تتبع لها في بلدانها، وقبل الاتحاد بهذه السقوف حدوداً لعمله، فلن يكون قد جمع قوة المحامين العرب؛ سيكون قد جمع القيود المفروضة عليهم.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


