بين الأمواج ونيران الاحتلال صيادو غزة يصارعون الموت من أجل البقاء

31.10.2026 02:43 PM

كتبت الصحفية آمنة الدبش: شكل البحر على مدار سنوات جزءاً أساسياً من الهوية الاقتصادية والاجتماعية لسكان قطاع غزة ومصدراً رئيسياً لرزق آلاف العائلات التي اعتمدت عليه في تأمين قوت يومها لكن هذا الشريان الحيوي لم يسلم من الحصار إذ بات الصيادون يواجهون واقعاً أكثر قسوة مع فرض قوات الاحتلال علامات صفراء جديدة داخل مياه القطاع في خطوة تزيد من تعقيد حياتهم وتضيق ما تبقى أمامهم من مساحات للعمل والصمود.

▪معادلة قاسية
لم يعد الحصار البحري المتواصل مجرد قيود تحد من حركة القوارب بل تحول إلى تهديد مباشر يفرض حدوداً جديدة فوق مصدر رزق الصيادين ويدفع بمهنة ارتبطت بالحياة والبحر إلى دائرة الخطر فبين مخاوف الاستهداف والاعتقال ومصادرة القوارب بات الخروج إلى البحر مغامرة محفوفة بالمخاطر وأصبحت لقمة العيش ثمناً قد يدفع الصياد مقابله حياته.
إنها معادلة قاسية لا تترك أمام الصياد خيارات كثيرة إما البقاء على الشاطئ وانتظار الجوع أو الإبحار في مياه يكتنفها الخوف ومواجهة مصير مجهول في رحلة لا يضمن معها العودة سالماً إلى أسرته.

▪︎ مغمسة بالألم
خلف كل قارب صيد حكاية موجعة ما بين القلق والانتظار فهناك أب يخرج مع أول خيوط الفجر لا يحمل شباكه وحدها بل يحمل أحلام أطفاله بوجبة تسد جوعهم وأعباء أسرة تنتظر عودته بما يسد رمقها وأم تقف عند رمال البحر تراقب الوقت وتترقب عودة زوجها فيما يظل الأطفال أسرى سؤال الخوف هل سيعود أبي اليوم سالماً أم ستبتلعه أمواج البحر ومخاطر الاحتلال؟
لم يعد صوت أمواج البحر بالنسبة إلى هذه العائلات مجرد إشارة إلى عودة الصياد بل أصبح صوتاً تختلط فيه مشاعر الفرح بالخوف والأمل بالقلق بعدما باتت كل رحلة إلى البحر تحمل احتمال الغياب .
ولا تنتهي المأساة عند حدود الخطر الذي يواجهه الصياد في عرض البحر فهناك معركة أخرى تنتظره خلف ابواب الخيام حيث موائد تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة وأطفال ينتظرون ما قد لا تأتي به الشباك وديون تتراكم واحتياجات يومية يعجز الآباء عن تلبيتها ومع تراجع فرص الصيد وانحسار مصادر الدخل يجد الصياد نفسه محاصراً بين خوف يطارده في البحر وعجز يلاحقه على اليابسة.
إنها مأساة لا تقاس بعدد القوارب المتوقفة أو الشباك المهجورة بل بحجم الآمال التي انطفأت والأحلام التي تبددت أمام قسوة الحصار والوجبات التي غابت عن موائد الأطفال والليالي التي قضتها الأمهات على وقع القلق فالحصار لا ينتزع من الصياد مساحة الإبحار فحسب بل ينتزع من عائلته الشعور بالأمان ويجعل لقمة العيش حلماً مؤجلاً وعودة الأب أمنية لا تفارق قلوب المنتظرين.

▪︎خسائر بشرية ودمار اقتصادي
لم تتوقف معاناة صيادي غزة عند مخاطر الإبحار ومواجهة نيران الاحتلال في عرض البحربل امتدت لتضرب الإنسان والمهنة ومصادر الرزق مخلفةً خسائر بشرية واقتصادية فادحة فقد وثق مركز حماية لحقوق الإنسان استشهاد 235 صياداً وإصابة 143 آخرين واعتقال 130 في ظل تضييق بحري خانق وصل إلى حد منع الصيد كلياً خلال فترات من الحرب.
ولم تكن المراكب بمنأى عن آلة التدمير إذ طالت الاعتداءات 1810 مراكب صيد تنوعت بين «الحسكات» ذات المحركات والمجاديف واللنشات البحرية ما وجه ضربة قاسية لقدرة الصيادين على الوصول إلى البحر وممارسة مهنتهم.
كما امتد الدمار إلى البنية التحتية للقطاع حيث دمرت 270 محطة صيد من أصل 310 محطات موزعة على امتداد الشريط الساحلي إلى جانب تدمير محطة لتحلية المياه ومصنع للثلج ومطبخ مخصص لخدمة الصيادين.
وتقدر نقابة الصيادين حجم الخسائر المادية المباشرة التي لحقت بقطاع الصيد بنحو 75 مليون دولار أمريكي
في وقت تراجعت فيه القدرة الإنتاجية للثروة السمكية بصورة كارثيةوفقد نحو 4500 صياد و1500 عامل في المهن المرتبطة بالصيد مصادر دخلهم.
وهكذا لم يعد البحر بالنسبة إلى آلاف العائلات في غزة مصدراً للرزق كما كان بل تحول إلى مساحة محفوفة بالموت فيما تحولت مهنة الصيد من وسيلة لإعالة الأسر وتأمين قوتها اليومي إلى معركة قاسية من أجل البقاء وسط تراجع الإنتاج السمكي وتفاقم انعدام الأمن الغذائي في القطاع.

▪︎ مهددة بالاندثار
الأخطر من الخسائر اليومية أن هذه القيود تهدد مستقبل مهنة الصيد نفسها فالقوارب التي تتعطل والشباك التي تتلف والمعدات التي يصعب تعويضها كلها عوامل تدفع كثيراً من الصيادين إلى التفكير في ترك مهنتهم رغم أنها مصدر رزقهم وموروث عائلاتهم.
ومع استمرار هذه الظروف يجد الجيل الجديد نفسه أمام مستقبل غامض فهل سيبقى البحر مهنة يتوارثها الأبناء عن الآباء أم يتحول إلى ذكرى يرويها الصيادون عن زمن كان فيه البحر متاحاً لأهله.
إن خسارة الصيد لا تعني خسارة مصدر دخل فحسب بل تعني تهديد جزء من الذاكرة الفلسطينية المرتبطة بالبحر وبالحياة التي نشأت على شاطئه.

قد تفرض العلامات الصفراء وقد ترسم الحدود وتضيق المساحات لكن ما لا يمكن محوه هو علاقة الفلسطيني ببحره ولا إرادته في البقاء فالصياد الذي يواجه الأمواج وتهديدات الاحتلال لا يدافع عن مهنة ورثها عن آبائه فحسب بل يدافع عن حقه في الحياة والرزق والكرامة وبين بحرٍ يضيق بالحصار وأفقٍ لا يزال مفتوحاً على الأمل يواصل صيادو غزة التشبث بشباكهم وقواربهم وكأنهم يبعثون برسالة إلى العالم قد تحاصرون البحر لكنكم لن تستطيعوا إغراق إرادة شعب قرر أن يبقى.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير