الانتخابات الإسرائيلية 2026: برلمان بلا أغلبية ومقاعد عربية تُعيد رسم معادلة الحكم

29.10.2026 04:35 PM

 إعداد: الباحث اياد القرم: لم تُنهِ الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في (27 أكتوبر/تشرين الأول 2026) الصراع على تشكيل الحكومة، بل نقلته من ميدان المنافسة الانتخابية إلى ميدان المفاوضات السياسية والحسابات البرلمانية المعقدة، فعلى الرغم من تقدّم معسكر بنيامين نتنياهو (رئيس الوزراء الحالي) بحصوله على (53) مقعداً، مقابل (48) مقعداً لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت وحلفائه، فإن هذا التقدم لم يترجم إلى أغلبية برلمانية تتيح تشكيل حكومة مستقرة، في ظل حصول القوائم العربية على (19) مقعداً وفق النتائج المُعلنة حتى الآن.

وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة سياسية أساسية، فالمعسكر الذي يتصدر النتائج ليس بالضرورة المعسكر القادر على تشكيل الحكومة، كما أن المعسكر الذي يمتلك فرصة لتغيير السلطة لا يستطيع ترجمة هذه الفرصة إلى واقع من دون تجاوز خلافاته الداخلية وحسم علاقته بالقوائم العربية.
وبذلك لا يتمثل السؤال المركزي بعد الانتخابات في تحديد الطرف الذي حصل على عدد أكبر من المقاعد فحسب، بل في معرفة الطرف القادر على بناء ائتلاف يحظى بثقة الكنيست ويستطيع الاستمرار في إدارة الدولة واتخاذ القرارات في ظل الانقسامات السياسية التي تشهدها إسرائيل.
ماذا تقول الأرقام؟ قراءة في موازين القوى الجديدة:
تُظهر النتائج الانتخابية (وفق المعطيات المتاحة) حصول معسكر بنيامين نتنياهو على (53) مقعداً، مقابل (48) مقعداً لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت وحلفائه، فيما حصلت القوائم العربية على (19) مقعداً، ليبلغ مجموع مقاعد الكنيست (120) مقعداً، وتعكس هذه الأرقام تقدم معسكر نتنياهو بفارق خمسة مقاعد عن معسكر المعارضة، غير أن هذا التقدم لا يكفي لتشكيل حكومة بأغلبية برلمانية، إذ يحتاج معسكر نتنياهو إلى ثمانية مقاعد إضافية للوصول إلى عتبة الأغلبية المطلوبة البالغة (61) مقعداً، في حين يحتاج معسكر آيزنكوت إلى (13) مقعداً إضافياً لتحقيق الغاية ذاتها، وفي المقابل تمنح المقاعد التسعة عشر التي حصلت عليها القوائم العربية هذه الأخيرة وزناً برلمانياً مؤثراً في تحديد مسار المفاوضات والخيارات الحكومية المحتملة، إذ إن جمع مقاعد معسكر المعارضة بمقاعد القوائم العربية يرفع المجموع نظرياً إلى (67) مقعداً، وهو ما يوفر إمكانية حسابية لتشكيل حكومة بديلة عن حكومة نتنياهو، شريطة توافر التوافق السياسي اللازم بين الأطراف المعنية في ظل تردد بعض أقطاب معسكر أيزنكوت وتحفظه على التحالف مع الاحزاب العربية، وبذلك فإن المشهد الانتخابي لا يعكس تفوقاً واضحا لأي من المعسكرين، بقدر ما يكشف عن حالة من التوازن النسبي والاعتماد المتبادل، تجعل القدرة على بناء التحالفات والتفاهمات السياسية العامل الأساس في تحديد هوية الحكومة المقبلة وليس عدد المقاعد وحده.
سيناريوهات تشكيل الحكومة في ظل النتائج المُعلنة:
السيناريو الأول: حكومة وحدة بين نتنياهو وآيزنكوت
يبرز تشكيل حكومة وحدة وطنية بين نتنياهو وآيزنكوت بوصفه أحد السيناريوهات الممكنة لتجاوز حالة الانسداد السياسي، ويستند هذا الخيار إلى حقيقة أن المعسكرين الرئيسيين لا يمتلك أي منهما أغلبية مستقلة، وأن جمعهما يمكن أن يوفر قاعدة برلمانية واسعة تتجاوز عتبة (61) مقعداً بسهولة، ومن الناحية الحسابية يصل مجموع مقاعد المعسكرين إلى (74) مقعد، إذا افترضنا أن حزب يشار بقيادة ايزنكوت حصل على (21) مقعد وشارك لوحده من دون باقي احزاب المعارضة في حكومة الوحدة، وهذا الرقم يوضح أن المشكلة في هذا السيناريو ليست نقص المقاعد، بل مدى إمكان التوافق السياسي بين طرفين خاضا الانتخابات على أساس التنافس على قيادة الحكومة وتحديد اتجاهاتها.
وتتمثل أبرز دوافع هذا الخيار في الحاجة إلى تجنب انتخابات جديدة، وتقليل حالة عدم الاستقرار السياسي، وتوفير قاعدة برلمانية واسعة تسمح بتمرير الموازنات والتشريعات والقرارات الحكومية، وقد تزداد احتمالية هذا السيناريو في ظل ما يواجه إسرائيل من تحديات أمنية وإقليمية تتطلب الوحدة، وبالتالي حكومة ذات قاعدة سياسية أوسع، ويبرز هنا الدور الذي من الممكن أن يلعبه الرئيس الامريكي ترمب للدفع باتجاه هذا الخيار.
لكن حكومة الوحدة لا تعني بالضرورة تسوية الخلافات بين نتنياهو وآيزنكوت، فهناك أسئلة جوهرية تتعلق بمن يتولى رئاسة الحكومة، وكيفية توزيع الحقائب الوزارية، وما إذا كان الاتفاق يتضمن تناوباً على رئاسة الحكومة، فضلاً عن الخلافات بشأن السياسات الأمنية والقضائية والاقتصادية والعلاقة مع الأحزاب الدينية والقومية.
كما أن دخول آيزنكوت في حكومة برئاسة نتنياهو قد يثير اعتراضات داخل معسكر المعارضة، التي قد ترى في هذا الخيار تخلياً عن الهدف الأساسي المتمثل في إنهاء حكم نتنياهو، وفي المقابل قد يواجه نتنياهو صعوبة في إقناع شركائه الحاليين بتقديم تنازلات في حال انضمام قوى معارضة إلى الحكومة.
السيناريو الثاني: حكومة أقلية برئاسة آيزنكوت بدعم القوائم العربية
يمثّل تشكيل حكومة أقلية برئاسة آيزنكوت مع حصولها على دعم القوائم العربية من خارج الحكومة أحد السيناريوهات المطروحة، لكنه يواجه عقبات سياسية واضحة، فهذا السيناريو يصطدم بمشكلتين أساسيتين:
الأولى أن عدداً من الأحزاب اليهودية داخل معسكر المعارضة (ليبرمان وبنيت) يرفض التعاون مع القوائم العربية أو يعتبره خطاً أحمر سياسياً، وهو ما قد يؤدي إلى انقسام المعسكر نفسه قبل بدء المفاوضات الجدية، والثانية أن الأحزاب العربية ليست بالضرورة كتلة سياسية متجانسة، إذ قد تختلف تقديراتها بشأن طبيعة الدعم المطلوب وحدود المشاركة في الترتيبات البرلمانية ومدى كفاية التعهدات الحكومية المتعلقة بالقضايا المدنية والاجتماعية والسياسية.
السيناريو الثالث: عودة نتنياهو إلى الحكم عبر استقطاب نواب من المعارضة:
يمتلك نتنياهو طريقاً آخر لتجاوز مأزق الأغلبية، يتمثل في استقطاب حزب أو عدد من النواب من خارج معسكره الحالي، سواء عبر اتفاقات سياسية معلنة أو من خلال إعادة تشكيل التحالفات البرلمانية، فمع امتلاك معسكره (53) مقعداً، يحتاج إلى ثمانية مقاعد إضافية للوصول إلى أغلبية من (61)، وبذلك فإن انضمام حزب يضم ثمانية نواب (ليبرمان أو بنيت) قد يكون كافياً حسابياً، كما يمكن أن يتحقق الهدف من خلال استقطاب مجموعة من النواب من أحزاب مختلفة.
ويستند هذا السيناريو إلى أن المعسكرات السياسية ليست دائماً وحدات متماسكة بعد الانتخابات، فقد تتباين مصالح الأحزاب بشأن الحقائب الوزارية والسياسات الاقتصادية والتجنيد العسكري والعلاقة مع المؤسسة الدينية، والتعامل مع القضايا الأمنية، ويمكن لهذه الخلافات أن تفتح المجال أمام إعادة التموضع السياسي، لذلك يبقى هذا السيناريو من الخيارات المتاحة أمام نتنياهو لكنه مرهون بظهور انقسامات فعلية داخل المعارضة وباستعداد بعض مكوناتها لتحمل الكلفة السياسية للانضمام إلى حكومته.
السيناريو الرابع: انتخابات جديدة نتيجة استمرار الانسداد السياسي
إذا فشلت المفاوضات بين نتنياهو وآيزنكوت، وتعذر على المعارضة التوصل إلى تفاهم مع القوائم العربية، ولم يتمكن نتنياهو من استقطاب شركاء جدد، فقد تتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة في الربيع القادم، وتحمل إعادة الانتخابات مخاطر على مختلف الأطراف، فنتنياهو قد يسعى إلى تحويل تقدمه العددي إلى أغلبية واضحة، بينما قد ترى المعارضة أن توحيد صفوفها وتجاوز الخلافات بشأن التعاون مع الأحزاب العربية يمنحها فرصة أفضل، أما القوائم العربية فقد تسعى إلى الحفاظ على مكاسبها أو توسيعها لكنها ستواجه أيضاً سؤالاً حول قدرتها على تحويل تمثيلها البرلماني إلى نتائج سياسية ملموسة.
أي السيناريوهات أكثر ترجيحاً؟
من الصعب الجزم استناداً إلى توزيع المقاعد وحده، بأن أحد السيناريوهات الأربعة سيحدث حتماً، فالحسابات البرلمانية تحدد الخيارات الممكنة لكنها لا تكشف بصورة كاملة عن استعداد الأحزاب لتقديم التنازلات أو عن قدرة القيادات على تجاوز الخلافات، ومع ذلك يمكن ترتيب السيناريوهات من حيث منطقها السياسي وشروط تحققها:
أولاً: حكومة وحدة بين نتنياهو وآيزنكوت: إذ تمتلك هذه الحكومة أساساً عددياً واسعاً، ويمكن أن توفر مخرجاً من الانسداد، في ظل الأنباء التي تتحدث عن ضغط أمرييك بهذا الاتجاه.
ثانياً: انتخابات جديدة: يظل هذا الخيار قائماً إذا فشلت المفاوضات الأخرى، لكنه لا يصبح حتمياً إلا بعد استنفاد المسارات القانونية والسياسية المتاحة لتشكيل الحكومة.
ثالثا: حكومة أقلية برئاسة آيزنكوت بدعم عربي: إذ يوفر هذا الخيار طريقاً حسابياً واضحاً للوصول إلى (67) مقعداً، لكنه يتطلب تفاهماً بين أحزاب المعارضة والقوائم العربية، وقبولاً داخل المعسكر المعارض بالتعاون معها، وهذا يبقى خياراً ضعيفاً في ظل إصرار بعض اطراف المعارضة على عدم قبول دعم الأحزاب العربية لتشكيل الحكومة واستقرارها.
رابعاً: حكومة نتنياهو بعد توسيع معسكره: إذ يملك نتنياهو أفضلية عددية أولية ويحتاج إلى ثمانية مقاعد إضافية، غير أن هذا المسار يتوقف على نجاحه في استقطاب شركاء جدد، وعلى استعداد أحزاب أو نواب من خارج معسكره الحالي لتحمل تبعات الانضمام إليه.

أزمة أغلبية أم أزمة ثقة بين المعسكرات؟
تدل نتائج الانتخابات الإسرائيلية لعام (2026) على أن إسرائيل تواجه أكثر من مجرد صعوبة حسابية في تشكيل الحكومة، فالمشكلة الأساسية تتمثل في غياب أغلبية سياسية متماسكة تستطيع الاتفاق على قيادة واحدة وبرنامج قابل للتنفيذ، فتقدّم نتنياهو بعدد المقاعد يمنحه موقعاً مهماً في المفاوضات، لكنه لا يضمن له العودة إلى الحكم على أساس ائتلافه الحالي، وفي المقابل يمتلك آيزنكوت فرصة لتشكيل بديل إذا استطاع توحيد معسكر المعارضة والتوصل إلى تفاهم عملي مع القوائم العربية، لكنه لا يستطيع تحويل هذه الفرصة إلى حكومة من دون معالجة الخلافات داخل معسكره حول قبول الدعم من القوائم العربية.
في المحصلة لا تعني الانتخابات أن نتنياهو خسر فرصة الحكم، ولا أن آيزنكوت أصبح رئيس الحكومة المقبل ولا أن القوائم العربية باتت قادرة وحدها على تحديد شكل الحكومة، لكنها تعني أن أي طرف يسعى إلى الحكم بات مضطراً إلى البحث عن شركاء إضافيين، وأن القدرة على بناء التفاهمات أصبحت أكثر أهمية من التقدم العددي وحده.
وقد يكون الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة هو ما إذا كانت القوى السياسية ستختار التسوية لتشكيل حكومة، أم ستفضل استمرار المواجهة بما قد يفتح الطريق أمام انتخابات جديدة، وبين الخيارين ستتحدد ملامح الحكومة المقبلة وحدود تأثير الأحزاب العربية ومدى قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على تجاوز حالة الاستقطاب التي أظهرتها نتائج الانتخابات.
إن الرسالة الأوضح التي تفرزها هذه النتائج هي أن الفوز الانتخابي لا يساوي بالضرورة القدرة على الحكم، فالأغلبية تُبنى بالتفاهمات، والاستقرار يحتاج إلى أكثر من جمع المقاعد، والوزن البرلماني لا يتحول إلى نفوذ فعلي إلا عندما تستطيع القوى السياسية توظيفه ضمن استراتيجية واضحة وقابلة للتنفيذ.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير