لا مقاومة ولا سلام.. ماذا يريدون من شعبٍ يضيع وطنه أمام عينيه؟

كتب إسماعيل جمعة الريماوي: ما إن وقعت عملية الخليل حتى سارع بعض الأصوات المحسوبة على السلطة الفلسطينية، ومعها أصوات من شباب حركة فتح، إلى إدانتها ومهاجمة منفذيها، وكأن الخطر الأكبر الذي يواجه المشروع الوطني الفلسطيني ليس الاحتلال الذي يصادر الأرض ويقتلع الشجر ويهجّر السكان، بل ردّة فعل الفلسطيني الذي يعيش تحت وطأة هذا الاحتلال.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يريد كثيرون الإجابة عنه: ماذا يريدون من شعبٍ يُقتل ويُهجّر وتُصادر أرضه، ثم يُطالَب بالصمت حتى لا يقدّم الذرائع للاحتلال؟
يرددون الشعارات الوطنية كل يوم ، ويتحدثون عن حماية المشروع الوطني من الضياع، بينما يضيع الوطن قطعةً قطعة تحت أعينهم، المستوطنون يعتدون على القرى والبلدات والمزارعين، والأرض تُلتهم بالمستوطنات والطرق الالتفافية، والحواجز تقطّع أوصال الضفة الغربية، والقتل والاعتقالات والتهجير باتت مشاهد يومية في حياة الفلسطينيين، ومع ذلك، يُطلب من الناس أن يتحلّوا بالصبر، وأن يتجنبوا كل ما قد يثير غضب الاحتلال او يزعج مشروعه ، وأن يقبلوا بالواقع مهما بلغت قسوته.
أي مشروع وطني هذا الذي يُختزل في بيانات الإدانة، فيما تتآكل الأرض التي يفترض أن يقيم عليها الوطن؟ وأي استراتيجية هذه التي تطالب الشعب بضبط ردود فعله، بينما لا تملك ما يوقف اعتداءات المستوطنين أو يمنع مصادرة الأراضي أو يحمي المزارع في حقله؟
لقد جرّب الفلسطينيون المفاوضات أكثر من ثلاثة عقود، وراهنوا على الوعود والاتفاقيات والضمانات الدولية، لكن الدولة المستقلة لم تولد، والاستيطان لم يتوقف، والقدس لم تسلم من التهويد، والأرض لم تعد إلى أصحابها، بل إن الوقائع التي يفرضها الاحتلال على الأرض جعلت المساحة المتاحة للحلم الفلسطيني تتقلص يوماً بعد يوم.
فماذا بقي لنتفاوض عليه؟ وأين هو شريك السلام الذي يتحدثون عنه؟ وهل ما زال الرهان على المفاوضات قائماً على أساس واقعي، أم تحول إلى وسيلة لإدارة الأزمة وتأجيل مواجهة الحقائق؟
لسنا أمام معادلة بين السلام والحرب فحسب، بل أمام مأزق سياسي حقيقي: لا يريد بعضهم المقاومة، ولا يقدم بديلاً قادراً على وقف الاستيطان، ولا يملك مشروعاً سياسياً يفرض على الاحتلال ثمناً لانتهاكاته، وفي المحصلة، يُطلب من الفلسطيني أن يتحمل الخسارة وحده، وأن يدفن غضبه، وأن ينتظر حلاً لا يأتي.
إن رفض خيار لا يعفي أصحابه من مسؤولية تقديم البديل، فمن يرفض ردود الفعل ، عليه أن يوضح كيف سيحمي الشعب والأرض، وكيف سيوقف الاعتداءات، وما الأدوات التي يمتلكها لمواجهة الاحتلال، وهل المطلوب مقاومة شعبية منظمة، أم تحرك قانوني ودولي فاعل، أم استراتيجية وطنية جامعة تجمع أدوات النضال السياسي والشعبي؟ أين الخطة، وأين النتائج، وأين المحاسبة على سنوات الرهان الذي لم يحقق الحد الأدنى من الحقوق الوطنية؟
أما أن يُترك الشعب بين احتلال يفرض وقائعه بالقوة، وقيادة تطالبه بالانتظار، فذلك ليس حلاً، بل استمرار للمأزق.
حين تصبح المناصب أهم من المشروع الوطني
المشكلة لا تتوقف عند المواقف السياسية، بل تمتد إلى الفجوة المتسعة بين حياة الناس وحياة أصحاب الامتيازات، فالمواطن الذي يخشى على أرضه وبيته وأبنائه، والمزارع الذي يتعرض للاعتداء في موسم الزيتون، والأسير الذي يدفع سنوات عمره خلف القضبان، وعائلة الشهيد التي تواجه ألم الفقد، لا يعيشون الواقع نفسه الذي يعيشه المسؤول المحاط بالمناصب والامتيازات.
ومن هنا، يصبح من حق الناس أن تسأل: لماذا يُطلب من الفقير أن يتحمل مزيداً من الحرمان، ومن المزارع أن يواجه مصيره، ومن العائلة المكلومة أن تصبر، بينما تبقى منظومة الامتيازات بعيدة عن المساءلة؟
ليس المطلوب إنكار التضحيات التي يقدمها أبناء الشعب الفلسطيني، ولا اتهام كل من يرفض المقاومة بأنه يتخلى عن وطنه، فداخل فتح وخارجها أصوات وطنية مخلصة تختلف في الوسائل، وقد تنطلق إدانة بعض العمليات من تقدير سياسي أو أخلاقي لنتائجها، لكن الاختلاف المشروع لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة للشعب، ولا إلى تجاهل للجريمة الأكبر المتمثلة في استمرار الاحتلال والاستيطان والتهجير.
عملية الخليل والسؤال الذي لا يمكن الهروب منه
إذا كان ما حصل في الخليل ، وفق الرواية المتداولة التي تصفها بأنها استهدفت موقعا عسكريا وليس مدنيين وفي الأرض المحتلة عام ٦٧ وفقا للقانون الدولي واتفاق أوسلو خاصتهم ، قد فجّرت موجة من الابواق ، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند الموقف من العملية وحدها، بل يجب أن يمتد إلى البيئة السياسية التي أنتجت هذا الاحتقان، وإلى عجز المسار القائم عن حماية الفلسطينيين وإنهاء الاحتلال.
لا تكفي الشعارات لإقناع الناس، ولا تستطيع البيانات أن تعيد أرضاً صودرت، أو بيتاً هُدم، أو حياةً أُزهقت، ولا يمكن مطالبة الفلسطيني بالتخلي عن كل أشكال المواجهة من دون أن يرى استراتيجية وطنية جدية تحمي حقوقه وتمنع تحويل حياته إلى سلسلة متواصلة من الخسائر.
إن المطلوب ليس مزايدة وطنية، ولا تمجيداً للعنف، ولا منح صكوك براءة لأي طرف، بل نقاش صريح حول جدوى الخيارات السياسية، وحدودها، ونتائجها، والمسؤولين عن إخفاقها، فالشعب الذي يدفع ثمن القرارات له الحق في معرفة من يتخذها، ولأي غاية، وما البديل عندما تفشل.
أخيراً.. ماذا تريدون من الشعب؟
فلسطين ليست منصباً يُحمى، ولا راتباً يُصان، ولا امتيازاً يُورث، فلسطين أرض وشعب وحقوق وكرامة، والمشروع الوطني لا يُقاس بعدد البيانات الصادرة باسمه، بل بقدرته على حماية الناس وصون الأرض وفتح طريق حقيقي نحو الحرية والاستقلال.
بعد أكثر من ثلاثة عقود من المفاوضات، وبعد كل ما شهدته الضفة الغربية من استيطان ومصادرة واعتداءات، لم يعد كافياً أن يُقال للفلسطينيين إن البديل عن المسار القائم هو الفوضى، أو أن كل رد فعل يمنح الاحتلال ذريعة جديدة، فالاحتلال لا ينتظر ذريعة كي يواصل سياساته، والشعب لا يستطيع تعليق حياته وحقوقه إلى أجل غير معلوم انتظاراً لتبدل موازين القوى.
من يرفض المقاومة، فليقدم بديلاً يحمي الأرض، ومن يرفض المواجهة، فليشرح كيف سيوقف الاحتلال، ومن يرفع شعار المشروع الوطني، فليثبت أن هذا المشروع أكبر من المناصب والرواتب والامتيازات.
أما أن يُطلب من الفلسطيني ألا يقاوم، وألا يحتج، وألا يصرخ، وأن يتقبل القهر حتى لا يزعج الاحتلال، فهذه ليست استراتيجية وطنية، بل وصفة للاستسلام للواقع المفروض بالقوة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه الجميع، في السلطة وفتح وسائر القوى الفلسطينية:
إذا كانت المفاوضات لم تحرر الأرض، والسلام لم يوقف الاستيطان، وكل أشكال المواجهة تُدان، فما البديل الذي تطرحونه على الشعب الفلسطيني؟ أم أن المطلوب منه أن يتكيف مع ضياع وطنه، بينما يواصل أصحاب القرار حماية مواقعهم ومصالحهم؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


