نبهان خريشة يكتب لوطن: بين الاستطلاع والصندوق: هل تحمل الانتخابات الإسرائيلة مفاجآت جديدة؟

24.10.2026 09:33 AM

في الانتخابات الإسرائيلية، لا تنتهي المنافسة دائما بإغلاق صناديق الاقتراع. تبدأ أحيانا معركة أخرى بين الصورة التي تقدمها استطلاعات الرأي والخريطة التي يكشفها الفرز. يتقدم حزب على الشاشات، ثم يتراجع مع وصول النتائج، وتبدو قائمة صغيرة خارج البرلمان قبل أن تعبر عتبته، أو يحدث العكس. ومع اقتراب انتخابات ٢٠٢٦، يستدعي هذا التاريخ قراءة الأرقام باعتبارها تقديرات مشروطة، خصوصا حين يتعلق الأمر بمصير بنيامين نتنياهو وقدرة خصومه على تحويل تراجع شعبيته إلى حكومة بديلة.
رغم التطور التقني والمهني لشركات الاستطلاع ووسائل الإعلام الإسرائيلية، سجلت انتخابات سابقة فجوات مؤثرة بين التوقعات والنتائج. غير أن حجم هذه الفجوات وطبيعتها يختلفان من اقتراع إلى آخر. فقد تخطئ الاستطلاعات في تقدير قوة حزب، بينما تقترب من تحديد الوزن الإجمالي لمعسكره، أو تصيب في ترتيب الأحزاب وتفشل في توقع عبور قائمة صغيرة نسبة الحسم. لذلك، لا يكفي وصف استطلاع بأنه أخفق؛ ينبغي تحديد ما أخفق في قياسه، وكيف انعكس الخطأ على الحسابات السياسية.
تقدم انتخابات ٢٠١٥ مثالا بارزا، حيث أظهرت الاستطلاعات الأخيرة تقدما للمعسكر الصهيوني على الليكود بنحو ثلاثة أو أربعة مقاعد، بينما انتهى الاقتراع بحصول الليكود على ٣٠ مقعدا مقابل ٢٤ لمنافسه. وحتى استطلاعات الخروج عرضت سباقا شديد التقارب. لكن المفاجأة لم تعن انتقالا واسعا من اليسار إلى اليمين؛ إذ جاء جزء مهم من زيادة قوة الليكود على حساب أحزاب قريبة منه سياسيا. كانت الفجوة في توزيع الأصوات داخل المعسكر أكبر من الفجوة في تقدير اتجاه المجتمع العام.
يساعد ذلك في فهم ظاهرة الناخب المتردد. فقد يكون الناخب مستقرا في موقفه من الأمن أو الفلسطينيين، لكنه لم يحسم الحزب الذي سيختاره. وفي الأيام الأخيرة، قد تدفعه حملة تحذير من خسارة الحكم إلى ترك حزب صغير وتعزيز الحزب الأكبر. وهكذا تتبدل الأحجام الحزبية دون تحول فكري مماثل. كما أن الاستطلاع يقيس موقفا في لحظة معينة، بينما يستمر تأثير الحملة والأحداث حتى يوم الاقتراع، فتظهر في النتائج حركة لم تكن قد حدثت عند جمع الإجابات.
ويضاف إلى المتردد ناخب يحجب اختياره الحقيقي، بدافع الخصوصية أو انعدام الثقة أو تجنب الضغط الاجتماعي. غير أن "الناخب المتستر" لا يصلح تفسيرا جاهزا لكل فجوة. فالامتناع عن الإجابة يختلف عن إعطاء إجابة مضللة، وكلاهما يختلف عن تغيير القرار لاحقا. وتتداخل هذه السلوكيات مع مشكلات تمثيل الفئات الاجتماعية وتقدير المشاركة. فالوصول إلى عدد كبير من المستجيبين لا يضمن أن تكون العينة ممثلة، كما أن إعلان تأييد حزب لا يعني بالضرورة الذهاب للتصويت له.
وفي نيسان ٢٠١٩، اتخذت المفاجأة شكلا آخر، حيث منح الاستطلاع الأخير للقناة الثانية عشرة "أزرق أبيض" ٣٠ مقعدا والليكود ٢٦، بينما حصل الحزبان على ٣٥ مقعدا لكل منهما. ومنح الاستطلاع نفسه "اليمين الجديد" ستة مقاعد، لكنه خرج من الكنيست لفشله في تجاوز نسبة الحسم. لذلك، كانت المشكلة أوسع من تقدير المتصدر؛ فقد شملت موقع أحزاب صغيرة تستطيع أصواتها تغيير حسابات المعسكرات وفرص تشكيل الحكومة.
النظام الانتخابي الإسرائيلي يضاعف أثر هذه الأخطاء. فالانتخابات تجري وفق التمثيل النسبي في دائرة قطرية واحدة، وتحتاج القائمة إلى ٣٫٢٥ في المئة من الأصوات الصحيحة لدخول الكنيست. وما يبدو فرقا إحصائيا محدودا حول هذه النسبة يتحول سياسيا إلى مسافة بين التمثيل والاستبعاد الكامل. ولا تستطيع العينات الاعتيادية الجزم بسهولة بموقع قائمة تتحرك على جانبي العتبة، بينما تعرض الشاشات نتائجها غالبا في صورة عدد محدد من المقاعد.
بلغت أصوات "اليمين الجديد" عام ٢٠١٩ نحو ١٣٨٫٦ ألف صوت، وبقي خارج البرلمان بفارق ضئيل عن العتبة. توضح هذه الحالة كيف يمكن لآلاف قليلة من الأصوات أن تغير الخريطة البرلمانية. كما تفسر لماذا ينبغي التعامل بحذر مع إعلان أن حزبا قريبا من نسبة الحسم سيحصل حتما على أربعة مقاعد أو لن يدخل مطلقا؛ فالفارق الذي يصعب قياسه قد تكون له نتائج سياسية تتجاوز حجمه العددي.
ولا تقف الاستطلاعات خارج المنافسة. تستخدم الأحزاب نتائجها لحشد المؤيدين، والتحذير من ضياع الأصوات، وإقناع الناخب بأن المعركة متقاربة أو أن حزبا بعينه وحده قادر على الحسم. وقد تؤدي الأرقام المنشورة إلى إنقاذ قائمة مهددة، أو إلى هجرة أصواتها نحو حزب أكبر. لكن الاستخدام السياسي لا يثبت بذاته التلاعب بالبيانات. تظل المصداقية مرتبطة بشفافية التمويل والمنهج وتوقيت القياس وطريقة معالجة المترددين، وبالفصل بين النتيجة الإحصائية والتفسير الدعائي الذي يلحق بها.
في انتخابات ٢٠٢٦، تكتسب هذه الحدود أهمية خاصة. فقد أظهرت استطلاعات منشورة في الأيام الأخيرة تقدم حزب "يشار" بقيادة غادي آيزنكوت على الليكود، بينما عرضت تقديرات أخرى تقاربا بين المعسكرين وعجزهما عن بلوغ أغلبية مستقرة. وهذه الصورة تجعل القوائم الصغيرة والمشاركة الانتخابية ومواقف الأحزاب العربية عناصر حاسمة. والسيناريوهات التالية قراءة لاحتمالات تتيحها هذه المعطيات، وليست تنبؤات بنتيجة محسومة.
السيناريو الأول هو تحسن موقع نتنياهو مقارنة ببعض الاستطلاعات، بفعل تعبئة متأخرة أو ارتفاع مشاركة مؤيديه. لكن انتقال الأصوات إلى الليكود من حلفائه لا يضمن زيادة مجموع مقاعد المعسكر؛ وقد يضره إذا أسقط قائمة قريبة من نسبة الحسم. ولذلك، فإن تكرار مفاجأة ٢٠١٥ على مستوى الحزب الأكبر لا يعني تلقائيا تكرار نتيجتها الحكومية. يحتاج نتنياهو إلى أصوات إضافية لمعسكره، أو إلى خريطة مقاعد تسمح بتوسيع تحالفاته بعد الاقتراع.
السيناريو الثاني هو تقدم خصومه مع بقائهم عاجزين عن تشكيل حكومة. فالأغلبية الرافضة لاستمرار نتنياهو ليست بالضرورة أغلبية متفقة على بديله وشركائه. وتبرز هنا معضلة الأحزاب العربية: قد تزيد مشاركتها البرلمانية قدرة المعارضة على منع أغلبية لنتنياهو، لكن تحويل ذلك إلى حكومة يتطلب تجاوز رفض التعاون معها. وقد نقلت تقارير حديثة استمرار آيزنكوت في استبعاد التحالف مع هذه الأحزاب، وهو ما يجعل الفارق كبيرا بين إضعاف نتنياهو وتأمين بديل قادر على الحكم.
أما السيناريو الثالث فهو كسر الانسداد بتسوية بعد الانتخابات: دعم خارجي لحكومة، أو تبدل تحالفات، أو تنازلات داخل المعسكرات. وإذا بقيت خطوط الرفض قائمة، فقد تطول المفاوضات ويعود احتمال انتخابات أخرى. عندئذ ستكون المفاجأة في سلوك الأحزاب بعد الصندوق، حتى لو اقتربت الاستطلاعات من توزيع المقاعد. وقد أظهرت تجربة نيسان ٢٠١٩ أن الحصول على التكليف لا يضمن النجاح في تشكيل الحكومة.
وتبقى الدلالة الفلسطينية مرتبطة بتركيبة الحكومة وبرنامجها، لا باسم الحزب المتصدر وحده. فخسارة نتنياهو المحتملة قد تغير الشركاء وأساليب إدارة الصراع، لكنها لا تكفي لإثبات تحول نحو قبول الدولة الفلسطينية؛ إذ تظهر المواقف المعلنة لخصومه الرئيسيين استمرار قيود سياسية عميقة على هذا المسار. وهكذا، فإن الاختبار الحقيقي لاستطلاعات ٢٠٢٦ يتجاوز سؤال من سيفوز بالمقعد الإضافي إلى سؤالين مترابطين: من يستطيع الحكم، وما السياسات التي تسمح بها أغلبيته؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير