فرش الهوى.. مواجهة ميدانية تفتح ملف الإخفاق الأمني الإسرائيلي وتحولات المقاومة

وطن للأنباء- خالد العلي: لم يكن الاشتباك المسلح الذي شهدته منطقة فرش الهوى عند المدخل الغربي لمدينة الخليل، صباح الجمعة، مجرد مواجهة عابرة عند حاجز عسكري إسرائيلي، بل حدثاً أعاد طرح أسئلة بشأن فاعلية المنظومة الأمنية للاحتلال في الضفة الغربية، وحدود قدرتها على منع الهجمات المسلحة واحتواء تداعياتها، رغم تصاعد الإجراءات العسكرية وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين.
واستمر الاشتباك، وفق تقارير إعلامية، أكثر من عشرين دقيقة، وانتهى باستشهاد الشابين أحمد بسام الجعبة وحمودة وائل الجعبة ومقتل جنديين اسرائيليين وإصابة أربعة اخرين، في مواجهة استهدفت موقعاً عسكرياً عند حاجز فرش الهوى. وأعقب ذلك استنفار عسكري وإغلاق لمداخل ومناطق في محيط الخليل، في إجراءات وسّعت نطاق الحدث من المواجهة المباشرة إلى مشهد أمني وميداني أوسع.
لكن أهمية ما جرى لا تتوقف عند حصيلة الاشتباك، بل تمتد إلى دلالاته في سياق التحولات التي شهدها الفعل الفدائي الفلسطيني خلال السنوات الأخيرة، وتبدل أشكال المواجهة المسلحة في الضفة الغربية، بعد استهداف التشكيلات المسلحة وملاحقة عناصرها وقياداتها، وفي ظل واقع ميداني مختلف عن ذلك الذي طبع الانتفاضة الثانية.
فرش الهوى.. مواجهة عند إحدى حلقات السيطرة العسكرية
لا يمكن قراءة اشتباك فرش الهوى بمعزل عن الموقع الذي وقعت فيه المواجهة. فالمنطقة تقع عند أحد مداخل الخليل، في محيط تتقاطع فيه الطرق الرئيسية مع الحواجز والمنشآت العسكرية والطرق الاستيطانية، التي يستخدمها الاحتلال لمراقبة حركة الفلسطينيين والتحكم بتنقلاتهم.
وتكتسب هذه الجغرافيا أهمية إضافية في ظل القيود المفروضة على مداخل المدينة ومخارجها، وما يرافقها من إغلاقات وحواجز تعيد تشكيل الحركة اليومية للسكان، وتضع أجزاء واسعة من حياتهم تحت تأثير القرارات العسكرية الإسرائيلية.
ومن هذه الزاوية، فإن وقوع اشتباك مسلح عند نقطة عسكرية لا يقتصر على ما أحدثه من خسائر في صفوف قوات الاحتلال للإسرائيلية، بل يطرح تساؤلات بشأن قدرة الانتشار العسكري المكثف على منع المواجهات، ومدى فاعلية منظومة المراقبة والاستجابة في التعامل مع أحداث غير متوقعة.
فوجود الحواجز وأبراج المراقبة ووسائل الرصد لا يضمن منع كل هجوم، كما أن التفوق العسكري والتقني لا يوفر حصانة مطلقة من المفاجآت الميدانية.
أكثر من عشرين دقيقة.. أسئلة المنظومة الأمنية
استمرار المواجهة لأكثر من عشرين دقيقة، وإصابة عدد من الجنود الإسرائيليين، يضعان أداء القوات التي كانت في الموقع أمام تساؤلات بشأن كيفية تطور الاشتباك، ومدى جاهزيتها للتعامل معه، وآليات الاستجابة والإسناد.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل الإجراءات التي فرضها الاحتلال عقب المواجهة، بما شمل إغلاق مناطق ومداخل في محيط الخليل، وتعزيز الانتشار العسكري وتنفيذ عمليات تمشيط ومداهمة.
وتكشف هذه الإجراءات عن انتقال سريع من مواجهة محدودة جغرافياً إلى تدابير أمنية أوسع، لكنها لا تقدم وحدها إجابة عن مدى نجاح المنظومة الأمنية في منع الهجوم أو احتواء تداعياته.
وفي الوقت الذي تستطيع فيه الإجراءات العسكرية فرض قيود واسعة على الحركة، فإن قدرتها على منع كل مواجهة تظل موضع اختبار مستمر. فالفارق قائم بين السيطرة على الجغرافيا والتحكم بحركة السكان، وبين القدرة على التنبؤ بكل حدث ميداني ومنعه قبل وقوعه.
ومن هنا، فإن فرش الهوى تطرح سؤالاً يتجاوز الحاجز الذي شهد الاشتباك: هل تستطيع المقاربة الأمنية الإسرائيلية القائمة على الانتشار والاقتحامات والإغلاق المستمر أن تحقق أهدافها المعلنة، أم أن الوقائع الميدانية تفرض على المؤسسة العسكرية مراجعة افتراضاتها بشأن طبيعة المواجهة في الضفة الغربية؟
"الاستشهاديون يعودون".. تحولات الفعل الفدائي في الضفة الغربية
تستحضر مواجهة فرش الهوى أحد المفاهيم المركزية في تاريخ العمل الفدائي الفلسطيني، وهو مفهوم "الاستشهادي"، الذي ارتبط في الخطاب الوطني الفلسطيني بصورة المقاتل الذي يخوض مواجهة مسلحة مع الاحتلال وتنتهي بمقتله.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة اشتباك فرش الهوى باعتباره حدثاً يستحضر صورة الفدائي الذي يخوض مواجهة مباشرة تنتهي باستشهاده، لكن ضمن ظروف سياسية وعسكرية وتنظيمية تختلف عن تلك التي سادت في مراحل سابقة من الصراع.
ولا يعني ذلك أن العملية تمثل عودة مطابقة إلى نموذج تاريخي بعينه، أو أن جميع أشكال العمل الفدائي باتت تتخذ مساراً واحداً. بل إن المقارنة تكشف عن تحولات في طبيعة المواجهة، والبيئة التي تنشأ فيها، والبنى التنظيمية التي تتحرك ضمنها المجموعات المسلحة.
ففي الانتفاضة الثانية، برزت أنماط متعددة من العمليات المسلحة، إلى جانب حضور التنظيمات الفصائلية التقليدية وشبكاتها الميدانية. أما خلال السنوات الأخيرة، فقد شهدت الضفة الغربية بروز مجموعات مسلحة محلية في مخيمات ومدن عدة، من بينها كتيبة جنين و"عرين الأسود" في نابلس، اتسمت تجاربها بدرجات متفاوتة من الارتباط بالفصائل الفلسطينية، وبأشكال تنظيمية أقل مركزية في بعض الحالات.
وقد عكست هذه التجارب تغيراً في العلاقة بين الانتماء الفصائلي والعمل الميداني، وفي طبيعة المجموعات التي نشأت في بيئات محلية مختلفة، في ظل تعقيدات سياسية وأمنية متزايدة.
لكن هذا المسار لم يكن مستقراً أو تصاعدياً على نحو متواصل؛ إذ تعرضت التشكيلات المسلحة لحملات عسكرية واستخبارية متلاحقة، استهدفت عناصرها وقياداتها وبناها المحلية، وأدت إلى إضعاف بعضها وتراجع نشاطها أو تفكك أجزاء منها.
وتعمقت هذه التحولات مع الحرب التي أعقبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما رافقها من تصعيد عسكري إسرائيلي في الضفة الغربية، بما شمل اقتحامات واسعة واعتقالات وتدميراً في بعض المناطق، الأمر الذي غيّر الظروف التي تعمل ضمنها المجموعات المسلحة.
في هذا السياق، لا تبدو مواجهة فرش الهوى استعادة آلية لأساليب الانتفاضة الثانية، بقدر ما تعيد فتح النقاش بشأن استمرار الفعل المسلح وتبدل أشكاله، حتى في ظل الضربات التي تتعرض لها التشكيلات التنظيمية.
وهنا تكتسب عبارة "عودة الاستشهاديين" دلالتها بوصفها توصيفاً لعودة صورة الفدائي الذي ينتهي اشتباكه بمقتله إلى واجهة المشهد، لا باعتبارها دليلاً حاسماً على عودة نموذج العمليات التفجيرية أو استعادة البنية التنظيمية التي عرفتها الانتفاضة الثانية.
الخليل.. مدينة في قلب المواجهة
لم تكن الخليل يوماً على هامش المواجهة الفلسطينية مع الاحتلال، بل ظلت إحدى ساحاتها التاريخية، بما تختزنه من إرث وطني وديني، وما شهدته من صراع متواصل على الأرض والهوية والوجود.
ومنذ احتلال المدينة عام 1967، فرض التوسع الاستيطاني والانتشار العسكري واقعاً خاصاً على أجزاء منها ومحيطها، فيما ازدادت القيود على حركة السكان مع توسع الحواجز والإجراءات الأمنية.
وفي المدينة، لا تنفصل الجغرافيا عن السياسة؛ فالمداخل والطرق والحواجز ليست مجرد نقاط عبور، بل عناصر تؤثر في حركة السكان وعلاقتهم بأرضهم ومصادر رزقهم، وفي طبيعة الاحتكاك اليومي مع قوات الاحتلال.
ولهذا، فإن وقوع اشتباك مسلح عند أحد مداخل الخليل يحمل دلالة تتجاوز موقعه المباشر، لأنه يعيد تسليط الضوء على مدينة تتداخل فيها السيطرة العسكرية مع التوسع الاستيطاني، وتبقى فيها المواجهة حاضرة بأشكال متعددة.
ولا تعني هذه الخلفية التاريخية أن كل حدث في الخليل يمثل امتداداً مباشراً لمرحلة سابقة، لكنها تساعد على فهم السياق الذي تقع فيه الأحداث الراهنة، والعلاقة بين الجغرافيا العسكرية والواقع السياسي والاجتماعي للمدينة.
من الاشتباك إلى الإغلاق والهدم.. تداعيات تطال السكان
عقب المواجهة، اتجهت قوات الاحتلال إلى تشديد الإجراءات الميدانية في محيط الخليل، وأغلقت طرقاً ومداخل، وفرضت قيوداً على حركة المواطنين، بالتزامن مع عمليات تمشيط ومداهمة.
كما شهدت منطقة فرش الهوى عمليات هدم طالت منشآت ومباني، في تطور وسّع آثار المواجهة لتشمل الممتلكات والحياة اليومية للسكان.
وتعيد هذه الإجراءات إلى الواجهة سياسة الإغلاق الواسع التي يعتمدها الاحتلال عقب العمليات المسلحة، وما تتركه من آثار مباشرة على حياة الفلسطينيين، من تعطيل التنقل والعمل والتعليم، إلى عرقلة الوصول إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية.
كما يثير هدم المنشآت السكنية والتجارية تساؤلات بشأن الأساس القانوني لكل عملية، والقرارات التي تستند إليها، ومدى ارتباطها بإجراءات عسكرية أو إدارية معلنة. ويقتضي تقييم كل حالة الاطلاع على الوثائق ذات الصلة، مع عدم الخلط بين الوقائع الميدانية المثبتة والتفسيرات المتعلقة بدوافعها.
لكن الأثر الأوسع لهذه الإجراءات يتمثل في انتقال تداعيات الاشتباك من القوة العسكرية التي شاركت فيه إلى السكان الذين يعيشون في المنطقة أو يعتمدون على طرقها ومرافقها.
وهكذا، لا ينتهي الحدث بانتهاء إطلاق النار، بل تستمر آثاره عبر الإغلاقات والقيود والإجراءات التي تعيد تشكيل الحياة اليومية للفلسطينيين، في منطقة تعاني أصلاً من الحواجز والانتشار العسكري.
خاتمة: ما الذي تقوله فرش الهوى عن المرحلة الراهنة؟
بين المواجهة عند حاجز فرش الهوى والإجراءات العسكرية التي أعقبتها، تتقاطع ثلاثة مسارات: اختبار فاعلية المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وتغير أشكال العمل الفدائي في الضفة الغربية، واستمرار تأثير السيطرة العسكرية على الحياة اليومية للفلسطينيين.
فالاشتباك يعيد إلى الواجهة صورة الفدائي الذي يخوض مواجهة مسلحة تنتهي بمقتله، لكنه لا يثبت وحده عودة نموذج تاريخي بعينه، ولا يكفي للحكم على اتجاهات المقاومة أو مستقبل التشكيلات المسلحة.
وفي الوقت ذاته، يضع الحدث المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أمام أسئلة بشأن قدرتها على منع الهجمات، ويعيد تسليط الضوء على حدود الإجراءات القائمة على الإغلاق والانتشار العسكري، وما تتركه من تداعيات على السكان.
وبين إرث الخليل في تاريخ المواجهة الفلسطينية والتحولات التي شهدتها الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة، تبدو فرش الهوى حدثاً يختصر جانباً من تعقيدات المرحلة الراهنة: تغير في أشكال المواجهة، واستمرار في استخدام القوة العسكرية، وأسئلة مفتوحة بشأن حدود السيطرة ومآلات الصراع.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء


