يحيى السنوار كما عرفته

17.10.2026 07:53 PM

كتب: أبو أحمد سهيل.

يرحل الرجال وعيونهم تنظر إلى وطن يذبح ومقدسات تستباح وشذاذ آفاق يقتلون ويعربدون ويسفكون الدماء لا يرحمون صغيرا ولا يوقرون كبيرا قلوبهم قاسية كالحجارة أو أشد ..

فكان القرار وكانت الوصية والعزيمة والإرادة والإصرار أن تكون ندا هكذا ربى الخالد أبو إبراهيم (يحيى السنوار) رجاله وأبناءه وهكذا كانت وصيته الأخيرة عش كريما عزيزا أو مت ندا شامخا أصيلا

يحيى السنوار ابن مخيم خانيونس رمز الفداء والتضحية وعنوان المجد والخلود في حاراته وأزقته الضيقة نشأ البطل واشتد عوده وكبر معه الحلم وعظم معه الثأر وقوي لديه اليقين أن يرى وطنه حرا عزيزا

أبو إبراهيم الفدائي الصادق الوفي الأبي البار بوالديه أقسم لهما أن يكمل المشوار بأن يرى المجدل (عسقلان) مهبط الآباء والأجداد فيها كان الميلاد وعلى ترابها كانت الذكريات والآمال عيون (إبراهيم) الأب وعيون (رضا) الأم كانت ترقب ذاك الفتى الجريء الشهم يكبر ويكبر وعشق عسقلان يشعل القلب والعودة إلى ترابها وبياراتها وبحرها يلهب المشاعر

هكذا عاش يحيى السنوار بهذا الحلم وتلك الأمنية وبالهدف الكبير والرسالة الأسمى بأن للوطن دينا مستحقا لا يدفعه ولا يحمله ولا يصنعه إلا العظام
قدر الله سبحانه وتعالى أن أرافقه من مخيم جباليا إلى مدينة رفح حيث صلينا المغرب ثم انطلقنا وكان الشيء الطبيعي أن نتحدث طوال الطريق عن هموم الوطن وحاجات الناس وقسوة الحياة ومتطلبات العمل وإذا بأبي إبراهيم يستأذنني بأن لديه وردا يوميا بعد صلاة المغرب من الذكر والتسبيح والدعاء فكان له ما أراد فكنت أستمع إلى صوته الخفيض وهو يناجي ربه ويلح عليه وعيونه تذرف الدموع فأيقنت بأن هذا الرجل العظيم صاحب الهيبة والأنفة والذي إذا تحدث أصغى إليه العالمون لعظيم شأنه وصدق مقولته وقوة شكيمته هذا الرجل يقف بين يدي ربه ذليلا منكسرا باكيا لن يخذله مولاه ولن يضيعه وسيكتب على يديه الخير الكثير لشعبه وأمته

أبو إبراهيم كنت معتادا أن ألتقيه على فترات قريبة فيما يخص عملنا وأشهد الله في كل مرة يعانقنا وكأننا غبنا عنه الدهر تحن إلى لقياه وتشعر بالأنس والراحة وأنت تجلس إلى رجل فتح الله عليه وآتاه من الحكمة والمنطق والذكاء والقبول ما تلذ به القلوب وتسعد به الأنفس
كنت أشاهده مع مرافقيه والعاملين في مكتبه يتعامل معهم وكأنهم أبناؤه وأصدقاؤه حتى يصل الحد به مازحا معهم طالبا منهم ومتحديا لهم بالمصارعة والمبارزة لأتحدث إلى نفسي وأقول نعم القائد أنت أبا إبراهيم وحق لك أن يضعك إخوانك تاجا على رؤوسهم
كنا نتناول الطعام أحيانا في مكتبه وعلى المائدة يجلس الجميع العاملون والمرافقون يتفقد الجميع ويسأل عن الغائبين ولا يضع لقمة في فمه إلا إذا وضعها الآخرون لا يرفض طعاما ولا يأنف زادا متواضعا لإخوانه وكأنه خادم لهم

أبو إبراهيم عرفته هينا لينا كريما سخيا لا يرد محتاجا ولا يرضى ظلما أو جورا وقافا أمام حدود الله صادحا بكلمة الحق لا يخشى في الله لومة لائم
أبو إبراهيم الفدائي الذي لا يعرف التردد ولا يقبل أنصاف الحلول لا يعرف لجلجة اللسان ولا رجفة اليد كما اعتاد عليها الكثيرون لا يحسب حسابا إلا لله
يفكر ويشاور ثم يتخذ القرار مهما كانت نتائجه

قبل الطوفان بفترة وجيزة كانت تصريحات لمدير عمليات الوكالة في حينه (ماتياس شمالي) أساء فيها للشعب الفلسطيني إضافة لنائبه (ديفيد ديبولد) الذي كان متهما من أهالي غزة بأنه ينفذ سياسة الاحتلال وكان هناك إجماع من القوى الفلسطينية المختلفة على وجوب مغادرتهما غزة ورغم أن القرار ربما يؤدي في حينه إلى اتخاذ إدارة الوكالة قرارات بإغلاق مقراتها وتقليص خدماتها ونظرا لسخونة الأمر أرسل المفوض العام نائبه لمقابلة أبي إبراهيم وإقناعه ببقائهما وكنت ممن حضر اللقاء وبعد نقاش طويل كان القرار من أبي إبراهيم بمغادرة غزة فورا مهما كانت الأثمان فعندما يهان الوطن ويساء إليه فلا مكان للحسابات

أبو إبراهيم وإخوانه الكرام كلفوني بقيادة مسيرات العودة وهو عمل شعبي جماهيري ومقاومة سلمية وكان يحلم أبو إبراهيم بأن يوما ما سيخرج ملايين الفلسطينيين في داخل الوطن وخارجه يقتحمون الحدود ويزيلون السدود وكانت رسالته لهذا العالم الظالم بأن غزة المحاصرة المجوعة حان الوقت لتعيش كباقي شعوب الأرض لكنه عالم ظالم لا يفهم إلا لغة النار والدمار والطوفان لتقدم غزة في هذا الفعل الجماهيري الخالد مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمصابين والعدو يأبى إلا القتل والتجويع والموت البطيء لشعبنا وأهلنا

ليتابع أبو إبراهيم وإخوانه ورفاق دربه من فصائل المقاومة ورجالاتها هذا الحدث وتلك المسيرات لحظة بلحظة وساعة بساعة ليزداد اليقين لديه أن هذا العدو المجرم لا يحترم قانونا ولا يلتزم بعهد ولا ميثاق ولا مقاومة سلمية ولا إرادة دولية فكان القرار ليس بيننا وبينهم إلا صوت القنابل وهو يزغرد وصدح الرصاص وهو يغرد

أبو إبراهيم ما في هيعة ولا فزعة إلا كان هو الملاذ بعد الله سبحانه وتعالى لأبناء شعبه يداوي جراحاتهم ويبلسم قلوبهم ويطبب آلامهم وعذاباتهم يثق به الجميع فهو بمثابة الأخ والأب والصديق والرفيق والقائد والفدائي جعل من غزة أنموذجا فريدا جمع ووحد ورص الصفوف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وأشهد الله أن فصائل غزة ورجالات غزة ونخب غزة ووجهاء غزة قد أجمعت على هذا الرجل لصدقه وإخلاصه ورجولته وتفانيه

كان أبو إبراهيم إذا اجتمع كرب على الناس أو حل خطب بهم نادى فصائلهم وقادتهم وفي ساعة من نهار أو ليل يجتمعون يتباحثون يتشاورون وتخرج القلوب موحدة راضية ومن مكتبه كان القرار وكان خطاب الفصل يصطف القادة ويتحدث ناطقهم أمام كاميرات وفضائيات لا يسعها المكان ليصغى العالم إلى هذا الخطاب هنا غزة العتيدة هنا السمو والشموخ هنا الرجولة والشهامة والإباء فلا تكاد تسمع همسا
سلام عليك أبا إبراهيم سلام عليك يحيى سلام عليك في الخالدين
سلام عليك وأنت تكتب رسالتك الأخيرة وتخط بعصاك طريقا عبدته ومهرته بدمك القاني لتحيا الأجيال من بعدك وتهتف عاش يحيى لنحيا
عهدنا وقسمنا أننا سنكمل المشوار
الملتقى الجنة حبيب القلب وقرة العين أبا إبراهيم

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير