ثلاث سنوات على مجزرة المعمداني.. حين لم يجد الفلسطينيون الأمان حتى في المستشفى

17.10.2026 06:50 PM

وطن للأنباء: بعد ثلاث سنوات على مجزرة مستشفى الأهلي العربي "المعمداني" في مدينة غزة، لا تزال تلك الليلة حاضرة في ذاكرة الفلسطينيين، لا بوصفها ذكرى لمأساة عابرة، بل شاهداً على اللحظة التي تحوّل فيها المكان الذي لجأ إليه المرضى والجرحى والعائلات النازحة بحثاً عن الأمان إلى مشهد من القتل والدماء والفقد.

في السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وقبيل السابعة مساءً، وقع قصف عنيف استهدف المستشفى، حيث كان مرضى يتلقون العلاج، وعاملون صحيون يؤدون واجبهم، وعائلات احتمت بالساحة وموقف السيارات هرباً من القصف المتواصل على مدينة غزة. وفي دقائق، وجد مئات الفلسطينيين أنفسهم بين شهيد وجريح، فيما تحولت محاولات النجاة إلى سباق مع الوقت وسط إمكانات طبية محدودة وصدمة لم يكن أحد مستعداً لها.

لم تكن العائلات التي لجأت إلى المعمداني تبحث عن علاج فحسب؛ فكثيرون وصلوا إليه بعدما ضاقت بهم سبل النجاة، معتقدين أن وجودهم داخل منشأة طبية قد يمنحهم قدراً من الحماية من الغارات. حمل بعضهم أطفالهم، وجاء آخرون بملابسهم وأمتعتهم القليلة، فيما احتمى المرضى بأسرّتهم وممرات المستشفى. لكن الانفجار بدّد ذلك الشعور الهش بالأمان، وترك وراءه عائلات تبحث عن أبنائها وذويها وسط الفوضى.

 مئات الضحايا.. وأرقام تختصر حجم المأساة

في أعقاب المجزرة، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة استشهاد نحو 500 مواطن. وفي تحديثها الصادر في اليوم التالي، نقل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" حصيلة بلغت 471 شهيداً، بينهم أطفال وعاملون صحيون ونازحون، استناداً إلى بيانات الوزارة. كما أعلنت منظمة الصحة العالمية إصابة 342 شخصاً، بينهم 28 مصاباً بجروح خطيرة. 

لم تكن الأرقام وحدها كافية لتصوير ما جرى. فخلف كل رقم إنسان له اسم وحياة وعائلة، وأم تنتظر عودة طفلها، وأب يحاول التعرف إلى أحد أبنائه، وأسرة وجدت نفسها أمام فقد لم تكن تتخيل أن تواجهه في المكان الذي قصدته طلباً للحماية.

وتدفقت أعداد كبيرة من المصابين إلى مجمع الشفاء الطبي، الذي كان يعاني أصلاً ضغطاً هائلاً نتيجة القصف وتزايد أعداد الجرحى. وبحسب تقرير "أوتشا" الصادر في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2023، اضطر الأطباء، أمام التدفق الكبير للمصابين ونقص الإمكانات، إلى محاولة إجراء عمليات جراحية على الأرض وفي الممرات، في ظروف بالغة القسوة، معظمها دون تخدير.

كان على الطواقم الطبية أن تتخذ قرارات مصيرية في وقت قصير، وأن تحاول إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح، بينما كانت المستلزمات الطبية والقدرة الاستيعابية للمستشفيات تتراجع تحت وطأة الحرب. ولم يكن المصابون وحدهم من احتاجوا إلى النجدة؛ فقد احتاج الأطباء والممرضون أيضاً إلى بيئة تسمح لهم بالعمل وإنقاذ الأرواح.

 قبل الانفجار بثلاثة أيام.. تحذيرات وأوامر إخلاء

لم تأتِ مأساة المعمداني من دون مقدمات. ففي 14 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تعرض المستشفى لاستهداف ألحق أضراراً بمرافقه، وفق ما أعلنه وكيل وزارة الصحة في غزة يوسف أبو الريش في مؤتمر صحفي عقده في اليوم التالي للمجزرة.

وقال أبو الريش إن المستشفى تعرض لصاروخين، وإن اتصالاً إسرائيلياً أعقب ذلك، تضمن سؤالاً عن سبب عدم إخلاء المنشأة، وفق حديثه. وأشار إلى أن إدارة المستشفى تواصلت مع جهات كنسية ودولية في محاولة لضمان استمرار عمله.

وفي السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر، أكدت منظمة الصحة العالمية أن المعمداني كان واحداً من 20 مستشفى في شمال قطاع غزة تواجه أوامر إخلاء صادرة عن جيش الاحتلال.

وأوضحت المنظمة أن تنفيذ هذه الأوامر كان متعذراً بسبب انعدام الأمن، والحالة الحرجة للعديد من المرضى، ونقص سيارات الإسعاف والكوادر والأسرة في المنشآت البديلة، فضلاً عن غياب أماكن بديلة لإيواء النازحين. 

لم يكن إخلاء المستشفى قراراً إدارياً بسيطاً يمكن تنفيذه بمجرد صدور أمر؛ فثمة مرضى لا يستطيعون الحركة، وجرحى يحتاجون إلى تدخل عاجل، وأطفال وحديثو ولادة يحتاجون إلى رعاية متخصصة، وعائلات لا تعرف إلى أين يمكنها الذهاب في ظل القصف وانعدام المأوى الآمن.

وهنا تتجلى إحدى أكثر صور المأساة قسوة: أن يُطلب من المرضى والنازحين مغادرة المكان الذي لجؤوا إليه، من دون توافر طريق آمن أو بديل قادر على استقبالهم، فيما تستمر الأخطار التي دفعتهم إلى الاحتماء به.

مستشفى يعود إلى عام 1882.. وخدمة تتجاوز حدود العلاج

يعود تاريخ المستشفى الأهلي العربي إلى عام 1882، وهو من أقدم المؤسسات الصحية في فلسطين. وقد تولت بعثات معمدانية إدارته بين عامي 1954 و1982، قبل أن تنتقل إدارته إلى أبرشية القدس الأسقفية الأنجليكانية، وهو ما يفسر استمرار شيوع تسميته بالمستشفى المعمداني.

وعلى مدار عقود، قدم المستشفى خدمات طبية، وظل جزءاً من الحياة الصحية والاجتماعية في مدينة غزة. ومع اندلاع الحرب، لم يعد دوره مقتصراً على استقبال المرضى والجرحى؛ إذ تحولت ساحاته إلى ملاذ للعائلات التي فقدت منازلها أو خشيت أن تطالها الغارات.

لكن ما حدث في 17 تشرين الأول/أكتوبر وضع الحماية المفترضة للمرافق الطبية أمام اختبار بالغ القسوة. فقد شددت منظمة الصحة العالمية على ضرورة حماية المدنيين والمنشآت الصحية، مؤكدة أن القانون الدولي الإنساني يوجب حماية الرعاية الصحية وعدم استهدافها.

وتنص قواعد القانون الدولي الإنساني على حماية المستشفيات والوحدات الطبية ما دامت تتمتع بالحماية المقررة لها، كما تفرض على أطراف النزاع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. ولا يجوز التعامل مع وجود المرضى أو النازحين في منشأة طبية باعتباره أمراً يلغي حقوقهم في الحماية.

ثلاث سنوات من الحرب.. والمستشفيات في قلب المعاناة

لم تكن مأساة المعمداني حادثة منفصلة عن السياق الأوسع الذي عاشه القطاع الصحي في غزة منذ بدء الحرب. فقد تواصلت الهجمات والأضرار التي طالت المستشفيات والمراكز الصحية وسيارات الإسعاف، إلى جانب القيود على دخول الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية، ما أضعف قدرة المنشآت المتبقية على تقديم الرعاية للمرضى والجرحى.

ووفق الأرقام الواردة في البيانات الرسمية التي أوردتها وزارة الصحة في غزة، فقد طالت الأضرار أو التوقف عن العمل 38 مستشفى و96 مركزاً صحياً في القطاع. كما تجاوزت حصيلة الحرب، وفق البيانات الرسمية المحدّثة، 74 ألف شهيد و175 ألف مصاب، في أرقام تعكس اتساع الكارثة الإنسانية واستمرار آثارها على الأسر الفلسطينية.

ولا تقف آثار هذه الخسائر عند عدد الشهداء والجرحى أو حجم المباني المدمرة؛ فتعطل المستشفيات يعني تأخر علاج المرضى المزمنين، وتراجع خدمات الأمومة والطفولة، وصعوبة إجراء العمليات، وحرمان آلاف الأشخاص من الرعاية التي يحتاجون إليها للبقاء على قيد الحياة.

وكلما تراجعت قدرة النظام الصحي على العمل، اتسعت دائرة المتضررين لتشمل أشخاصاً لم يصابوا مباشرة بالقصف، لكنهم فقدوا إمكانية الوصول إلى العلاج أو وجدوا أنفسهم أمام خيارات محدودة لإنقاذ أطفالهم وذويهم.

 المعمداني.. ذاكرة لا تختصرها الأرقام

بعد ثلاث سنوات، تبقى مجزرة المعمداني واحدة من أكثر الوقائع إيلاماً في الأيام الأولى للحرب على غزة، بما حملته من صور القتل الجماعي، وبما كشفته عن هشاشة الأمان الذي يبحث عنه المدنيون وسط القصف والنزوح.

ليست الذكرى مجرد استعادة لتاريخ ومكان وحصيلة ضحايا؛ إنها تذكير بعائلات لجأت إلى المستشفى ولم تعد كما جاءت، وبأطفال حُرموا من حياتهم، وبمرضى وجدوا أنفسهم وسط خطر إضافي بدلاً من تلقي العلاج، وبطواقم طبية حاولت إنقاذ الأرواح في ظروف تتجاوز قدرة البشر والإمكانات المتاحة.

إن القيمة الإنسانية لهذه الذكرى تكمن في إعادة الضحايا إلى مركز الحكاية، لا بوصفهم أرقاماً في بيانات متعاقبة، بل بشراً كان لكل منهم مستقبل ينتظره وأشخاص يحبونه وحياة تستحق الحماية.

كما تكمن في التمسك بحق عائلاتهم في الحقيقة والعدالة، وبضرورة حماية المستشفيات والمدنيين في كل مكان، ومنع تكرار المآسي التي يصبح فيها طلب الأمان مخاطرة بالحياة.

في المعمداني، لم يكن السؤال في تلك الليلة عن قدرة المستشفى على العلاج وحدها، بل عن المكان الذي يمكن للمدنيين أن ينجوا فيه عندما تضيق بهم الأرض. وبعد ثلاث سنوات، يظل هذا السؤال مفتوحاً، فيما تبقى أسماء الضحايا وذكراهم مسؤولية إنسانية لا تسقط بمرور الزمن.

تصميم وتطوير