المناصب ليست مكاسب بل مسؤوليات وأمانة وطنية

16.10.2026 11:46 PM

كتب رامي الغف: ليست المناصب مكاسب شخصية، ولا غنائم سياسية، ولا جوائز تُمنح للمقرّبين وأصحاب الولاءات، بل هي مسؤوليات وطنية وأمانة أخلاقية تستوجب الكفاءة والنزاهة والإخلاص، وتضع مصلحة الشعب والوطن فوق كل اعتبار.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المؤسسات الوطنية هو أن تتحول المناصب من وسيلة لخدمة الناس إلى غاية يسعى إليها البعض لتحقيق مصالحهم الخاصة، أو لتعزيز نفوذهم، أو لضمان بقائهم في مواقع المسؤولية، بعيداً عن معايير الكفاءة والاستحقاق والمساءلة.

فالموقع القيادي ليس امتيازًا يمنح صاحبه حق التسلط على الآخرين، ولا حصانة تعفيه من النقد والمحاسبة، بل هو تكليف يفرض عليه أن يكون في مقدمة المدافعين عن حقوق الناس، وأن يتحمل المسؤولية عن قراراته، وأن يقدم نموذجاً في التواضع والنزاهة واحترام القانون.

وفي واقعنا الفلسطيني، حيث يعاني شعبنا ويلات الحرب والدمار والنزوح والفقر وفقدان أبسط مقومات الحياة، تصبح المسؤولية الوطنية أكثر إلحاحًا، ويغدو من غير المقبول أن ينشغل البعض بالصراع على المواقع والمناصب، بينما ينتظر المواطن من قياداته أن توفر له الأمل والحماية والكرامة، وأن تعمل على تخفيف معاناته واستعادة حقوقه وبناء مؤسساته على أسس سليمة.

إن المرحلة الراهنة لا تحتاج إلى مزيد من المحاصصة وتقاسم النفوذ، ولا إلى إعادة تدوير الوجوه ذاتها دون تقييم حقيقي للأداء، بل تحتاج إلى إصلاح جاد، وتجديد في الفكر والقيادة، وإتاحة الفرصة أمام الكفاءات الوطنية، والشباب، والمرأة، وأصحاب الخبرة والتجربة، بعيداً عن الاعتبارات الشخصية والفئوية.

فليس كل من يطالب بمنصب مؤهلاً له، وليس كل من يصل إلى موقع المسؤولية جديراً بالبقاء فيه. المعيار الحقيقي هو القدرة على الإنجاز، والنزاهة في الأداء، واحترام حقوق المواطنين، والاستعداد للمساءلة، والالتزام بالمصلحة العامة.

ومن هنا، فإن الإصلاح يبدأ بوضع معايير واضحة وشفافة للتعيين والتكليف، وربط المسؤولية بالأداء والنتائج، وإنهاء ثقافة الامتيازات الشخصية، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وضمان حق المجتمع في معرفة كيف تُدار مؤسساته، وكيف تُتخذ القرارات، وكيف تُنفق الموارد العامة.

كما أن المسؤولية الوطنية تقتضي أن يدرك كل من يتولى موقعاً عاماً أن الكرسي ليس ملكاً شخصياً، وأن المنصب ليس إرثاً عائلياً أو فئوياً، وأن البقاء في المسؤولية لا ينبغي أن يكون هدفاً بحد ذاته، بل يجب أن يرتبط بمدى القدرة على العطاء وتحقيق المصلحة العامة.

نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية ومؤسسية جديدة، يكون فيها التنافس على خدمة الوطن لا على المناصب، وعلى الإنجاز لا على النفوذ، وعلى كسب ثقة الناس لا على استرضاء أصحاب القرار. ثقافة تحترم من ينجح، وتحاسب من يقصّر، وتفسح المجال أمام الشخص المناسب في الموقع المناسب.

إن الوطن لا يُبنى بالألقاب، ولا تنهض المؤسسات بكثرة المسؤولين، بل بالكفاءة والإرادة والإخلاص والعدالة. ولا يمكن استعادة ثقة المواطن دون أن يرى تغييرًا حقيقيًا في طريقة اختيار القيادات، وفي سلوك المسؤولين، وفي قدرتهم على الاستماع إلى الناس والاستجابة لاحتياجاتهم.

ختاماً، المناصب ليست مكاسب، بل مسؤوليات، وليست امتيازات، بل أمانات، وليست وسيلة لخدمة الأشخاص، بل لخدمة الوطن والمواطن.

ومن لا يستطيع حمل الأمانة، فليترك المجال لمن هو أقدر على حملها؛ فالأوطان لا تتوقف عند أحد، والشعوب أكبر من الأشخاص، والتاريخ لا يخلّد أصحاب الكراسي، بل يخلّد أصحاب المواقف والإنجازات.

فلسطين بحاجة إلى مسؤولين يخدمون شعبهم، لا إلى شعب يُسخَّر لخدمة المسؤولين.

الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن قيمة الإنسان في عطائه، وأن قيمة المنصب في أثره، وأن الوطن فوق الجميع.

(رامي الغف،إعلامي وباحث سياسي)

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء

تصميم وتطوير