دخلنا الأقصى ولكن..! قصة لــ زهران معالي
05.08.2013 11:47 PM

قلنديا
بدأنا الرحلة في حافلة من رام الله، من المفترض أن تقل 17 راكبًا، لكنها أقلّت اليوم أكثر من 25 راكبًا -بموافقة الشرطي- فكنّا مثل "السردين" داخلها، ثم انطلقت بنا إلى طريق العبور (حاجز قلنديا) لنشاهد أجواء أزمة جديدة للمركبات والناس الذين يتخبطون في المكان، وبدأت مرحلة البحث عن مركبة للتهريب لأني لا أملك "تصريح دخول".
لم أعلم إذا ما كان حضور "المهرّب" خيرًا أو ويلًا، هو الذي أسميته "أبو الخيزران" تيمنًا بإحدى شخصيات الروائي غسان كنفاني، فكنا 15 متهربًا إلى المسجد الأقصى.
المتهربون: من أين ستهربنا؟ من العيزرية؟ من الزعيم؟ أو من الرام؟
أبو الخيزران: من بيرنبالا، وهي طريق مضمونة.
وصلنا الجسر المعلق وننظر متسائلين "هل من هنا سندخل إلى الأقصى؟؟!"، توقفت المركبة، وقال "أبو الخيزران": انزلوا بسرعة واصعدوا إلى تلك التلة، والكل صعد كما أمر، حتى وصلنا جدار الفصل العنصري.
قال موقّع التهريب "أحمد جهز السلم عالسريع" فكانت آخر خطوة بعملية الدخول إلى المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، فاقترح صعود أحدنا من أجل استكشاف المنطقة، وبالفعل صعد أحد الركاب على السلم المعلق على الجدار وقال إن ارتفاعها يقارب ثلاثة أمتار، ثم قال الأول "40 شيقل قبل ما تصعدوا السلم" ليدور نقاشش حوله، لأنه مرتفع، لكن لأننا مضطرون، دفعنا وصعدنا!
ما بعد الجدار
واحدًا تلو الآخر صعدنا، وقفزنا إلى الجهة الأخرى من الجدار، فكانت المرة الأولى بالنسبة لي التي لا ألحظ فيها أرقام السيارات الخضراء، أو أشعر بفوضى المركبات، و"النظام" كان المظهر الافت لي، بوجود إشارات المرور وممرات المشاة رغم عدم وجود مناطق سكنية. "أركض أركض، براء اختبئ سيارة بوليس قد جاءت" يقول أحد المتهربين معي، فمشينا جماعة على الطريق كما وصفها لنا "موقّع التهريب": أول رمزون على الشمال.
لكنّا تفاجأنا أننا نتجه للمكان الذي جئنا منه بـ"الفورد" وهو "حاجز قلنديا"، أكثر من خمسة كليو مترات سيرًا على الأقدام، يرافقنا فيها الخوف وتسارع في دقات القلب، كلما مرت مركبة "Police" إسرائيلية خاصة في المنطقة القريبة من الحاجز عند "عطوروت".
تفرقنا بين المركبات، لينتقل كل واحد منا إلى حافلة توصلنا إلى المسجد الأقصى، والمشاهد المخزونة في الذاكرة تختفي وتتبدل، فضجيج يختفي بعيدًا في ماض عريق نفاوض من أجل التنازل عنه، لتحل محله مناظر الحدائق الجميلة و"القطاااار".. نعم قطار، وسائق الحافلة يلعب دور الدليل إذ يشير لأسماء المناطق التي نمر عنها "هذه بيت حانينا.. هذه شعفاط". وكأني أتنفس لأول مرة منذ 13 عامًا، وأتنشق هواء المدينة المقدسة ومبانيها وشوارعها القديمة.
باب الساهرة
توقفت الحافلة، "اتفضلوا شباب أوصلنا"، للوهلة الأولى لم أصدق نفسي، "بدي أصيح، بدي أكبّر.. بدي بدي" أقول لصديقي أيسر الذي كان يرافقني. ولكن قبل الوصول لباب الساهرة بأمتار، حملتُ الكاميرا لالتقاط صور للمكان. "لا تصور.. شرطة" أيسر يتحدث، ولكن إذا بصفعة كبيرة على وجهي من مشهد لثلاثة مجندات يعتلين الباب تحت حراسة كلبهن (الجندي)، وما إن عدت للتنفس حتى داهمني خنجرٌ في حين سمعت شابًا مقدسيًا يقول "الضفافوي محتلين البلد".
أما الكلمة التي تكررت "خذ يمينك" منذ لحظة دخولي باب الساهرة حتى الوصول للحرم، نساء ورجال وأطفال ولجنة نظام تصيح "خد يمينك" لتخفيف الأزمة، كل متر أتقدمه نحو الداخل القلب يخفق بشوق ولوعة وخوف مستدام من المجهول "شرطي من الأحباش يغلق شارعًا في السوق".
"مسجد قبة الصخرة يا أيسر يا الله معقول"، نعم إنه المسجد لقد دخلنا رغم الصعاب، ونسيت التعب والتسلق على الجدار.. نسيت ونسيت. إنه الأقصى.
تذكرت التحدي الذي وضعته لنفسي عصر الأحد، بأنني سأدخل الأقصى رغم أنف الاحتلال وقد دخلت، لأجد عكس ما توقعت، فالحظ السيء أول المشاهد كان في ساحة القبة، "الضرب والحشر والنشر أمام مركبة توزيع الطعام والغذاء يرمى (ألقف يا معلم)، وموزع الطعام (خلص يا نور)"، فالنظام معدوم واحترام الكبير مهدور والاختلاط مع النساء مشؤوم!
تسييس الدين
أكثر ما يستفز الزائر للأقصى الحزين في ليلة القدر المباركة، "جماعات الهشك بشك" كما وددت تسميتها، وهي الأحزاب الفلسطينية التي لا تتوقف عن نشر رسالة حزبها داخل ساحات الأقصى، "تمر وشاي ومي" هاي الزاوية لحركة فتح عند المتحف، و"رابعة العدوية ومرسي والله أكبر" هاي الزاوية لحماس عند المسجد الأقصى، الناس تصلي قيام الليل والحركة تخطب بشعاراتها، ومسيرة "لأبو العبد هنية وكتائب القسام" وتصفيق وخمس ووحد!!، و"الخلافة الخلافة" هذه جماعة حزب التحرير أصحاب الجدارية واللافتات على مدخل المسجد الأقصى وخطب للصبح، وجندي واحد يغلق مدخل باب المغاربة في مقابلهم! ولا أحد يحرك ساكنا!، يا "نيالنا فيكم".
"الصلاة تعادل 500"
أي مكان داخل المسجد كنت أشاهده عبر التلفاز فقط، ولكن الأحد، تحولت المشاهد المرئية وما أشاهده على التلفاز إلى واقع. تمنيتُ الصلاة في كل مرصعة وبلاطة موجودة داخل الحرم، ولكن أكثر ما آلمني الأماكن التي كنت أشاهدها بواقع عملي في "دسك التحرير" بوكالة "وطن للأنباء" عبر فيديوهات كانت تصلنا عن اقتحام قطعان المستوطنين للساحات في المسجد، كنت أتمنى أن أبقى هناك لأني متيقن بعودتهم يومًا ما إلى هناك لأقوم بدوري معهم حتى لو كان فيه موتي.
وددت البقاء هناك.. في القدس في الأسواق، وحاولت أن أجسد كل خطوة بأبواقها وشوارعها بكلمة من قصيدة الشاعر تميم البرغوثي "في القدس من في القدس إلا أنت"، وأغنية فيروز الصباحية "شوارع القدس العتيقة".. كم تمنينت أن تعود ويومًا ما ستعود بوجود تلك الوفود الإسلامية القادمة من تركيا وأندونيسيا ومصر والسودان.. لو أن هذه الوفود تكون فاتحة للأقصى وليست سياحية.


