خرجوا ولم يعودوا... رحلة شباب غزيين انتهت في بطون الأسماك

12.02.2020 02:43 PM

غزة- وطن- محمود هنية: "يريدوني إما أسيراً وإما جريحاً وإما طريداً، لكني أقول لهم شهيداً شهيداً شهيداً"، باتت هذه الكلمات التي قالها الرئيس الراحل ياسر عرفات يوماً، تلاحق شعباً بأكمله، ليصبح في مواجهة الحصار والفقر من ناحية، والتشريد والهجرة من ناحية أخرى.

حكايات أمل بالخلاص انتهت في أعماق المحيطات، وفي بطون أسماك المتوسط، بعدما ضاقت بأصحابها أمواجه ففتكت بقواربهم الصغيرة، حكايات بنهايات يصعب على عائلاتهم تصديقها، فيكذبون خبر اختفائهم ويصرون على أنهم أحياء سيدقون باب المنزل عائدين في أية لحظة.

خرج ولم يعد
محمد الرنتيسي وساجي حماد، شابان من قطاع غزة خبرا فيه الفقر والجوع والحصار، وارتبط اسمهما بمحاولات شبانه المتكررة للهجرة، خسرا الأمل بالسفر بطريقة آمنة بعد حرب طاحنة عصفت بغزة وقضت على مكتب سفر ناشئ كانا يتعاملان معه.
لم يعد أمامهما سوى البحر، فقررا خوضه عام 2015، ثم في ليلة وضحاها، جاء الخبر: "توفي الشابان دون أثر لجثتيهما". واليوم، بعد مرور أربعة أعوام، لا يزال الخبر عصياً على التصديق. 

يقول والد ساجي، الأستاذ الجامعي المقعد، إن الرواية صعبة التصديق عليه، وقد أرسل عدداً من أبنائه لاحقاً للبحث عن مصير نجله، برغم كل تأكيدات الجهات الرسمية حول فقدانهما في كارثة غرق سفينتين كان على متنهما قرابة 250 شخصاً، قبالة بحر الإسكندرية في ذلك العام.

أما أم محمد الرنتيسي، فوجدت نفسها تقتفي أثره في السجون والمعتقلات، فتارة يأتيها خبر أن نجلها يقبع فيها داخل الأراضي المصرية، وتارة تسمع تأكيداً بموت ابنها.

وبات عشرات المهاجرين من غزة في عداد المفقودين، بعد الغموض الذي اكتنف حادثة غرق سفينة المتوسط في 10 أيلول/سبتمبر عام 2014، وتلتها حادثة غرق سفينة ثانية قبالة شواطئ الإسكندرية في 12 أيلول/سبتمبر، وسفينة ثالثة قبالة السواحل الليبية في 14 أيلول/سبتمبر من العام نفسه.

مخيمات الاعتقال
"من يموت فقد نجا من الحياة بأعجوبة"، يدرك هذه المقولة جيداً شبان وقعوا فريسة عصابات الهجرة على الحدود التركية اليونانية.
يدفع هؤلاء مبلغاً يصل إلى 4 آلاف دولار مقابل الهجرة إلى اليونان، باعتبارها المرحلة الأقرب للوصول إلى أوروبا، "الحلم الموعود" بالنسبة لهم، لكن اليونان تحولت إلى محطة لاستقبال جثث الغارقين أو مخيمات اعتقال واسعة لمن يصل ويبقى على قيد الحياة.
وقد سجلت وسائل التواصل الاجتماعي عدداً من الفيديوهات تظهر محاولة شبان فلسطينيين الانتحار في تلك المخيمات، نتيجة ما يقاسونه.

ويرصد الناشط الإنساني الفلسطيني إبراهيم العبادلة الأوضاع الإنسانية القاسية للشبان الفلسطينيين في مخيمات الاعتقال في اليونان، قائلا: "وضعهم في غاية السوء، ويتعرضون للإهانة والإذلال وصولاً للموت"، موضحا أن عدد الشباب الفلسطينيين هناك يقدر بـ 1800 شاب في مراكز الاعتقال.

"هناك اعتقاد أن من يصل إلى اليونان يجد الجنة، لكنه اعتقاد خاطئ تسبب بكوارث للشبان وللعديد من العائلات الفلسطينية القادمة من غزة"، مشيراً إلى أن الشرطة تتعامل مع هؤلاء الشبان بطريقة غير قانونية، وبعضهم أرجعته السلطات الى تركيا مرة أخرى.
ويبيّن العبادلة أنه تم تسجيل وفاة 18 شاباً من غزة غرقوا في نطاق الحدود الإقليمية لليونان خلال العامين الأخيرين، فيما لم يعرف عدد من غرق في نطاق الحدود الدولية.

ويوضح أن عدد اللاجئين الفلسطينيين الذي غادروا اليونان خلال العامين الأخيرين لم يتجاوز 20% من نسبة المقيمين المتبقين، وذلك نتيجة الإجراءات المشددة التي تتخذها اليونان في محاولة لمنع تسرب اللاجئين إلى الدول الأوروبية.

وبينما يلفت العبادلة إلى أن عدداً كبيراً من الشبان وقعوا ضحية عمليات نصب واحتيال من عصابات التهريب والاتجار بالبشر، يشير إلى أن اللاجئين في مراكز الإيواء في اليونان يتعرضون للسرقة والنهب.

وحول دور السفارة الفلسطينية تجاه هؤلاء الشباب، يوضح العبادلة أن السفارة لا تتعامل معهم مطلقاً، وتعتبر دخولهم غير شرعي، كما أنها لم تتحرك أساساً لمعرفة طبيعة أوضاعهم الإنسانية الكارثية.

سفينة 2014

بموازاة ذلك، يعرّج العبادلة على قضية المفقودين في سفينة 2014، مشيراً إلى أن من نجا فقط هم 4 شبان من أصل 400 شخص كانوا متواجدين على متنها.

ويذكر أن عملية الغرق كانت في عرض البحر خارج حدود المياه الإيطالية أو اليونانية، ولم تخرج أية جثة وقتها، كما أن السلطات لم تعتنِ بانتشال تلك الجثث.

ويعود العبادلة إلى دور السفارة التي كانت مطالبة بإصدار تقرير حول الحادثة التي جرت منذ 4 سنوات، لكن إهمالها للأمر أبقى الأمور في دائرة التكهن، وترك العائلات تنتظر أبناءها من دون أن تصدق وفاتهم، فلا هي رأت جثثاً ولا سمعت خبراً رسمياً يقطع شكّها باليقين.

*تم إنجاز هذه المادة في إطار برنامج التدريب الذي ينظمه مكتب العلاقات الخارجية في "الجامعة الأمريكية في بيروت" بالتعاون مع "مؤسسة دعم الإعلام الدولي

 

التعليـــقات

جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة وطن للأنباء
تصميم وتطوير